في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّـٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (4)

ثم تمضي الريشة المبدعة في تخطيط وجه الأرض بخطوط جزئية أدق من الخطوط العريضة الأولى :

( وفي الأرض قطع متجاورات ، وجنات من أعناب ، وزرع ، ونخيل صنوان وغير صنوان ، يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل . إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) . .

وهذه المشاهد الأرضية ، فينا الكثيرون يمرون عليها فلا تثير فيهم حتى رغبة التطلع إليها ! إلا أن ترجع النفس إلى حيوية الفطرة والاتصال بالكون الذي هي قطعة منه ، انفصلت عنه لتتأمله ثم تندمج فيه . .

( وفي الأرض قطع متجاورات ) . .

متعددة الشيات ، وإلا ما تبين أنها( قطع )فلو كانت مثماثلة لكانت قطعة . . منها الطيب الخصب ، ومنها السبخ النكد . ومنها المقفر الجدب . ومنها الصخر الصلد . وكل واحد من هذه وتلك أنواع وألوان ودرجات . ومنها العامر والغامر . ومنها المزروع الحي والمهمل الميت . ومنها الريان والعطشان . ومنها ومنها ومنها . . وهي كلها في الأرض متجاورات .

هذه اللمسة العريضة الأولى في التخطيط التفصيلي . . ثم تتبعها تفصيلات : ( وجنات من أعناب ) . ( وزرع ) . ( ونخيل )تمثل ثلاثة أنواع من النبات ، الكرم المتسلق . والنخل السامق . والزرع من بقول وأزهار وما أشبه . مما يحقق تلوين المنظر ، وملء فراغ اللوحة الطبيعية ، والتمثيل لمختلف أشكال النبات .

ذلك النخيل . صنوان وغير صنوان . منه ما هو عود واحد . ومنه ما هو عودان أو أكثر في أصل واحد . . وكله ( يسقى بماء واحد )والتربة واحدة ، ولكن الثمار مختلفات الطعوم :

( ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) .

فمن غير الخالق المدبر المريد يفعل هذا وذاك ? !

من منا لم يذق الطعوم مختلفات في نبت البقعة الواحدة . فكم منا التفت هذه اللفتة التي وجه القرآن إليها العقول والقلوب ? إنه بمثل هذا يبقى القرآن جديدا أبدا ، لأنه يجدد أحاسيس البشر بالمناظر والمشاهد في الكون والنفس ؛ وهي لا تنفد ولا يستقصيها إنسان في عمره المحدود ، ولا تستقصيها البشرية في أجلها الموعود .

( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) . .

ومرة ثالثة نقف أمام التقابلات الفنية في اللوحة بين القطع المتجاورات المختلفات . والنخل صنوان وغير صنوان والطعوم مختلفات . والزرع والنخيل والأعناب . . .

تلك الجولة الهائلة في آفاق الكون الفسيحة ، يعود منها السياق ليعجب من قوم ، هذه الآيات كلها في الآفاق لا توقظ قلوبهم ، ولا تنبه عقولهم ، ولا يلوح لهم من ورائها تدبير المدبر ، وقدرة الخالق ، كأن عقولهم مغلولة ، وكأن قلوبهم مقيدة ، فلا تنطلق للتأمل في تلك الآيات :

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّـٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (4)

قوله تعالى : { وفي الأرض قطع متجاورات } ، متقاربات يقرب بعضها من بعض ، وهي مختلفة : هذه طيبة تنبت ، وهذه سبخة لا تنبت ، وهذه قليلة الريع ، وهذه كثيرة الريع ، { وجنات } : بساتين ، { من أعناب وزرع ونخيل صنوان } ، رفعها كلها ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص ، ويعقوب ، عطفا على الجنات ، وجرها الآخرون نسقا على الأعناب . والصنوان : جمع صنو ، وهو النخلات يجمعهن أصل واحد . { وغير صنوان } ، هي النخلة المنفردة بأصلها .

وقال أهل التفسير : صنوان : مجتمع ، وغير صنوان : متفرق . نظيره من الكلام : قنوان جمع قنو . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في العباس : " إن عم الرجل صنو أبيه " . ولا فرق في الصنوان والقنوان بين التثنية والجمع إلا في الإعراب ، وذلك أن النون في التثنية مكسورة غير منونة ، وفي الجمع منونة .

{ يسقى بماء واحد } ، قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب يسقى بالياء أي يسقى ذلك كله لماء واحد ، وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى : { وجنات } ولقوله تعالى من بعد : { ونفضل بعضها على بعض } ، ولم يقل بعضه . والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام . { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } ، في الثمر والطعم . قرأ حمزة والكسائي ويفضل بالياء ، لقوله تعالى : { يدبر الأمر يفصل الآيات } [ الرعد-2 ] . وقرأ الآخرون بالنون على معنى : ونحن نفضل بعضها على بعض في الأكل ، وجاء في الحديث ونفضل بعضها على بعض في الأكل ، قال : الفارسي ، كجيد التمر والدقل ، والحلو والحامض . قال مجاهد : كمثل بني آدم ، صالحهم وخبيثهم ، وأبوهم واحد . قال الحسن : هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم ، يقول : كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن عز وجل ، فسطحها ، فصارت قطعا متجاورة ، فينزل عليها المطر من السماء ، فتخرج هذه زهرتها ، وشجرها وثمرها ونباتها ، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها ، وكل يسقى لماء واحد ، كذلك الناس خلقوا من آدم عليه السلام فينزل من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع ، وتقسو قلوب فتلهو . قال الحسن : والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان ، قال الله تعالى : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً } [ الإسراء-82 ] . { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّـٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (4)

ولما كان الدليل - مع وضوحه - فيه بعض غموض ، شرع تعالى في{[43459]} شيء من تفصيل ما في الأرض من الآيات التي هي أبين من ذلك دليلاً ظاهراً جداً على إبطال قول الفلاسفة ، فقال : { وفي الأرض } أي التي{[43460]} أنتم سكانها ، تشاهدون ما فيها مشاهدة لا تقبل{[43461]} الشك { قطع متجاورات } فهي متحدة البقعة مختلفة الطبع{[43462]} ، طيبة إلى سبخة ، وكريمة إلى زهيدة ، وصلبة إلى رخوة ، وصالحة للزرع لا للشجر وعكسها{[43463]} ، مع انتظام الكل في الأرضية { وجنات } جمع جنة ، وهي البستان الذي{[43464]} تجنه الأشجار { من أعناب } وكأنه قدمها لأن أصنافها - الشاهدة{[43465]} بأن صانعها إنما هو الفعال لما يريد -{[43466]} لا تكاد تحصر{[43467]} حتى أنه في الأصل الواحد يحصل تنوع الثمرة{[43468]} ولذلك جمعها .

ولما كان تفاوت ما أصله الحب أعجب ، قال : { وزرع } أي منفرداً - في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالرفع ، وفي خلل الجنات - في قراءة الباقين بالجر .

ولما كان ما جمعه أصل واحد ظاهر أغرب أخر قوله : { ونخيل صنوان } فروع متفرقة على أصل واحد { وغير صنوان } باعتبار افتراق منابتها{[43469]} وأصولها ؛ قال أبو حيان{[43470]} : والصنو : الفرع يجمعه وآخر أصل واحد{[43471]} ، وأصله المثل ، ومنه قيل للعم : صنو{[43472]} وقال الرماني : والصنوان : المتلاصق ، يقال : هو ابن أخيه صنو أبيه{[43473]} أي لصيق أبيه في ولادته ، وهو جمع صنو{[43474]} ، وقيل : الصنوان : النخلات التي أصلها واحد - عن البراء بن عازب وابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم ؛ وقال الحسن رضي الله عنه : الصنوان : النخلتان أصلهما واحد - انتهى .

وهو تركيب لا فرق بين مثناه{[43475]} وجمعه إلا بكسر النون من غير تنوين وإعرابها مع التنوين ، وسيأتي في يس إن شاء الله تعالى سر تسمية الكرم بالعنب .

ولما كان الماء بمنزلة{[43476]} الأب والأرض بمنزلة{[43477]} الأم ، وكان الاختلاف مع اتحاد الأب والأم أعجب وأدل على الإسناد إلى الموجد المسبب ، لا إلى شيء من الأسباب ، قال : { تسقى{[43478]} } أي أرضها الواحدة كلها { بماء واحد } فتخرج{[43479]} أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا يتأخر عنه ولا يتقدم بعد أن يتصعد الماء فيها علوّاً ضد ما في طبعه من التسفل ، ثم يتفرق في كل من الورق والأغصان والثمار بقسطه مما فيه صلاحه { ونفضل } أي{[43480]} بما لنا من العظمة المقتضية للطاعة { بعضها } أي بعض تلك الجنات وبعض أشجارها { على بعض } ولما كان التفضيل على أنحاء مختلفة ، بين المراد بقوله : { في الأكل } أي الثمر المأكول ، ويخالف في المطعوم مع اتحاد الأرض وبعض الأصول ، وخص الأكل لأنه أغلب وجوه{[43481]} الانتفاع ، وهو منبه على اختلاف غيره من الليف والسعف{[43482]} واللون للمأكول والطعم والطبع والشكل والرائحة{[43483]} والمنفعة وغيرها مع أن نسبة{[43484]} الطبائع والاتصالات الفلكية إلى جميع الثمار على حد سواء{[43485]} لا سيما إذا رأيت العنقود الواحد جميع حباته حلوة نضيجة كبيرة إلا واحدة فإنها حامضة صغيرة يابسة .

ولما كان المراد في هذا السياق - كما تقدم - تفصيل ما نبه على كثرته بقوله : { وكأين من آية في السماوات والأرض } الآية ، قال : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم الذي تقدم { لآيات } بصيغة الجمع فإنها بالنظر إلى تفصيلها بالعطف جمع وإن كانت بالنظر إلى الماء مفردة{[43486]} ، وهذا بخلاف ما يأتي في النحل{[43487]} لأن المحدث عنه هناك الماء ، وهنا ما ينشأ عنه ، فلما اختلف المحدث عنه كان الحديث بحسبه ، فالمعنى : دلالات واضحات على أن ذلك كله فعل واحد مختار عليم قادر على ما يريد من ابتداء الخلق ثم تنويعه بعد إبداعه{[43488]} ، فهو قادر على إعادته بطريق الأولى{[43489]} .

ولما كانت هذه المفصلة أظهر من تلك المجملة{[43490]} ، فكانت من الوضوح بحال لا يحتاج ناظره في الاعتبار به إلى غير العقل ، قال : { لقوم } أي ذوي قوة على ما يحاولونه { يعقلون } فإنه{[43491]} لا يمكن التعبير{[43492]} في وجه هذه الدلالة إلا بأن{[43493]} يقال{[43494]} هذه الحوادث السفلية حدثت بغير محدث ، فيقال للقائل : وأنت لا عقل لك ، لأن العلم بافتقار الحادث إلى المحدث ضرورة ، فعدم العلم بالضروري يستلزم عدم{[43495]} العقل .


[43459]:زيد عده في ظ: تفصيل.
[43460]:سقط من ظ و م ومد.
[43461]:من ظ ومد، وفي الأصل و م: لا يقبل.
[43462]:في م: للطبع.
[43463]:في ظ: يمسكها.
[43464]:في ظ: التي.
[43465]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: المشاهدة.
[43466]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا يكاد يحضر.
[43467]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا يكاد يحضر.
[43468]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الشجرة.
[43469]:في ظ: نباتها.
[43470]:راجع النهر على هامش البحر 5/362؛ والعبارة من بعده إلى "قال الرماني" ساقطة من مد.
[43471]:من ظ و م والنهر، وفي الأصل: واحدة.
[43472]:من ظ و م والنهر، وفي الأصل: صنوه.
[43473]:زيد من ظ و م ومد.
[43474]:من ظ و م، وفي الأصل ومد: صنوه.
[43475]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: منتهاه.
[43476]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[43477]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[43478]:هذه قراءة الجماعة، وقراءة يعقوب وابن عامر وعاصم بالياء على التذكير.
[43479]:من ظ، وفي الأصل و م ومد: فنخرج.
[43480]:سقط من ظ.
[43481]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: وجود.
[43482]:في مد: الشعف.
[43483]:في ظ: الريحة.
[43484]:من ظ و م، وفي الأصل ومد: تشبه.
[43485]:في م: اسوا.
[43486]:في ظ ومد: مفرده.
[43487]:آية 11.
[43488]:في ظ: إبلاغه.
[43489]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: أولى.
[43490]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الجملة.
[43491]:في ظ: لأنه.
[43492]:في م: التغبير.
[43493]:في مد: أن.
[43494]:زيد من ظ و م ومد.
[43495]:زيد من ظ و م ومد.