وبعد تقرير الحكم ببراءة الله ورسوله من المشركين . . المعاهدين وغير المعاهدين منهم سواء . . مع استثناء الذين لم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً بالوفاء لهم بعهدهم إلى مدتهم . . يجيء ذكر الإجراء الذي يتخذه المسلمون بعد انقضاء الأجل المضروب :
{ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، وخذوهم ، واحصروهم ، واقعدوا لهم كل مرصد . فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } . .
وقد اختلفت الأقوال عن المقصود هنا بقوله تعالى : { الأشهر الحرم } . . هل هي الأشهر الحرم المصطلح عليها وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثم رجب : وعلى ذلك يكون الوقت الباقي بعد الأذان في يوم الحج الأكبر بهذه البراءة هو بقية الحجة ثم المحرم . . خمسين يوماً .
أم إنها أربعة أشهر يحرم فيها القتال ابتداء من يوم النحر فتكون نهايتها في العشرين من ربيع الأخر ؟ . . أم إن الأجل الأول للناقضين عهودهم . وهذا الأجل الثاني لمن ليس لهم عهد أصلاً أو لمن كان له عهد غير مؤقت ؟
والذي يصح عندنا أن الأربعة الأشهر المذكورة هنا غير الأشهر الحرم المصطلح عليها . وأنه أطلق عليها وصف الأشهر الحرم لتحريم القتال فيها ؛ بإمهال المشركين طوالها ليسيحوا في الأرض أربعة أشهر . وأنها عامة - إلا فيمن لهم عهد مؤقت ممن أمهلوا إلى مدتهم - فإنه ما دام أن الله قد قال لهم : { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } فلا بد أن تكون هذه الأشهر الأربعة ابتداء من يوم إعلانهم بها . . وهذا هو الذي يتفق مع طبيعة الإعلان .
وقد أمر الله المسلمين - إذا انقضت الأشهر الأربعة - أن يقتلوا كل مشرك أنى وجدوه أو يأسروه أو يحصروه إذا تحصن منهم أو يقعدوا له مترصدين لا يدعونه يفلت أو يذهب - باستثناء من أمروا بالوفاء لهم إلى مدتهم - بدون أي إجراء آخر معه . ذلك أن المشركين أنذروا وأمهلوا وقتاً كافياً ؛ فهم إذن لا يقتلون غدراً ، ولا يؤخذون بغتة ، وقد نبذت لهم عهودهم ، وعلموا سلفاً ما ينتظرهم .
غير أنها لم تكن حملة إبادة ولا انتقام . . إنما كانت حملة إنذار ودفع إلى الإسلام :
{ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ، إن الله غفور رحيم } . .
لقد كانت هنالك وراءهم اثنتان وعشرون سنة من الدعوة والبيان ؛ ومن إيذائهم للمسلمين وفتنتهم عن دينهم ، ومن حرب للمسلمين وتأليب على دولتهم . ثم من سماحة لهذا الدين . ورسوله وأهله معهم . . وإنه لتاريخ طويل . . ومع هذا كله فلقد كان الإسلام يفتح لهم ذراعيه ؛ فيأمر الله نبيه والمسلمين الذين أوذوا وفتنوا وحوربوا وشردوا وقتلوا . . كان يأمرهم أن يكفوا عن المشركين إن هم اختاروا التوبة إلى الله ، والتزموا شعائر الإسلام التي تدل على اعتناقهم هذا الدين واستسلامهم له وقيامهم بفرائضه . وذلك أن الله لا يرد تائباً مهما تكن خطاياه . . { إن الله غفور رحيم } . .
ولا نحب أن ندخل هنا في الجدل الفقهي الطويل الذي تعرضت له كتب التفسير وكتب الفقه حول هذا النص :
{ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } . .
وعما إذا كانت هذه شرائط الإسلام التي يكفر تاركها ؟ ومتى يكفر ؟ وعما إذا كان يكتفى بها من التائب دون بقية أركان الإسلام المعروفة ؟ . . الخ
فما نحسب أن هذه الآية بصدد شيء من هذا كله . إنما هو نص كان يواجه واقعاً في مشركي الجزيرة يومذاك . فما كان أحدهم ليعلن توبته ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا وهو يعني الإسلام كله ، ويعني استسلامه له ودخوله فيه . فنصت الآية على التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، لأنه ما كان ليفعل هذا منهم في ذلك الحين إلا من نوى الإسلام وارتضاه بكامل شروطه وكامل معناه .
وفي أولها الدينونة لله وحده بشهادة أن لا إله إلا الله ، والاعتراف برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - بشهادة أن محمداً رسول الله .
فليست هذه الآية بصدد تقرير حكم فقهي ، إنما هي بصدد إجراء واقعي له ملابساته .
وأخيراً فإنه مع هذه الحرب المعلنة على المشركين كافة بعد انسلاخ الأشهر الأربعة يظل الإسلام على سماحته وجديته وواقعيته كذلك . فهو لا يعلنها حرب إبادة على كل مشرك كما قلنا . إنما يعلنها حملة هداية كلما أمكن ذلك . فالمشركون الأفراد ، الذين لا يجمعهم تجمع جاهلي يتعرض للإسلام ويتصدى ؛ يكفل لهم الإسلام - في دار الإسلام - الأمن ، ويأمر الله - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يجيرهم حتى يسمعوا كلام الله ويتم تبليغهم فحوى هذه الدعوة ؛ ثم أن يحرسهم حتى يبلغوا مأمنهم . . هذا كله وهم مشركون .
قوله تعالى : { فإذا انسلخ الأشهر الحرام فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } انسلاخ الأشهر الحرم ؛ أي مضيها . سلخت الشهر : أمضيته وصرت في آخره{[1722]} .
واختلف العلماء في المراد بالأشهر الحرم في هذه الآية على ثلاثة أقوال :
القول الأول : إنها الأشهر الحرم المعروفة التي هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ؛ فهي ثلاثة سرد ، وواحدا فرد . وعلى هذا المعنى وجب الإمساك عن قتال من ليس له عهد من المشركين حتى انسلاخ الأشهر الحرم وهي مدة خمسين يوما ؛ لأن النداء بذلك كان يوم النحر ؛ فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي المسودة خمسين يوما تنقضي بانقضاء شهر محرم . وقد أمرهم الله بعد مرور هذه المدة أن يتقلوا المشركين حيث يجدونهم . وهو قول جماعة ، وهي رواية عن ابن عباس .
القول الثاني : إن المراد بها شهور العهد وهي الأربعة المشار إليها في قوله : { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } وسميت حرما ؛ لأن الله حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين أو التعرض لهم بأذى .
القول الثالث : إنها الأشهر المذكورة في قوله : { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } وهي رواية أخرى عن ابن عباس ، وقول جماعة آخرين .
قوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } المشركون عام في كل مشرك . لكن هذا العموم مخصوص بالسنة ؛ فخرج من المشركين في وجوب القتال كل من النساء والصبيان والرهبان والعاجزون عن القتال لهرم ونحوه . وقد مر تفصيل هذه المسألة في سورة البقرة . وهو كذلك مخصوص بأهل الكتاب ؛ فإنهم يجوز لهم أن يعقد لهم المسلمون عقد الذمة على أن يؤدوا الجزية .
قوله : { حيث وجدتموهم } أي في كل موضع يجدونهم فيه . وقيل : هذا عام وقد خص بتحريم القتال في الحرم . وهو قول أبي حنيفة محتجا بقوله تعالى : { ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإنه قتلوكم فاقتلوهم } .
قوله : { وخذوهم واحصروهم } المراد بالأخذ هنا ، الأسر ، فإن أسروهم ؛ قضوا فيهم ما يرونه أصلح ، سواء في ذلك المن أو الفداء أو القتل . وذلك منوط بالإمام ومعه الفئة الظاهرة من أهل العلم والاجتهاد .
أما حصرهم : فالمراد به منعهم من الخروج أو التصرف في البلاد .
قوله : { واقعدوا لهم كل مرصد } { كل } ، منصوب ، على الظرف{[1723]} والمرصد ، هو موضع الرصد . ومنه الرصد ؛ أي الراقب . والترصد معناه الترقب{[1724]} والمراد بالرصد هنا ؛ الموضع الذي يرقب فيه العدو ؛ أي اقعدوا لهم على كل طريق يمضون فيه إلى البيت أو الصحراء أو التجارة .
قوله : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } أي تابوا عن الشرك وخلعوا عن أنفسهم هوى العبودية لغير الله من الأصنام ونحوها . فآمنوا بالله ورسوله . وثمة شرطان آخران مضافان للإيمان بالله ورسوله لتتحقق التوبة الصحيحة فيخلى المسلمون سبيلهم . أولهما : الصلاة . ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة أو سائر الفرائض استحلالا أو جحدا ؛ فقد كفر . أما من تركها من غير جحد لها ولا استحلال ، بل على سبيل التهاون والتثاقل أو الكسل ؛ فإنه يكون فاسقا لكنه يقتل حدا وعقوبة ، في قول مالك والشافعي ؛ ويقتل كفرا ، في قوله أحمد وإن لم يكن جاحدا لها . وقال أبو حنيفة : لا يقتل بل يسجن ويضرب حتى يصلي .
وثانيهما : الزكاة ؛ فغنها تؤخذ من ذوي النصاب قسرا إن أبوا ، ويقاتلون عليها قتالا إن منعوها ؛ فهي اشرف أركان الإسلام وواجباته بعد الشهادة والصلاة لما فيها من منفعة للفقراء والمساكين والمحاويج .
ولهذا اعتمد الصديق ( رضي الله عنه ) في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية ، وعلى غيرها من أدلة السنة . ومنها ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ( رضي الله عنهما ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ) .
قوله : { فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } أي إن تحقق الشرط وهو توبتهم عن الشرك وأداؤهم الصلاة وإيتاؤهم الزكاة ؛ فدعوهم يتصرفون في بلادكم ويدخلون البيت الحرام ؛ فغن الله يغفر لمن تاب عن الذنوب وأناب إلى ربه بالطاعة وحسن العبادة . ذلكم وأن الله رحيم بعباده يتجاوز عن سيئاتهم وخطيئاتهم ، ويسكنهم فسيح جناته ، ويغشاهم بفضله ورضوانه{[1725]} .