في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (22)

1

ثم ذلك المشهد الحي ، الذي يعرض كأنه يقع ، وتشهده العيون ، وتتابعه المشاعر ، وتخفق معه القلوب . يبدأ بتقرير القدرة المسيطرة المهيمنة على الحركة والسكون :

( هو الذي يسيركم في البر والبحر ) . .

ذلك أن السورة كلها معرض لتقرير هذه القدرة التي تسيطر على أقدار الكون كله بلا شريك .

ثم ها نحن أولاء أمام المشهد القريب :

( حتى إذا كنتم في الفلك ) . .

وها هي ذي الفلك تتحرك رخاء . .

( وجرين بهم بريح طيبة ) . .

وهذه مشاعر أهل الفلك ندركها :

( وفرحوا بها ) . .

وفي هذا الرخاء الآمن ، وفي هذا السرور الشامل ، تقع المفاجأة ، فتأخذ الغارين الآمنين الفرحين :

( جاءتها ريح عاصف ) .

يا للهول !

( وجاءهم الموج من كل مكان ) . .

وتناوحت الفلك واضطربت بمن فيها ، ولاطمها الموج وشالها وحطها ، ودار بها كالريشة الضائعة في الخضم . . وهؤلاء أهلها في فزع يظنون أن لا مناص :

( وظنوا أنهم أحيط بهم ) . .

فلا مجال للنجاة . .

عندئذ فقط ، وفي وسط هذا الهول المتلاطم ، تتعرى فطرتهم مما ألم بها من أوشاب ، وتنفض قلوبهم ما ران عليها من تصورات ، وتنبض الفطرة الأصيلة السليمة بالتوحيد وإخلاص الدينونة لله دون سواه :

( دعوا الله مخلصين له الدين : لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ) !

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (22)

قوله تعالى : { هو الذي يسيركم } ، يجريكم ويحملكم ، وقرأ أبو جعفر وابن عامر : ينشركم بالنون والشين من الشر وهو البسط والبث ، { في البر } ، على ظهور الدواب ، { و } في { البحر } ، على الفلك ، { حتى إذا كنتم في الفلك } ، أي : في السفن ، تكون واحدا وجمعا { وجرين بهم } ، يعني : جرت السفن بالناس ، رجع من الخطاب إلى الخبر ، { بريح طيبة } لينة ، { وفرحوا بها } ، أي : بالريح ، { جاءتها ريح } ، أي : جاءت الفلك ريح ، { عاصف } ، شديدة الهبوب ، ولم يقل ريح عاصفة ، لاختصاص الريح بالعصوف . وقيل : الريح تذكر وتؤنث . { وجاءهم } ، يعني : ركبان السفينة ، " الموج " ، وهو حركة الماء واختلاطه ، { من كل مكان وظنوا } ، أيقنوا { أنهم أحيط بهم } ، دنوا من الهلكة ، أي : أحاط بهم الهلاك ، { دعوا الله مخلصين له الدين } ، أي : أخلصوا في الدعاء لله ولم يدعوا أحدا سوى الله . وقالوا { لئن أنجيتنا } ، يا ربنا ، { من هذه } ، الريح العاصف ، { لنكونن من الشاكرين } ، لك بالإيمان والطاعة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (22)

ثم أخذ سبحانه يبين ما يتضح{[37799]} به أسرعية مكره في مثال دال على ما في الآية قبلها من نقله سبحانه لعباده{[37800]} من الضر إلى النعمة ومن سرعة تقلبهم فقال : { هو } أي لا غيره { الذي يسيركم } أي{[37801]} في كل وقت تسيرون فيه سيراً عظيماً لا تقدرون على الانفكاك عنه { في البر والبحر } أي يسبب لكم أسباباً توجب سيركم فيهما ويقدركم على ذلك ويهديكم من بين سائر الحيوانات إلى ما فيه من أصناف المنافع مع قدرته على إصابتكم في البر بالخسف وما بالخسف وما دونه وفي البحر بالغرق وما أشبهه .

ولما كان العطب بأحوال البحر أظهر مع أن السير فيه من أكبر الآيات وأوضح البينات ، بينه معرضاً عن ذكر البر فقال : { حتى إذا كنتم } أي كوناً لا براح لكم منه { في الفلك } أي السفن ، يكون واحداً وجمعاً ؛ وأعرض عنهم بعد الإقبال لما سيأتي فقال : { وجرين } أي الفلك{[37802]} ؛ { بهم } ولما ذكر جريها وهم فيها ، ذكر سببه فقال : { بريح طيبة } ثم أوضح{[37803]} لهم عدم علمهم بالعواقب بقوله : { وفرحوا بها } أي بتلك الريح وبالفلك الجارية بها { جاءتها ريح عاصف } فأزعجت سفنهم وساءتهم { وجاءهم الموج } أي المعروف لكل أحد بالرؤية أو الوصف { من كل مكان } أي يعتاد الإتيان منه فأرجف قلوبهم { وظنوا أنهم } ولما كان المخوف الهلاك ، لا كونه من معين ، بني للمفعول ما هو كناية عنه لأن العدو إذا أحاط بعدوه أيقن بالهلاك فقال : { أحيط بهم } .

ولما كان ما تقدم من حالهم الغريبة{[37804]} التي تجب لها القلوب وتضعف عندها{[37805]} القوى - مقتضياً لأن يسأل عما يكون منهم عند ذلك ، أتى المقال على مقتضى هذا السؤال مخبراً عن تركهم العناد وإخلاصهم الدال على جزعهم عند سطواته وانحلال عزائمهم في مشاهدة ضرباته ، وعبارة الرماني : اتصال دعوى الأجوبة ، كأنه قيل : لما ظنوا أنهم أحيط بهم { دعوا الله } أي الذي له صفات الكمال بالرغبة إليه في الخلاص والعبادة له .

بالإخلاص { مخلصين } أي عن كل شرك{[37806]} { له الدين * } أي {[37807]}التوحيد والتصديق{[37808]} بالظاهر والباطن ، وقد تضمنت الآية البيان عما توجبه{[37809]} بديهة العقل من الفزع عند الشدة إلى واهب السلامة ومسبغ{[37810]} النعمة في كشف تلك البلية ؛ ثم أتبع سبحانه ذلك حكاية حالهم{[37811]} في وعدهم الشكر على النجاة ثم كذبهم في ذلك مع ادعائهم أنهم أطهر الناس ذيولاً عن الكذب وأشدهم استقباحاً له وأبعد الناس من كفران الإحسان ، فقال تعالى حاكياً قولهم الذي دلُّوا بتأكيدهم له أنهم قالوه بغاية الرغبة نافين ما يظن بهم{[37812]} من الرجوع إلى ما كانوا فيه قبل تلك الحال من الكفر : { لئن أنجيتنا } أي أيها الملك الذي لا سلطان لغيره { من هذه } أي الفادحة { لنكونن } أي كوناً لا ننفك عنه { من الشاكرين* } أي المديمين لشكرك العريقين في الاتصاف به .


[37799]:في ظ: تتضح.
[37800]:في ظ: العبادة.
[37801]:زيد من ظ.
[37802]:من ظ، وفي الأصل: السفن.
[37803]:في ظ: أوضحوا.
[37804]:في ظ: القريبة.
[37805]:في ظ: عنها.
[37806]:في ظ: شك.
[37807]:في ظ: التوجه والقصد.
[37808]:في ظ: التوجه والقصد.
[37809]:في ظ: توجبه.
[37810]:في ظ: منبع.
[37811]:من ظ، وفي الأصل: لهم.
[37812]:في ظ: به.