في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

178

ثم يكمل السياق الحديث عن فريضة القصاص بما يكشف عن حكمتها العميقة وأهدافها الأخيرة :

( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) . .

إنه ليس الانتقام ، وليس إرواء الأحقاد . إنما هو أجل من ذلك وأعلى . إنه للحياة ، وفي سبيل الحياة ، بل هو في ذاته حياة . . ثم إنه للتعقل والتدبر في حكمة الفريضة ، ولاستحياء القلوب واستجاشتها لتقوى الله . .

والحياة التي في القصاص تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء . فالذي يوقن أنه يدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل . . جدير به أن يتروى ويفكر ويتردد . كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل . شفائها من الحقد والرغبة في الثأر . الثأر الذي لم يكن يقف عند حد في القبائل العربية حتى لتدوم معاركه المتقطعة أربعين عاما كما في حرب البسوس المعروفة عندهم . وكما نرى نحن في واقع حياتنا اليوم ، حيث تسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية جيلا بعد جيل ، ولا تكف عن المسيل . .

وفي القصاص حياة على معناها الأشمل الأعم . فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها ، واعتداء على كل إنسان حي ، يشترك مع القتيل في سمة الحياة . فإذا كف القصاص الجاني عن إزهاق حياة واحدة ، فقد كفه عن الاعتداء على الحياة كلها . وكان في هذا الكف حياة . حياة مطلقة . لا حياة فرد ، ولا حياة أسرة ، ولا حياة جماعة . . بل حياة . .

ثم - وهو الأهم والعامل المؤثر الأول في حفظ الحياة - استجاشة شعور التدبر لحكمة الله ، ولتقواه :

( لعلكم تتقون ) . .

هذا هو الرباط الذي يعقل النفوس عن الاعتداء . الاعتداء بالقتل ابتداء ، والاعتداء في الثأر أخيرا . . التقوى . . حساسية القلب وشعروه بالخوف من الله ؛ وتحرجه من غضبه وتطلبه لرضاه .

إنه بغير هذا الرباط لا تقوم شريعة ، ولا يفلح قانون ، ولا يتحرج متحرج ، ولا تكفي التنظيمات الخاوية من الروح والحساسية والخوف والطمع في قوة أكبر من قوة الإنسان !

وهذا ما يفسر لنا ندرة عدد الجرائم التي أقيمت فيها الحدود على عهد النبي [ ص ] وعهد الخلفاء ، ومعظمها كان مصحوبا باعتراف الجاني نفسه طائعا مختارا . . لقد كانت هنالك التقوى . . كانت هي الحارس اليقظ في داخل الضمائر ، وفي حنايا القلوب ، تكفها عن مواضع الحدود . . إلى جانب الشريعة النيرة البصيرة بخفايا الفطر ومكنونات القلوب . . وكان هناك ذلك التكامل بين التنظيمات والشرائع من ناحية والتوجيهات والعبادات من ناحية أخرى ، تتعاون جميعها على إنشاء مجتمع سليم التصور سليم الشعور . نظيف الحركة نظيف السلوك . لأنها تقيم محكمتها الأولى في داخل الضمير !

" حتى إذا جمحت السورة البهيمية في حين من الأحيان ، وسقط الإنسان سقطة ، وكان ذلك حيث لا تراقبه عين ولا تتناوله يد القانون ، تحول هذا الإيمان نفسا لوامة عنيفة ، ووخزا لاذعا للضمير ، وخيالا مروعا ، لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون ، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة ، ويتحملها مطمئنا مرتاحا ، تفاديا من سخط الله ، وعقوبة الآخرة .

إنها التقوى . . إنها التقوى . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

قوله تعالى : { ولكم في القصاص حياة } . أي بقاء ، وذلك أن القاصد للقتل إذا علم أنه إذا قتل يقتل يمنع عن القتل ، فيكون بقاؤه وبقاء من هم بقتله ، وقيل في المثل : القتل أنفى للقتل . وقيل : معنى الحياة سلامته من قصاص الآخرة ، فإنه إذا اقتص منه حيي في الآخرة وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة .

قوله تعالى : { يا أولي الألباب لعلكم تتقون } . أي تنتهون عن القتل مخافة القود .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

ولما أخبر سبحانه وتعالى بفائدة العفو أخبر بفائدة{[7220]} مقابله تتميماً لتأنيب أهل الكتاب على عدولهم{[7221]} عن النص وعماهم{[7222]} عن الحكمة فقال : { ولكم } أي يا أيها الذين آمنوا { في القصاص } {[7223]}أي هذا الجنس{[7224]} وهو قتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة من غير مجاوزة ولا عدوان { حياة{[7225]} } {[7226]}أي عظيمة بديعة{[7227]} لأن من{[7228]} علم أنه يُقتل لا يَقْتُل . وقال الحرالي : فالحياة لمن سوى الجاني من عشيرته ممن كان يعتدى عليه بجناية غيره في الدنيا{[7229]} ، والحياة للجاني بما{[7230]} اقتص منه في الأخرى{[7231]} ، لأن من يكفّر ذنبه{[7232]} حيي في الآخرة ، ومن بقي عليه جناية فأخذ بها فهو في حال ذلك ممن لا يموت فيها ولا يحيى ، لأن المعاقب{[7233]} في حال عقوبته لا يجد طعم الحياة لغلبة ألمه ولا هو في الموت لإحساسه بعقوبته - انتهى . وأما مطلق القتل كما كان أهل الجاهلية يقولون : القتل أنفى للقتل{[7234]} {[7235]}وليس{[7236]} كذلك ، لأن من علموا أنهم إذا قتلوا اثنين لا يقتل بهما إلاّ واحد رُبما كان ذلك مجرياً لهم على القتل ويدخل فيه القتل ابتداء وهو أجلب للقتل لا أنفى له ، وقد كانوا مطبقين{[7237]} على استجادة{[7238]} معنى كلمتهم واسترشاق{[7239]} لفظها ، ومن{[7240]} المعلوم{[7241]} لكل ذي لب أن بينها{[7242]} وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه {[7243]}فإنها{[7244]} زائدة على عبارة القرآن في الحروف و{[7245]}ناقصة في المعنى ، فإذا أريد{[7246]} تصحيحها قبل القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً فكثرت الزيادة ولم تصل إلى{[7247]} رشاقة ما في القرآن وعذوبته{[7248]} - والله سبحانه وتعالى الموفق .

ولما كانت هذه العبارة كما ترى معجزة في صحة معناها ودقة إشارته وغزير{[7249]} مفهوماته قال{[7250]} سبحانه وتعالى مرغباً في علو الهمم { يا أولي الألباب } أي العقول التي تنفع{[7251]} أصحابها بخلوصها مما هو كالقشر{[7252]} لأنه جمع لب . قال الحرالي : وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في المشهودات كما شأن ظاهر العقل أن{[7253]} يلحظ{[7254]} الحقائق من المخلوقات ، فهم الناظرون إلى ربّهم في آياته - انتهى . ثم علل ذلك بقوله : { لعلكم تتقون * } أي الله بالانقياد لما شرع فتتحامون{[7255]} القتل . قال الحرالي : وفي إبهام لعل التي هي من الخلق كما تقدم تردد{[7256]} إعلام بتصنيفهم{[7257]} صنفين بين من{[7258]} يثمر{[7259]} ذلك له{[7260]} تقوى وبين من يحمله ذلك ويزيده في الاعتداء - انتهى .


[7220]:في م وظ: بعائدة.
[7221]:في ظ: عدوهم.
[7222]:من م ومد وظ: وفي الأصل: حماهم.
[7223]:ليس في ظ.
[7224]:ليس في ظ.
[7225]:وفي البحر المحيط 2 / 10: قال الزمخشري: "ولكم القصاص حياة" كلام فصيح لما فيه من الغرابة وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة وقد جعل مكانا وظرفا للحياة ومن إصابة محزا لبلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة لأن المعنى ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة أو نوع من الحياة وهو الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل.
[7226]:ليس في ظ.
[7227]:ليس في ظ.
[7228]:من م وظ ومد، وفي الأصل: لا من.
[7229]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الحياة.
[7230]:في الأصل: ربما والتصحيح من م وظ ومد.
[7231]:في ظ: الآخرة.
[7232]:وقع في الأصل: وفيه – مصحفا، والتصحيح من م وظ ومد.
[7233]:من م ومد وظ، وفي الأصل: العاقب.
[7234]:من م ومد وظ، وفي الأصل: القتل.
[7235]:في مد: فليس.
[7236]:في مد: فليس.
[7237]:من م ومد وظ، وفي الأصل: مطيعين.
[7238]:من ظ وفي الأصل: استنجاده وفي مد: استحادة وفي م: استخارة.
[7239]:زيد في الأصل فقط: لكل .
[7240]:ليس في م ومد وظ.
[7241]:قال أبو حيان الأندلسي: وقالت العرب فيما يقرب من هذا المعنى: القتل أو في للقتل، وقالوا: أنفى للقتل، وقالوا: أكف للقتل، وذكر العلماء تفاوت ما بين الكلامين من البلاغة من وجوه: أحدها أن ظاهر قول العرب يقتضي كون وجود الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال، الثاني تكرير لفظ القتل في جملة واحدة. الثالث الاقتصار على أن القتل هو أنفى للقتل، الرابع أن القتل ظلما هو قتل ولا يكون نافيا للقتل وقد اندرج في قولهم القتل أنفى للقتل والآية المكرمة بخلاف ذلك، ومن أراد التفصيل فراجع البحر المحيط 2 / 14 و 15.
[7242]:في م: تنبيها وفي مد: بينهما.
[7243]:العبارة من هنا إلى "عذوبته" ليست في ظ.
[7244]:من مد وفي م: فغنها وفي الأصل: بابها.
[7245]:ليس في م ومد وظ.
[7246]:من م ومد وفي الأصل: ارتد.
[7247]:زيد في الأصل: ما ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها.
[7248]:من م ومد وفي الأصل: عدويته.
[7249]:من م ومد وظ، وفي الأصل: عزيز.
[7250]:وفي البحر المحيط 2 / 16: ونبه بالنداء نداء ذوي العقول والصبائر على المصلحة العامة وهي مشروعية القصاص إذ لا يعرف كنه محصولها إلا أولو الألباب القائلون لامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه وهم الذين خصهم الله بالخطاب "إنما يتذكر أولوا الألباب" "لآيات لقوم يعقلون" "لآيات لأولي الألباب" "لآيات لأولي النهي" "لذكرى لمن كان له قلب" وذوو الألباب هم الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف إذ من لا عقل له لا يحصل له الخوف فلهذا خص به ذوي الألباب.
[7251]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تبع.
[7252]:من م وظ، وفي مد: كالقسر، وفي الأصل: كالفز – كذا.
[7253]:زيد من م ومد.
[7254]:العبارة من "أمر الله" إلى هنا ليست في ظ.
[7255]:في الأصل: فيتحافون بالقتل والتصحيح من م ومد وظ.
[7256]:من م ومد وظ وفي الأصل: فتردد.
[7257]:من م وظ ومد وفي الأصل: تنصيفهم.
[7258]:زيد من م وظ.
[7259]:في ظ: له ذلك.
[7260]:في ظ: له ذلك.