ويسمع يوسف هذا القول في مجتمع النساء المبهورات ، المبديات لمفاتنهن في مثل هذه المناسبات . ونفهم من السياق أنهن كن نساء مفتونات فاتنات في مواجهته وفي التعليق على هذا القول من ربة الدار ؛ فإذا هو يناجي ربه :
( قال : رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ) . .
ولم يقل : ما تدعوني إليه . فهن جميعا كن مشتركات في الدعوة . سواء بالقول أو بالحركات واللفتات . . وإذا هو يستنجد ربه أن يصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن ، خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم ، فيقع فيما يخشاه على نفسه ، ويدعو الله أن ينقذه منه :
( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) . .
وهي دعوة الإنسان العارف ببشريته . الذي لا يغتر بعصمته ؛ فيريد مزيدا من عناية الله وحياطته ، يعاونه على ما يعترضه من فتنة وكيد وإغراء .
قوله تعالى : { قال رب } ، أي : يا رب ، { السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ، قيل : كان الدعاء منها خاصة ، ولكنه أضاف إليهن خروجا من التصريح إلى التعريض . وقيل : إنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن . وقرأ يعقوب وحده : السجن بفتح السين . وقرأ العامة بكسرها . وقيل : لو لم يقل : السجن أحب إلي لم يبتل بالسجن ، والأولى بالمرء أن يسأل الله العافية . قوله تعالى : { وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن } ، أمل إليهن وأتابعهن ، يقال : صبا فلان إلى كذا يصبو صبوا وصبوا وصبوة إذا مال واشتاق إليه . { وأكن من الجاهلين } ، فيه دليل على أن المؤمن إذا ارتكب ذنبا يرتكبه عن جهالة .
فكأنه قيل : فما{[41218]} قال ؟ فقيل{[41219]} : { قال } يهتف بمن فنى بشهوده عن كل مشهود ، دافعاً عن نفسه ما ورد عليه من وسوسة الشيطان في أمر جمالها وأمر رئاستها ومالها ، ومن مكر النسوة اللاتي{[41220]} نوّعن له{[41221]} القول في الترغيب والترهيب عالماً بأن القوة البشرية تضعف عن حمل{[41222]} مثل هذا إلا بتأييد عظيم ، مسقطاً للأداة{[41223]} على عادة أهل القرب{[41224]} : { رب السجن } وهو محيط مانع من الاضطراب فيما خرج عنه { أحب إليّ } أي أقل بغضاً { مما يدعونني } أي هؤلاء النسوة كلهن { إليه } لما علم من سوء عاقبة المعصية بعد سرعة{[41225]} انقضاء اللذة ، وهذه العبارة تدل على غاية البغض لموافقتها ، فإن السجن لا يتصور حبه عادة ، وإنما المعنى أنه لو كان يتصور الميل إليه كان ميلي{[41226]} إليه أكثر ، لكنه لا يتصور الميل إليه لأنه شر محض ، ومع ذلك فأنا أوثره على ما دعونني{[41227]} إليه ، لأنه أخف الضررين ، والحاصل أنه أطلق المحبة على ما يضادها في هذا السياق من البغض بدلالة الالتزام ، فكأنه قيل : السجن أقل بغضاً إلى ما تدعونني إليه{[41228]} ، وذلك هو ضد " أحب " الذي معناه{[41229]} أكثر حباً ، ولكن حولت العبارة ليكون كدعوى الشيء مقروناً{[41230]} بالدليل ، وذلك أنه{[41231]} لما فوضل في المحبة بين شيئين أحدهما مقطوع ببغضه ، فُهم قطعاً أن المراد إنما هو أن بغض هذا البغيض دون بغض المفضول ، فعلم قطعاً أن ذلك يظن حبه أبغض من هذا المقطوع ببغضه ، {[41232]} وكذا كل ما{[41233]} فوضل بينهما في وصف يمنع من حمله على الحقيقة كون المفضل متحققاً بضده - والله الموفق ؛ والدعاء : طلب الفعل من المدعو ، وصيغته كصيغة الأمر إلا أن الدعاء لمن فوقك ، والأمر لمن دونك{[41234]} { وإلا تصرف } أي أنت يا رب الآن وفيما{[41235]} يستقبل من الزمان ، مجاوزاً { عني كيدهن } أي ما قد التبس من مكرهن وتدبيرهن الذي يردن به الخبث{[41236]} احتيالاً{[41237]} على الوصول إلى قصدهن خديعة وغروراً { أصب } أي أمل{[41238]} ميلاً عظيماً { إليهن } لما جبل{[41239]} الآدمي عليه من الميل النفساني إلى مثل ذلك ، ومتى انخرق سياج صيانته بواحدة تبعها أمثالها ، واتسع الخرق على الراقع{[41240]} ، ولذلك قال : { وأكن } أي كونا هو كالجبلة { من الجاهلين } أي الغريقين في الجهل بارتكاب مثل أفعالهم
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.