( وإن تعجب فعجب قولهم : أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ? أولئك الذين كفروا بربهم ، وأولئك الأغلال في أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . .
وإنه لعجيب يستحق التعجيب ، أن يسأل قوم بعد هذا العرض الهائل :
( أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ? ) . .
والذي خلق هذا الكون الضخم ودبره على هذا النحو ، قادر على إعادة الأناسي في بعث جديد . إنما هو الكفر بربهم الذي خلقهم ودبر أمرهم . وإنما هي أغلال العقل والقلب . فالجزاء هو الأغلال في الأعناق ، تنسيقا بين غل العقل وغل العنق ؛ والجزاء هو النار خالدين فيها . فقد عطلوا كل مقومات الإنسان التي من أجلها يكرمه الله ، وانتكسوا في الدنيا فهم في الآخرة يلاقون عاقبة الانتكاس حياة أدنى من حياتهم الدنيا ، التي عاشوها معطلي الفكر والشعور والإحساس .
قوله تعالى : { وإن تعجب فعجب قولهم } ، العجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : إنك إن تعجب من إنكارهم النشأة الآخرة مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله عز وجل فعجب أمرهم . وكان من المشركون ينكرون البعث ، مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله تعالى ، وقد تقرر في القلوب أن الإعادة أهون من الابتداء ، فهذا موضع العجب . وقيل : معناه : وإن تعجب من تكذيب المشركين واتخاذهم ما لا يضر ولا ينفع آلهة يعبدونها وهم قد رأوا من قدرة الله تعالى ما ضرب لهم به الأمثال فعجب قولهم ، أي : فتعجب أيضا من قولهم : { أئذا كنا ترابا } ، بعد الموت ، { أئنا لفي خلق جديد } ، أي : نعاد خلقا جديدا كما كنا قبل الموت .
قرأ نافع والكسائي ويعقوب أئذا مستفهما إنا بتركه ، على الخبر ، ضده : أبو جعفر وابن عامر . وكذلك في سبحان في موضعين ، والمؤمنون ، وآلم السجدة ، وقرأ الباقون بالاستفهام فيهما وفي الصافات في موضعين هكذا إلا إن أبا جعفر يوافق نافعا في أول الصافات فيقدم الاستفهام ويعقوب لا يستفهم الثانية { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمدينون } [ الصافات-53 ] . قال الله تعالى : { أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم } ، يوم القيامة { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .
ولما ثبت قطعاً بما أقام من الدليل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب في ملكوته التي لا يقدر عليها سواه أن هذا إنما هو فعل واحد قهار مختار يوجد المعدوم ويفاوت بين ما تقتضي{[43496]} الطبائع{[43497]} اتحاده ، كان إنكار شيء من قدرته عجباً ، فقال عطفاً على قوله :
{ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }[ هود : 17 ] مشيراً إلى أنهم يقولون : إن الوعد بالبعث سحر لا حقيقة له { وإن تعجب } أي يوماً من الأيام أو ساعة من الدهر فاعجب من إنكارهم البعث { فعجب } عظيم لا تتناهى{[43498]} درجاته في العظم { قولهم } بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والدلالات الناطقة{[43499]} بعظيم القدرة على كل شيء منكرين : { أإذا كنا تراباً } واختلط التراب الذي تحولنا{[43500]} إليه بالتراب الأصلي فصار لا يتميز ، ثم كرروا التعجب والإنكار بالاستفهام ثانياً فقالوا : { أإنا لفي خلق جديد } هذا قولهم بعد أن فصلنا من الآيات ما يوجب أنهم بلقاء ربهم يوقنون ، وهذا الاستفهام الثاني مفسر{[43501]} لما نصب الأول بما فيه من معنى { أنبعث{[43502]} } ، والعجب : تغير النفس بما خفي سببه عن العادة ، والجديد : المهيا بالقطع إلى التكوين قبل{[43503]} التصريف في الأعمال ، وأصل الصفة القطع ؛ قال الرماني : وقد قيل : لا خير فيمن{[43504]} لا يتعجب{[43505]} من العجب ، وأرذل منه من يتعجب{[43506]} من غير عجب{[43507]} - انتهى ، يعني : فالكفار تعجبوا من غير عجب : ومن تعجبهم{[43508]} فقد تعجب من العجب .
ولما كان هذا{[43509]} إنكار المحسوس من القدرة ، استحقوا ما يستحق من يطعن في{[43510]} ملك الملك{[43511]} ، فقال : { أولئك } أي الذين{[43512]} جمعوا أنواعاً من البعد مع كل خير { الذين كفروا بربهم } أي غطوا كل ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ خلقهم ثم رباهم بأنواع اللطف ، فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا مبدأهم { وأولئك } أي{[43513]} البعداء البغضاء { الأغلال } أي الحدائد التي تجمع أيدي الأسرى إلى أعناقهم ، ويقال لها : جوامع ، وتارة تكون في الأعناق فقط يعذب بها الناس ؛ ولما كان طرفا{[43514]} العنق غليظين ، فلا تكون{[43515]} إحاطة الجامعة منها إذا كانت ضيقة إلا بالوسط ، جعل الأعناق ظروفاً باعتبار أنها على بعض منها ، وذلك كناية عن ضيقها ، فقال : { في أعناقهم } أي{[43516]} بكفرهم وإن لم تكن الأغلال مشاهدة الآن ، فهي لقدرة المهدد بها على الفعل كأنها موجودة ، وهم منقادون لما قدر عليهم من أسبابها كما يقاد المغلول بها إلى ما يريد قائده{[43517]} ، والغل : طوق تقيد{[43518]} به اليد في العنق ، وأصله : انغل في الشيء - إذا انتشب فيه ، وغل المال{[43519]} - إذا خان بانتشابه في المال{[43520]} الحرام { و{[43521]} أولئك } أي الذين لا خسارة أعظم من خسارتهم { أصحاب النار } . ولما كانت الصحبة تقتضي الملازمة ، صرح بها فقال : { هم } أي خاصة { فيها } أي متمحضة لا يخلطها نعيم { خالدون * } أي ثابت{[43522]} خلودهم دائماً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.