في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ} (179)

121

وهكذا يتكشف أن الابتلاء من الله نعمة لا تصيب إلا من يريد له الله به الخير . فإذا أصابت أولياءه ، فإنما تصيبهم لخير يريده الله لهم - ولو وقع الابتلاء مترتبا على تصرفات هؤلاء الأولياء - فهناك الحكمة المغيبة والتدبير اللطيف ، وفضل الله على أوليائه المؤمنين .

وهكذا تستقر القلوب ، وتطمئن النفوس ، وتستقر الحقائق الأصيلة البسيطة في التصور الإسلامي الواضح المستقيم .

ولقد شاءت حكمة الله وبره بالمؤمنين ، أن يميزهم من المنافقين ، الذين اندسوا في الصفوف ، تحت تأثير ملابسات شتى ، ليست من حب الإسلام في شيء . فابتلاهم الله هذا الابتلاء - في أحد - بسبب من تصرفاتهم وتصوراتهم ، ليميز الخبيث من الطيب ، عن هذا الطريق :

( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب . وما كان الله ليطلعكم على الغيب . ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء . فآمنوا بالله ورسله . وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) . .

ويقطع النص القرآني بأنه ليس من شأن الله - سبحانه - وليس من مقتضى ألوهيته ، وليس من فعل سنته ، أن يدع الصف المسلم مختلطا غير مميز ؛ يتوارى المنافقون فيه وراء دعوى الإيمان ، ومظهر الإسلام ، بينما قلوبهم خاوية من بشاشة الإيمان ، ومن روح الإسلام . فقد أخرج الله الأمة المسلمة لتؤدي دورا كونيا كبيرا ، ولتحمل منهجا إلهيا عظيما ، ولتنشىء في الأرض واقعا فريدا ، ونظاما جديدا . . وهذا الدور الكبير يقتضي التجرد والصفاء والتميز والتماسك ، ويقتضي ألا يكون في الصف خلل ، ولا في بنائه دخل . . وبتعبير مختصر يقتضي أن تكون طبيعة هذه الأمة من العظمة بحيث تسامي عظمة الدور الذي قدره الله لها في هذه الأرض ؛ وتسامي المكانة التي أعدها الله لها في الآخرة . .

وكل هذا يقتضي أن يصهر الصف ليخرج منه الخبث . وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة . وأن تسلط عليه الأضواء لتتكشف الدخائل والضمائر . . ومن ثم كان شأن الله - سبحانه - أن يميز الخبيث من الطيب ، ولم يكن شأنه أن يذر المؤمنين على ما كانوا عليه قبل هذه الرجة العظيمة !

كذلك ما كان من شأن الله - سبحانه - أن يطلع البشر على الغيب ، الذي استأثر به ، فهم ليسوا مهيئين بطبيعتهم التي فطرهم عليها للاطلاع على الغيب ، وجهازهم البشري الذي أعطاه الله لهم ليس " مصمما " على أساس استقبال هذا الغيب إلا بمقدار . وهو مصمم هكذا بحكمة . مصمم لأداء وظيفة الخلافة في الأرض . وهي لا تحتاج للاطلاع على الغيب . ولو فتح الجهاز الإنساني على الغيب لتحطم . لأنه ليس معدا لاستقباله إلا بالمقدار الذي يصل روحه بخالقه ، ويصل كيانه بكيان هذا الكون . وأبسط ما يقع له حين يعلم مصائره كلها ، ألا يحرك يدا ولا رجلا في عمارة الأرض ، أو أن يظل قلقا مشغولا بهذه المصائر ، بحيث لا تبقى فيه بقية لعمارة الأرض !

من أجل ذلك لم يكن من شأن الله سبحانه ، ولا من مقتضى حكمته ، ولا من مجرى سنته أن يطلع الناس على الغيب .

إذن كيف يميز الله الخبيث من الطيب ؟ وكيف يحقق شأنه وسنته في تطهير الصف المسلم ، وتجريده من الغبش ، وتمحيصه من النفاق ، وإعداده للدور الكوني العظيم ، الذي أخرج الأمة المسلمة لتنهض به ؟

( ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) . .

وعن طريق الرسالة ، وعن طريق الإيمان بها أو الكفر ، وعن طريق جهاد الرسل في تحقيق مقتضى الرسالة ، وعن طريق الابتلاء لأصحابهم في طريق الجهاد . . عن طريق هذا كله يتم شأن الله ، وتتحقق سنته ، ويميز اللهالخبيث من الطيب ، ويمحص القلوب ، ويطهر النفوس . . ويكون من قدر الله ما يكون . .

وهكذا يرفع الستار عن جانب من حكمة الله ، وهي تتحقق في الحياة ؛ وهكذا تستقر هذه الحقيقة على أرض صلبة مكشوفة منيرة . .

وامام مشهد الحقيقة متجلية بسيطة مريحة ، يتجه إلى الذين آمنوا ليحققوا في ذواتهم مدلول الإيمان ومقتضاه ، ويلوح لهم بفضل الله العظيم ، الذي ينتظر المؤمنين .

( فآمنوا بالله ورسله . وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) . .

فيكون هذا التوجيه وهذا الترغيب ، بعد ذلك البيان وذلك الاطمئنان ، خير خاتمة لاستعراض الأحداث في " أحد " والتعقيب على هذه الأحداث . .

/خ179

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ} (179)

قوله تعالى : { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } . اختلفوا فيها ، فقال الكلبي : قالت قريش : يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان ، وأن من اتبعك على دينك فهو في الجنة ، والله عنه راض ، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال السدي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عرضت علي أمتي في صورها في الطين كما عرضت على آدم ، وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر بي ، فبلغ ذلك المنافقين ، فقالوا استهزاءً : زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم يخلق بعد ، ونحن معه وما يعرفنا ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ما بال أقوام طعنوا في علمي لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنباتكم به ، فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال : من أبي يا رسول الله ؟ قال : حذافة ، فقام عمر فقال : يا رسول الله رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبك نبياً فاعف عنا عفا الله عنك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهل أنتم منتهون ؟ ثم نزل عن المنبر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . واختلفوا في حكم الآية ونظمها ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين : الخطاب للكفار والمنافقين ، يعني ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب . وقال قوم : الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم ، معناه : ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق ، فرجع من الخبر إلى الخطاب . حتى يميز الخبيث ، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بضم الياء وتشديدها وكذلك التي في الأنفال ، وقرأ الباقون بالتخفيف ، يقال : ماز الشيء يميزه ميزاً وميزه تمييزاً إذا فرقه فامتاز ، قال أبو معاذ إذا فرقت بين شيئين ، قلت : مزت ميزاً ، فإذا كانت أشياء ، قلت : ميزتها تمييزاً ، وكذلك إذا جعلت الشيء الواحد شيئين قلت : فرقت بالتخفيف ، ومنه فرقت الشعر ، فإن جعلته أشياء ، قلت : فرقته تفريقاً ، ومعنى الآية حتى يميز المنافق من المخلص ، فميز الله المؤمنين من المنافقين يوم أحد حيث أظهروا النفاق فتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال قتادة : حتى يميز الكافر من المؤمن بالهجرة والجهاد ، وقال الضحاك : ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين ، وقيل : حتى يميز الخبيث ، وهو المذنب ، من الطيب ، وهو المؤمن ، يعني حتى تحط الأوزار عن المؤمن بما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة .

قوله تعالى : { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } . لأنه لا يعلم الغيب أحد غير الله .

قوله تعالى : { ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء } . فيطلعه على بعض علم الغيب ، نظيره قوله تعالى ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } . وقال السدي : معناه وما كان الله ليطلع محمداً صلى الله عليه وسلم على الغيب ولكن الله اجتباه .

قوله تعالى : { فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ} (179)

قوله تعالى : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ) .

المخاطب في قول أكثر المفسرين هم الكفار والمنافقون . أي ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق وعداوة النبي صلى الله عليه و سلم ، ذلك أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : تزعم محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان ، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض ، فأخبرتا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك ؟ فأنزل الله ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) .

وقيل : الخطاب للمصدقين جميعا من أهل الإخلاص والنفاق . فيكون المعنى : ما كان ليدع المؤمنين المخلصين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق فلا يعرف هذا من هذا حتى يميز الخبيث وهو المنافق الذي يستسر الكفر من الطيب وهو المؤمن الصادق .

أما كيفية التمييز بين المخلصين والمنافقين فثمة وجوه في ذلك :

منها : إلقاء المحن والمصائب كالقتل والهزيمة ونحوهما : وعندئذ يظهر المنافق ويستبين المؤمن الصادق .

ومنها : الهجرة والجهاد ، وهذان امتحنانا يعز على المنافق أن يحتملهما حتى تنكشف حاله للناس واضحا معزولا . بخلاف المؤمن الصادق فإنه مطوع لأوامر الله ورسوله لا يميل عنهما ولا يتردد في الاضطلاع بهما .

ومنها : أن المؤمنين الصادقين يغمرهم الفرح والبهجة عند كل نصر يظفر به المسلمون ، لكن المنافقين يغشاهم بسبب ذلك اغتمام وتنغيص .

قوله : ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) المخاطب المؤمنون . والمعنى أن الله لا يطلعكم على الغيب المستور فيقول لكم إن فلانا منافق وفلانا مؤمن . فلا يتسنى مثل هذا الإطلاع للناس . ولا سبيل للمؤمنين للوقوف على النفاق وتمييز المنافقين إلا بالمحن والابتلاءات يمتحن الله بها عباده . وقد ظهر ذلك في يوم أحد إذا تخلف المنافقون عن الجهاد . بل شمتوا بالمسلمين وفرحوا لما أصابهم من قتل وهزيمة .

قوله : ( ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) أي أن الله يختص أو يستخلص لرسالته من يشاء من عباده فيطلعه على بعض المغيبات .

وقوله : ( فآمنوا بالله ورسله ) لما سأل الكفار رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبين لهم من هو مؤمن منهم ومن هو كافر أنزل الله قوله : ( فآمنوا بالله ورسله ) أي لا يشغلنكم ما ليس يعنيكم فإن الخوض في مثل هذه المساءلات لا جدوى منه لكم ، لكن اشتغلوا بما يعنيكم وينفعكم وفيه النجاء لكم وهو الإيماء فآمنوا ، أي صدقوا وأيقنوا وامتثلوا ، فإنكم صدقتم واتقيتم ربكم بطاعته فيما أمر ، وفيما نهى فإن لكم بذلك من الله عظيم الثواب ؛ لذلك قال : ( وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) .