ثم يأخذ السياق في مواجهة دقيقة يتتبع بها مكامن الأوهام الجاهلية ، ليلقي عليها الضوء ، ويستعرضها واحدا واحدا ، وجزئية جزئية ؛ فيكشف فيها عن السخف الذي لا يمكن تعليله ولا الدفاع عنه ؛ والذي قد يخجل منه صاحبه نفسه ، حين يكشف له في النور ؛ وحين يرى أن لا سند له فيه من علم ولا هدى ولا كتاب منير :
( ثمانية أزواج : من الضأن اثنين ومن المعز اثنين . قل : آلذكرين حرم أم الأنثيين ؟ أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ؟ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ! ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين . قل : آلذكرين حرم أم الأنثيين ؟ أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ؟ أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ؟ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) . .
فهذه الأنعام التي يدور حولها الجدل ؛ والتي ذكر في الآية السابقة أن الله خلقها لهم ، هي ثمانية أزواج - وكل من الذكر والأنثى يطلق عليه لفظ زوج عندما يكون مع رفيقه - زوج من الضأن وزوج من المعز . فأي منها حرمه الله على أي من الناس ؟ أم إنه حرم أجنتها في البطون ؟
( نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ) . .
فهذه الشئون لا يفتى فيها بالظن ، ولا يقضى فيها بالحدس ، ولا يشرع فيها بغير سلطان معلوم .
قوله تعالى : { ثمينة أزوج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صدقين ( 143 ) ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظلمين } ثمانية منصوب على البدل من الحمولة والفرش . وقيل : منصوب بفعل تقديره : أنشأ . أي أنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أي أصناف أو أفراد . والزوج ضد الفرد . وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا .
ويقال للاثنين : هما زوجان وهما زوج ، وكما يقال : هما سيان وهما سواء ونقول : عندي زوجا حمام يعني ذكرا وأنثى وعندي زوجا نعل . وثمانية أزواج يعني ثمانية أفراد . وسمي الفرد زوجا في هذه الآية ، لأن كل واحد من الذكر والأنثى زوج بالنسبة للآخر . والواحد إن كان منفردا سواء كان ذكرا أو أنثى سمي فردا . وإن كان الذكر مع الأنثى من جنسه قيل لهما : زوج . ويقال لكل واحد منهما على انفراده زوج{[1298]} .
وقوله : { من الضأن اثنين } الضأن جمع ضائن . كركب وراكب ، وصحب وصاحب . والأنثى ضائنة والجمع ضوائن{[1299]} والضأن هي ذوات الصوف من الغنم ، وهي خلاف المعز من الغنم . واثنين منصوب على البدل من ثمانية .
قوله : { ومن المعز اثنين } المعز من الغنم ضأن . وهو اسم جنس . وواحد المعز ماعز . مثل صاحب وصحب . والأنثى ماعزة وهي العنز ، والجمع مواعز{[1300]} .
قوله : { قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } الاستفهام للإنكار والتوبيخ ، لنسبتهم ما حرموه إلى الله افتراء عليه فكانوا مرة يحرمون الذكور ، ومرة يحرمون الإناث ، وغير ذلك من صور التحريم الباطل .
والمراد بالذكرين : ذكر الضأن والمعز . والمراد بالأنثيين : أنثى الضأن والمعز . أي قل لهم : أجاءكم التحريم فيما حرمتم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام من الذكرين أم من الأنثيين ؟ فلو قالوا : من قبل الذكر ، لاقتضى ذلك تحريم كل ذكر عليهم . ولو قالوا : من قبل الأنثى لاقتضى ذلك تحريم كل أنثى عليهم . وإن قالوا بتحريم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فذلك يستلزم أن كل مولود حرام سواء كان ذكرا أو أنثى وكلها مولود .
قوله : { نبئوني بعلم إن كنتم صدقين } أي بينوا لي ما حرمتموه بعلم يظهر صدق ما تقولون . وذلك على سبيل التبكيت لهم والتوبيخ . والله يعلم أنهم كاذبون فيما زعموه من تحريم وأنهم ليس لهم في ذلك برهان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.