في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا} (60)

58

أما الخوارق التي وقعت للرسول [ ص ] وأولها خارقة الإسراء والمعراج فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة . إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء .

( وإذ قلنا لك : إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ، والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) .

ولقد ارتد بعض من كان آمن بالرسول [ ص ] بعد حادثة الإسراء ، كما ثبت بعضهم وازداد يقينا . ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها الله لعبده في تلك الليلة " فتنة للناس " وابتلاء لإيمانهم . أما إحاطة الله بالناس فقد كانت وعدا من الله لرسوله بالنصر ، وعصمة له من أن تمتد أيديهم إليه .

ولقد أخبرهم بوعد الله له وبما أطلعه الله عليه في رؤياه الكاشفة الصادقة . ومنه شجرة الزقوم التي يخوف الله بها المكذبين . فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكما : هاتوا لنا تمرا وزبدا ، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول : تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا !

فماذا كانت الخوارق صانعة مع القوم لو كانت هي آية رسالته كما كانت علامة الرسالات قبله ومعجزة المرسلين ? وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغيانا كبيرا ?

إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده . ومن ثم لم يرسل إليهم بخارقة . فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق . أما قريش فقد أمهلت ولم تؤخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب . . ومن المكذبين من آمن بعد ذلك وكان من جند الإسلام الصادقين . ومنهم من أنجب المؤمنين الصادقين . وظل القرآن - معجزة الإسلام - كتابا مفتوحا لجيل محمد [ ص ] وللأجيال بعده ، فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته . إنما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه . وسيبقى القرآن كتابا مفتوحا للأجيال ، يهتدي به من هم بعد في ضمير الغيب ، وقد يكون منهم من هو أشد إيمانا وأصلح عملا ، وأنفع للإسلام من كثير سبقوه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا} (60)

قوله تعالى : { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } هذا تخصيص من الله لنبيه محمد ( ص ) على تبليغ رسالة الإسلام فيمضي بها إلى الأمام قدما غير هيّاب في ذلك ولا متردد . وفي الآية أيضا إعلام من الله أنه سيمنعه من الناس فلا ينفذون إليه بأذى أو مكروه ؛ لأنه عاصمه من كل سوء وهو سبحانه قد ( أحاط بالناس ) أي أحاطت قدرته بهم فهم في قبضته وسيطرته ولا يستطيعون الخروج من مشيئته وإحاطته . فلا تعبأ بهم يا محمد ولا يثنوك عما أمرك الله به من تبليغ دعوة الإسلام للناس .

قوله : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ) المراد بالرؤيا ، ما رأيه النبي ( ص ) ليلة أسري به إلى بيت المقدس ( والشجرة الملعونة ) هي شجرة الزقوم ؛ فقد أخبر النبي ( ص ) عقب إيابه من المعراج أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم . فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل : هاتوا لنا تمرا وزبدا وجعل يأكل من هذا ويقول : تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا .

وفي الآية تقديم وتأخير ؛ أي ما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس . والفتنة ارتداد بعض المسلمين ضعفة الإيمان حين سمعوا بإسراء النبي ( ص ) ؛ إذ لم تتصور عقولهم ذلك فأنكروا . وكذلك الشجرة الملعونة . وفتنتها أنهم لما خوفهم الله بكونها طعاما للجاحدين المكذبين قال أبو جهل كلمته الظالمة اللئيمة استهزاء وتهكما : هل تدرون ما هذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد ( ص ) ؟ قالوا : لا . قال : الثريد بالزبد . أما والله لئن أمكننا منها لنتزقمنها تزقما{[2706]} . والشجرة في ذاتها لا تقع عليها اللعنة ؛ بل لعن الله الكافرين الذين يأكلون منها في النار . والمعنى : والشجرة الملعون آكلوها في القرآن .

قوله : ( ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) أي يخوف الله الناس بمخاوف الدنيا مما حوته من الآلام والأرزاء والنوائب ، وكذلك يخوفهم بقواصم الآخرة وما فيها من البلايا وعظائم الأمور . فما يزيدهم كل هذا التخويف إلا تماديا في البطل وإغراقا في الفساد والطغيان{[2707]} .


[2706]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 195.
[2707]:- تفسير القرطبي جأ 10 ص 286 وتفسير النسفي جـ 2 ص 320.