وفي سياق الحديث عن سر الموت والحياة تجيء القصة الأخرى :
( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ، قال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ فأماته الله مائة عام ، ثم بعثه . قال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ! قال : بل لبثت مائة عام . فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ؛ وانظر إلى حمارك - ولنجعلك آية للناس - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما . فلما تبين له قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير ) . .
من هو ( الذي مر على قرية ) ؟ ما هذه القرية التي مر عليها وهي خاوية على عروشها ؟ إن القرآن لم يفصح عنهما شيئا ، ولو شاء الله لأفصح ، ولو كانت حكمة النص لا تتحقق إلا بهذا الإفصاح ما أهمله في القرآن . فلنقف نحن - على طريقتنا في هذه الظلال - عند تلك الظلال . إن المشهد ليرتسم للحس قويا واضحا موحيا . مشهد الموت والبلى والخواء . . يرتسم بالوصف : ( وهي خاوية على عروشها ) . . محطمة على قواعدها . ويرتسم من خلال مشاعر الرجل الذي مر على القرية . هذه المشاعر التي ينضح بها تعبيره : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ ) . .
إن القائل ليعرف أن الله هناك . ولكن مشهد البلى والخواء ووقعه العنيف في حسه جعله يحار : كيف يحيي هذه الله بعد موتها ؟ وهذا أقصى ما يبلغه مشهد من العنف والعمق في الإيحاء . . وهكذا يلقي التعبير القرآني ظلاله وإيحاءاته ، فيرسم المشهد كأنما هو اللحظة شاخص تجاه الأبصار والمشاعر .
( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ ) . .
كيف تدب الحياة في هذا الموات ؟
( فأماته الله مائة عام . ثم بعثه ) . .
لم يقل له كيف . إنما أراه في عالم الواقع كيف ! فالمشاعر والتأثرات تكون أحيانا من العنف والعمق بحيث لا تعالج بالبرهان العقلي ، ولا حتى بالمنطق الوجداني ؛ ولا تعالج كذلك بالواقع العام الذي يراه العيان . . إنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة ، التي يمتلىء بها الحس ، ويطمئن بها القلب ، دون كلام !
( قال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ! ) . .
وما يدريه كم لبث والإحساس بالزمن لا يكون إلا مع الحياة والوعي ؟ على أن الحس الإنساني ليس هو المقياس الدقيق للحقيقة ؛ فهو يخدع ويضل ؛ فيرى الزمن الطويل المديد قصيرا لملابسة طارئة ؛ كما يرى اللحظة الصغيرة دهرا طويلا لملابسة طارئة كذلك !
( قال : بل لبثت مائة عام ) . .
وتبعا لطبيعة التجربة ، وكونها تجربة حسية واقعية ، نتصور أنه لا بد كانت هنالك آثار محسوسة تصور فعل مائة عام . . هذه الآثار المحسوسة لم تكن في طعام الرجل ولا شرابه ، فلم يكونا آسنين متعفنين :
( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) . .
وإذن فلا بد أن هذه الآثار المحسوسة كانت متمثلة في شخصه أو في حماره :
( وانظر إلى حمارك - ولنجعلك آية للناس - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) أية عظام ؟ عظامه هو ؟ لو كان الأمر كذلك - كما يقول بعض المفسرين إن عظامه هي التي تعرت من اللحم - للفت هذا نظره عندما استيقظ ، ووخز حسه كذلك ، ولما كانت إجابته : ( لبثت يوما أو بعض يوم ) .
لذلك نرجح أن الحمار هو الذي تعرت عظامه وتفسخت . ثم كانت الآية هي ضم هذه العظام بعضها إلى بعض وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة ، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسه البلى ، ولم يصب طعامه ولا شرابه التعفن . ليكون هذا التباين في المصائر والجميع في مكان واحد ، معرضون لمؤثرات جوية وبيئية واحدة ، آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء ، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد ؛ وليدرك الرجل كيف يحيي هذه الله بعد موتها !
أما كيف وقعت الخارقة ؟ فكما تقع كل خارقة ! كما وقعت خارقة الحياة الأولى . الخارقة التي ننسى كثيرا أنها وقعت ، وأننا لا ندري كيف وقعت ! ولا ندري كذلك كيف جاءت إلا أنها جاءت من عند الله بالطريق التي أرادها الله . . وهذا " دارون " أكبر علماء الحياة يظل ينزل في نظريته بالحياة درجة درجة ، ويتعمق أغوارها قاعا قاعا ، حتى يردها إلى الخلية الأولى . . ثم يقف بها هناك . إنه يجهل مصدر الحياة في هذه الخلية الأولى . ولكنه لا يريد أن يسلم بما ينبغي أن يسلم به الإدراك البشري ، والذي يلح على المنطق الفطري إلحاحا شديدا . وهو أنه لا بد من واهب وهب الحياة لهذه الخلية الأولى . لا يريد أن يسلم لأسباب ليست علمية وإنما هي تاريخية في صراعه مع الكنيسة ! فإذا به يقول : " أن تفسير شؤون الحياة بوجود خالق يكون بمثابة ادخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت ! " . .
أي وضع ميكانيكي ! إن الميكانيكية هي أبعد شيء عن هذا الأمر الذي يفرض على الإدراك فرضا أن يبحث عن مصدر لهذا السر القائم تجاه الأبصار والبصائر !
وإنه - هو نفسه - ليجفل من ضغط المنطق الفطري ، الذي يلجيء الإدراك البشري إلجاء إلى الاعتراف بما وراء الخلية الأولى ، فيرجع كل شيء إلى " السبب الأول " ! ولا يقول : ما هو هذا السبب الأول ؟ ما هو هذا السبب الذي يملك إيجاد الحياة أول مرة ، ثم يملك - حسب نظريته هو وهي محل نظر طويل - توجيه الخلية الأولى في طريقها الذي افترض هو أنها سارت فيه صعدا ، دون أي طريق آخر غير الذي كان ! إنه الهروب والمراء والمحال ! ! !
ونعود إلى خارقة القرية لنسأل : وما الذي يفسر أن ينال البلى شيئا ويترك شيئا في مكان واحد وفي ظروف واحدة ؟ إن خارقة خلق الحياة أول مرة أو خارقة رجعها كذلك لا تفسر هذا الاختلاف في مصائر أشياء ذات ظروف واحدة .
إن الذي يفسر هذه الظاهرة هو طلاقة المشيئة . . طلاقتها من التقيد بما نحسبه نحن قانونا كليا لازما ملزما لا سبيل إلى مخالفته أو الاستثناء منه ! وحسباننا هذا خطأ بالقياس إلى المشيئة المطلقة : خطأ منشؤه أننا نفرض تقديراتنا نحن ومقرراتنا العقلية أو " العلمية ! " على الله سبحانه ! وهو خطأ يتمثل في أخطاء كثيرة :
فأولا : ما لنا نحن نحاكم القدرة المطلقة إلى قانون نحن قائلوه ؟ قانون مستمد من تجاربنا المحدودة الوسائل ، ومن تفسيرنا لهذه التجارب ونحن محدودو الإدراك ؟
وثانيا : فهبه قانونا من قوانين الكون أدركناه . فمن ذا الذي قال لنا : إنه قانون نهائي كلي مطلق ، وأن ليس وراءه قانون سواه ؟
وثالثا : هبه كان قانونا نهائيا مطلقا . فالمشيئة الطليقة تنشىء القانون ولكنها ليست مقيدة به . . إنما هو الاختيار في كل حال .
وكذلك تمضي هذه التجربة ، فتضاف إلى رصيد أصحاب الدعوة الجدد ، وإلى رصيد التصور الإيماني الصحيح . وتقرر - إلى جانب حقيقة الموت والحياة وردهما إلى الله - حقيقة أخرى هي التي أشرنا إليها قريبا . حقيقة طلاقة المشيئة ، التي يعنى القرآن عناية فائقة بتقريرها في ضمائر المؤمنين به ، لتتعلق بالله مباشرة ، من وراء الأسباب الظاهرة ، والمقدمات المنظورة . فالله فعال لما يريد . وهكذا قال الرجل الذي مرت به التجربة :
قوله تعالى : ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ) ( أو ) أداة عطف ، وبذلك فإن الآية معطوفة على الآية قبلها . والتقدير : ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه . . . أو كالذي مر على قرية . . . ) .
والقرية كمن قرى يقري أي جمع يجمع . قريت الماء جمعته ، وسمّيت القرية بذلك لاجتماع الناس فيها{[335]} . ولم تذكر الآية ماهية القرية المقصودة ولا الذي مر عليها . مع أن أكثر العلماء يقولون إن القرية هي بيت المقدس ، والذي مر عليها هو عُزير وهو من علماء بني إسرائيل .
لقد مر العزير – أو غيره- بمدينة بيت القدس فألفاها ( خاوية على عروشها ) وخاوية من خواء وهو الخول . نقول خوت الدار فهي خاوية إذا خلت من السكان وخواؤها على عروشها أن تكون سقوفها وجدرانها ساقطة قد أتى عليها الهدم والتدمير . ولدى رؤية عزير ذلك الخواء والخراب وقف مدهوشا مذهولا وقال : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) أي كيف لهذه القرية المتهدمة المندثرة ذات الأشلاء والركام والدثور أن تنبعث فيها الحياة من جديد ؟ وهو في مقالته هذه ليس مرتابا في حقيقة البعث والنشور وإحياء الموتى . ذلك أن الذي مر على القرية مؤمن بمثل هذه القضايا الأساسية ، لكنه قال قولته هذه على سبيل التعجب والدهش لقدرة الله البالغة ؛ إذ يبعث الموتى لينقلبوا أحياء بعد تمزق وتناثر وشتات .
وقوله : ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) أماته فعل ماض والضمير المتصل في محل نصب مفعول به ولفظ الجلالة فاعل . ( مائة ) منصوب على الظرفية الزمانية . ( عام ) مضاف إليه مجرور . والعام معناه الحول أو السنة . والمراد هو الأهم أن الله جل وعلا قد أماته ، وذلك بالتفريق بين جسده وروحه استنادا إلى ظاهرة العبارة القرآنية ، ثم رد الله إليه روحه بعد مائة عام فنهض حيا يتحرك ويعي .
قوله : ( قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام ) . ( كم ) في محل نصب ظرف زمان ، وقد اختلفوا في حقيقة السائل فقيل : إن الله جل وعلا . وقيل : كان السائل جبريل عليه السلام وقيل غير ذلك ، لكن المهم أن هذا الرجل الذي أماته الله ثم بعثه قد سئل عن حجم المدة التي لبثها في رقدته الطويلة هذه فأجاب بأنها كانت ( يوما أو بعض يوم ) فجاء الرد قاطعا حاسما ينطق بالحدث الهائل الذي يكشف عن معجزة ربانية لا يقوى على مثلها إلا الله ، وهو القادر القاهر المالك الذي لا يعز عليه شيء ، ولا يستنكف عن أمره وتقديره أحد ( قال بل لبثت مائة عام ) ولكي تكتمل المعجزة وتتضخم أبقى الله طعامه وشرابه على حالهما من الصلاح : فلم يأت عليهما الفساد والتسنّة ، فقال سبحانه : ( فانظر إلى طعامك وشرابك لن يتسنه ) من السنّه وسمي بذلك ؛ لأنه لم تغيّره السنون والأعوام والتسنه ، التكرج الذي يقع على الخبز والشراب وغيره . يقال خبز متسنه{[336]} .
ثم يبين الله لعبده الذي استحياه بعد ما أماته كيف ينشر الحياة في حماره بعد أن استجمع أعضاءه واحدا بعد آخر ما بين عظم ولحم وعصب ودم . وفي هذا الإحياء تبيان من الله لهذا العبد أنه سبحانه لا يعز عليه إحياء الموتى ، وأن ذلك عليه يسير ، فقال سبحانه : ( وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) ( ننشزها ) من النشز وهو الرفع . ومنه المرأة الناشز أي التي ترتفع عن طاعة زوجها مستنكفة . وبذلك فالمراد أن الله سبحانه وتعالى يبين لهذا العبد الصالح عملية الإحياء وذلك بإنشاز العظام وهو أن يرفع بعضها على بعض حتى إذا اكتمل جمعُها كسبت باللحم ليتم التركيب ثم الإحياء .
وقوله : ( فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ) عندما عاين قدرة الله في إحياء الميت وهو الحمار أعلن وأقر أن الله على كل شيء قدير . ولا ينبغي أن يفهم أن هذا الإقرار كان بعد نكران أو شك ، بل إنه إقرار على سبيل الطمأنينة واليقين اللذين تحققهما المعاينة المشهودة . فما كان هذا العبد إلا مؤمنا مستيقنا قد ازداد بالمعاينة والحس ثقة وإيمانا .