انفروا جماعات نظامية . أو انفروا جميعا . ولا ينفر بعضكم ويتثاقل بعضكم - كما هو واقع - وخذوا حذركم . لا من العدو الخارجي وحده ؛ ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين ؛ سواء كانوا يبطئون أنفسهم - أي يقعدون متثاقلين - أو يبطئون غيرهم معهم ؛ وهو الذي يقع عادة من المخذلين المثبطين !
ولفظة ( ليبطئن ) مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر ؛ وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها ، حتى يأتي على آخرها ، وهو يشدها شدا ؛ وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويرا كاملا بهذا التعثر والتثاقل في جرسها . وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن ، الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة .
وكذلك يشي تركيب الجملة كلها : ( وإن منكم لمن ليبطئن ) ، بأن هؤلاء المبطئين - وهم معدودون من المسلمين -( منكم ) يزاولون عملية التبطئة كاملة ، ويصرون عليها إصرارا ، ويجتهدون فيها اجتهادا . . وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة ! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة ، وشدة أثرها في الصف المسلم ؛ وشدة ما يلقاه منها !
ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم ، وعلى دخيلة نفوسهم ؛ ويرسم حقيقتهم المنفرة ، على طريقة القرآن التصويرية العجيبة :
فها هم أولاء ، بكل بواعثهم ، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم . . ها هم أولاء مكشوفين للأعين ، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر ، يكشف النوايا والسرائر ؛ ويكشف البواعث والدوافع .
ها هم أولاء - كما كانوا على عهد الرسول [ ص ] وكما يكونون في كل زمان وكل مكان . ها هم أولاء . ضعافا منافقين ملتوين ؛ صغار الاهتمامات أيضا : لا يعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر ، ولا أفقا أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة . فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد . وهم هم هذا المحور الذي لا ينسونه لحظة !
إنهم يبطئون ويتلكأون ، ولا يصارحون ، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال ! وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار :
يتخلفون عن المعركة . . فإن أصابت المجاهدين محنة ، وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين - في بعض الأحايين - فرح المتخلفون ؛ وحسبوا أن فرارهم من الجهاد ، ونجاتهم من الابتلاء نعمة :
( فإن أصابتكم مصيبة قال : قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا ) . .
إنهم لا يخجلون - وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة - أن ينسبوها لله . الله الذي خالفوا عن أمره فقعدوا ! والنجاة في هذه الملابسة لا تكون من نعمة الله أبدا . فنعمة الله لا تنال بالمخالفة . ولو كان ظاهرها نجاة !
إنها نعمة ! ولكن عند الذين لا يتعاملون مع الله . عند من لا يدركون لماذا خلقهم الله . ولا يعبدون الله بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة . نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطى ء الأقدام في هذه الأرض . . كالنمال . . نعمة عند من لا يحسون أن البلاء - في سبيل الله وفي الجهاد لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمة الله - هو فضل واختيار من الله ، يختص به من يشاء من عباده ؛ ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري ، ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة ، يملكونها ولا تملكهم . وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة . . في منازل الشهداء . .
إن الناس كلهم يموتون ! ولكن الشهداء - في سبيل الله - هم وحدهم الذين " يستشهدون " . . وهذا فضل من الله عظيم .
قوله : ( وإن منكم لمن ليبطئن ) المقصود بذلك المنافقون . وقيل عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين في المدينة . وعلى العموم فالمنافقون هم المراد في الآية ذلك أنهم يبطئون . وقوله : ( لمن ليبطئن ) اللام الأولى لام الابتداء . واللام الثانية واقعة في جواب القسم . والاسم ( من ) في قوله ( لمن ) اسم موصول في محل نصب اسم إن . وقوله ( ليبطئن ) من الإبطاء أو التباطؤ . ومعناه التثاقل والتخلف عن المعركة{[789]} . فالمنافقون كانوا يتباطأون في أنفسهم عن الخروج للمعركة ثم يبطئون غيرهم كذلك . وتلك خسيسة من خسائس المنافقين المنهزمين الذين يكيدون للإسلام في الظلام فيأتمرون عليه بالدس والتخويف والإرجاف .
وقوله : ( فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ) يبين الله حال المنافقين ويكشف عما يختلج في صدورهم من سوء النوايا وخبيث المكنون فهم دائما في أرجحة كيلا يكونوا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وكيلا يكونوا على طريق مستقيم مكشوف من غير تردد أو تذبذب تفرضه المصلحة الخاصة أو الهوى المتلجلج الفاسد .
والمنافقون تنطق ألسنتهم بما تخفيه قلوبهم من ارتياح وحبور إذا ما مُني المسلمون بمصيبة القتل أو التراجع في المعركة ويفرح أحدهم ( المنافقون ) إذ لم يكن مع المسلمين في الجهاد ؛ كيلا يكون نصيبه الموت . وقوله ( شهيدا ) لهو ذو إيحاء يؤتي مدلولا حول انسلاخ المنافقين من ربقة الإيمان وهم يغتبطون تمام الغبطة أنهم لم يكونوا مع الشهداء . مع أن الشهادة مطلب عظيم يتمناه المؤمن ويلح في دعائه إلى الله كلما ذكره من أجل أن يكتب له هذا الشرف ( الشهادة ) كيما يحتسب في سجل الأبرار والأخيار في عليين أو ينال عظيم الحظوة الرفيعة من الفردوس من الجنة . لكن المنافقين يعيشون في سرور مع أنفسهم ويتهامسون فيما بينهم بأنهم نجوا من خطر الشهادة وأخلدوا إلى الأرض في عيش مهين رخيص يحفه الكذب والخسّة والتدسس والخداع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.