وفي ظلال هذا المثل الواقع المؤثر يدعوهم إلى النفرة العامة ، لا يعوقهم معوق . ولا يقعد بهم طارئ ، إن كانوا يريدون لأنفسهم الخير في هذه الأرض وفي الدار الاخرة :
( انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله . ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) . .
انفروا في كل حال ، وجاهدوا بالنفوس والأموال ، ولا تتلمسوا الحجج والمعاذير ، ولا تخضعوا للعوائق والتعلات .
( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
وأدرك المؤمنون المخلصون هذا الخير ، فنفروا والعوائق في طريقهم ، والأعذار حاضرة لو أرادوا التمسك بالأعذار . ففتح اللّه عليهم القلوب والأرضين ، وأعز بهم كلمة اللّه ، وأعزهم بكلمة اللّه ، وحقق على أيديهم ما يعد خارقة في تاريخ الفتوح .
قرأ أبو طلحة - رضي اللّه عنه - سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال : أرى ربنا استنفرنا شيوخاً وشباناً ، جهزوني يا بني . فقال بنوه : يرحمك اللّه قد غزوت مع رسول اللّه [ ص ] وعلى آله وسلم حتى مات ، ومع أبي بكر حتى مات ، ومع عمر حتى مات ، فنحن نغزو عنك . فأبى فركب البحر فمات ، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام ، فلم يتغير ، فدفنوه بها .
وروى ابن جرير بإسناده - عن أبي راشد الحراني قال : " وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول اللّه - [ ص ] - جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة ، وقد فضل عنها من عظمه يريد الغزو ؛ فقلت له قد قد أعذر اللّه إليك . فقال : أتت علينا سورة البعوث . "
وروى كذلك بإسناده - عن حيان بن زيد الشرعبي قال : نفرنا مع صفوان بن عمرو ، وكان والياً على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيراً هما ، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار ، فأقبلت إليه فقلت : يا عم لقد أعذر اللّه إليك . قال : فرفع حاجبيه فقال يا ابن أخي استنفرنا اللّه ، خفافاً وثقالاً . ألا إنه من يحبه اللّه يبتليه ، ثم يعيده فيبقيه ، وإنما يبتلي اللّه من عباده من شكر وصبر وذكر ، ولم يعبد إلا اللّه عز وجل .
وبمثل هذا الجد في أخذ كلمات اللّه انطلق الإسلام في الأرض ، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده ، وتمت تلك الخارقة في تلك الفتوح التحريرية الفريدة .
{ انْفِرُواْ } تجريد للأمر بالنفور بعد التوبيخ على تركه والإنكار على المساهلة فيه ، وقوله سبحانه : { خِفَافًا وَثِقَالاً } حالان من ضمير المخاطبين أيعلى كل حال من يسر أو عسر حاصلين بأي سبب كان من الصحة والمرض أو الغنى والفقر أو قلة العيال وكثرتهم أو الكبر والحداثة أو السمن والهزال أو غير ذلك مما ينتظم في مساعدة الأسباب وعدمها بعد الامكان والقدرة في الجملة . أخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن أبي يزيد المديني قال : كان أبو أيوب الأنصاري . والمقداد بن الأسود يقولان : أمرنا أن ننفر على كل حال ويتأولان الآية . وأخرجا عن مجاهد قال : قالوا إن فينا الثقيل وذا الحاجة . والصنعة ، والشغل . والمنتشر به أمره فأنزل الله تعالى : { انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً } وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً وعلى ما كان منهم ، فما روي في تفسيرهما من قولهم : خفافاً من السلاح وثقالا منه أو ركباناً ومشاة أو شباناً وشيوخاً أو أصحاء ومراضا إلى غير ذلك ليس تخصيصاً للأمرين المتقابلين بالإرادة من غير مقارنة للباقي . وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أعلى أن أنفر ؟ قال : نعم . حتى نزل : { لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ } [ النور : 61 ] وأخرج ابن أبي حاتم . وغيره عن السدى قال : لما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها فنسخها الله تعالى فقال : { لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى } [ التوبة : 91 ] الآية . وقيل : إنها منسوخة بقوله تعالى : { وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } [ التوبة : 122 ] وهو خلاف الظاهر ، ويفهم من بعض الروايات أن لا نسخ فقد أخرج ابن جرير . والطبراني . والحاكم وصححه عن أبي راشد قال : رأيت المقداد فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص يريد الغزو فقلت : لقد أعذر الله تعالى إليك قال : أبت علينا سورة البحوث يعني هذه الآية منها .
{ وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ الله } أي بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما والجهاد بالمال انفاقه على السلاح وتزويد الغزاة ونحو ذلك { ذلكم } أي ما ذكر من النفير والجهاد ، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة { خَيْرٌ } عظيم في نفسه { لَكُمْ } في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ، ويجوز أن يكون المراد خير لكم مما يبتغي بتركه من الراحة . والدعة . وسعة العيش . والتمتع بالأموال والأولد . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي إن كنتم تعلمون الخير علمتم أنه خير أو إن كنتم تعلمون أنه خير إذ لا احتمال لغير الصدق في أخباره تعالى فبادروا إليه ، فجواب إن مقدر . وعلم اما متعدية لواحد بمعنى عرف تقليلاً للتقدير أو متعدية لاثنين على بابها هذا .
( ومن باب الإشارة ) :{ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً } أي انفروا إلى طاعة مولاكم خفافاً بالأرواح ثقالاً بالقلوب ، أو خفافاً بالقلوب وثقالاً بالأجسام بأن يطيعوه بالأعمال القلبية والقالبية ، أو خفافاً بأنوار المودة وثقالاً بأمانات المعرفة ، أو خفافاً بالبسط وثقالاً بالقبض ، وقيل : خفافاً بالطاعة وثقالاً عن المخالفة . وقيل غير ذلك { وجاهدوا بأموالكم } بأن تنفقوها للفقراء { وأَنفُسَكُمْ } بأن تجودوا بها لله تعالى { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } في الدارين { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ التوبة : 41 ] ذلك والله تعالى الموفق للرشاد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.