في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

19

وإن يد الله القوية لبادية الآثار فيما حولهم ، فهي تأتي الأمم القوية الغنية - حين تبطر وتكفر وتفسد - فتنقص من قوتها وتنقص من ثرائها وتنقص من قدرها ؛ وتحصرها في رقعة من الأرض ضيقة بعد أن كانت ذات سلطان وذات امتداد ، وإذا حكم الله عليها بالانحسار فلا معقب لحكمه ، ولا بد له من النفاذ :

( أولم يروا أنا نأتي الأرض تنقصها من أطرافها ! والله يحكم لا معقب لحكمه ، وهو سريع الحساب ) .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

قوله تعالى : { أو لم يروا } يعني : أهل مكة ، الذين يسألون محمدا صلى الله عليه وسلم الآيات ، { أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } ، أكثر المفسرين على أن المراد منه فتح ديار الشرك ، فإن ما زاد في ديار الإسلام فقد نقص من ديار الشرك ، يقول : { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } ، فنفتحها لمحمد أرضا بعد أرض حوالي أرضهم ، أفلا يعبرون ؟ هذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة .

وقال قوم : هو خراب الأرض ، معناه : أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنخربها ، ونهلك أهلها ، أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك ؟ قال مجاهد : هو خراب الأرض وقبض أهلها . وعن عكرمة قال : قبض الناس . وعن الشعبي مثله . وقال عطاء وجماعة : نقصانها موت العلماء ، وذهاب الفقهاء .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني مالك ، عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " . وقال الحسن : قال عبد الله بن مسعود : موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : عليكم بالعلم قبل أن يقبض ذهاب أهله . وقال علي رضي الله عنه : إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كف لم تعد . وقال سليمان : لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر ، فإذا هلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس . وقيل لسعيد بن جبير : ما علامة هلاك الناس ؟ قال : هلاك علمائهم . { والله يحكم لا معقب لحكمه } ، لا راد لقضائه ، ولا ناقض لحكمه . { وهو سريع الحساب * }

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

ولما أرشد السياق إلى أن التقدير في تحقيق{[44427]} أنه سبحانه قادر على الجزاء لمن أراد : ألم يروا أنا أهلكنا من قبلهم وكانوا أقوى منهم شوكة وأكثر عدة ؟ عطف عليه قوله : { أولم يروا أنا } أي بما لنا من العظمة { نأتي الأرض } التي{[44428]} هؤلاء الكفرة بها ، فكأنه قيل :{[44429]} أي إتيان ؟ فقيل : إتيان البأس{[44430]} إذا أردنا ، والرحمة إذا أردنا { ننقصها } والنقص : أخذ شيء من الجملة تكون به أقل { من أطرافها } بما يفتح الله على المسلمين مما يزيد به في أرض أهل الإسلام بقتل بعض الكفار واستسلام البعض حتى يبيد أهلها على حسب{[44431]} ما نعلمه{[44432]} حكمة من تدبير الأمور وتقليبها حالاً إلى حال حتى تنتهي إلى مستقرها بعد الحساب في دار ثواب أو عقاب ، وذلك أن المسلمين كانوا يغزون ما يلي المدينة الشريفة من أطراف بلاد الكفار كما أرشد تعالى إليه بقوله : { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار{[44433]} } فيفتحونها أولاً فأولاً حتى دان{[44434]} العرب كلهم طوعاً أو كرهاً بعد قتل السادة وذل القادة - والله غالب على أمره .

والطرف : المنتهى ، وهو موضع من الشيء ليس وراءه منه شيء ، وأطراف الأرض : جوانبها ، وكان يقال : الأطراف{[44435]} : منازل الأشراف ، يطالبون القرب على الأضياف{[44436]} ؛ ثم أثبت لنفسه تعالى أمراً كلياً يندرج ذلك فيه ، فقال لافتاً الكلام من أسلوب التكلم{[44437]} بالعظمة إلى غيبة هي أعظم العظمة{[44438]} بالاسم الأعظم : { والله } أي الملك الأعلى { يحكم } ما يريد لأنه { لا معقب } أي أراد ، لأن التعقيب : رد{[44439]} الشيء بعد فصله { لحكمه } وقد حكم{[44440]} للإسلام بالغلب{[44441]} والإقبال ، وعلى الكفر بالانتكاس والإدبار ، وكل من حكم على غير هذه الصفة فليس بحاكم ، وذلك كاف في الخوف من سطوات قدرته { وهو } مع تمام القدرة { سريع الحساب * } جزاءه محيط بكل عمل لا يتصور أن يفوته شيء فلا بد من لقاء جزائه ، وكل ما هو آت سريع ، وهو مع ذلك يعد لكل{[44442]} عمل جزاءه على ما تقتضيه الحكمة من عدل أو{[44443]} فضل حين صدوره ، لا يحتاج إلى زمان ينظر فيه ما جزاءه ؟ ولا : هل عمل أو لا ؟ لأنه لا تخفى عليه خافية ؛ والسرعة : عمل الشيء في قلة المدة على ما تحده الحكمة ، والإبطاء : عمله في طول مدة خارجة عن الحكمة ، والسرعة محمودة ، والعجلة مذمومة ، وهو تعالى قادر على الكفرة وإن كانوا كالقاطعين بأنهم يغلبون ، لما لهم من القوة والكثرة ، مع جودة الآراء وحدة الأفكار{[44444]} والقدرة بالأموال وإن اشتد مكرهم ، فهو لا يغني عنهم شيئاً ، فقد مكروا بك غير مرة ثم لم أزدك{[44445]} إلا علواً{[44446]}


[44427]:زيد بعده في الأصل: في، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
[44428]:في ظ: أي.
[44429]:سقط من ظ.
[44430]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: اليأس.
[44431]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: حساب.
[44432]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يعلمه.
[44433]:سورة 9 آية 123.
[44434]:في ظ ومد: دار.
[44435]:زيد من ظ و م ومد.
[44436]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الأصناف.
[44437]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[44438]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[44439]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: مرد.
[44440]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: الإسلام بالقلب.
[44441]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: الإسلام بالقلب.
[44442]:سقط من ظ.
[44443]:في ظ: أي.
[44444]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الإنكار.
[44445]:في ظ: لم أدركه.
[44446]:في ظ: علو.