ثم يمضي السياق يستعرض مواقف بني إسرائيل في مواجهة يهود المدينة بمسمع من المسلمين . ( وإذ أخذنا ميثاقكم ، ورفعنا فوقكم الطور : خذوا ما آتيناكم بقوة ، واذكروا ما فيه لعلكم تتقون . ثم توليتم من بعد ذلك ، فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) . .
وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى ، وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد . والمهم هنا هو استحضار المشهد ، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد ، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة . وأن يعزموا فيه عزيمة . فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع ، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة . . إنه عهد الله مع المؤمنين . . وهو جد وحق ، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق . . وله تكاليف شاقة ، نعم ! ولكن هذه هي طبيعته . إنه أمر عظيم . أعظم من كل ما في هذا الوجود . فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه ، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف . ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة ، كما قال رسول الله [ ص ] وقد نودي للتكليف : " مضى عهد النوم يا خديجة " . . وكما قال له ربه : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا . . وكما قال لبني إسرائيل :
( خذوا ما آتيناكم بقوة ) . ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) . .
ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم . . لا بد مع هذا من تذكر ما فيه ، واستشعار حقيقته ، والتكيف بهذه الحقيقة ، كي لا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة . فعهد الله منهج حياة ، منهج يستقر في القلب تصورا وشعورا ، ويستقر في الحياة وضعا ونظاما ، ويستقر في السلوك أدبا وخلقا ، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير .
ولكن هيهات ! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها ، وغلبت عليها جبلتها .
قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم } . عهدكم يا معشر اليهود .
قوله تعالى : { ورفعنا فوقكم الطور } . وهو جبل بالسريانية في قول بعضهم ، وهو قول مجاهد ، وقيل : ما من لغة في الدنيا إلا في القرآن ، وقال الأكثرون : ليس في القرآن لغة غير لغة العرب لقوله تعالى : ( قرآناً عربياً ) وإنما هذا وأشباهه وفاق وقع بين اللغتين . وقال ابن عباس : أمر الله تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم ، وذلك لأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام فأمر موسى قومه أن يقبلوها ويعملوا بأحكامها ، فأبوا أن يقبلوها للآصار والأثقال التي هي فيها ، وكانت شريعة ثقيلة ، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع جبلاً على قدر عسكرهم ، وكان فرسخاً في فرسخ ، فرفعه فوق رؤوسهم مثل قامة الرجل كالظلة ، وقال لهم : إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم ، وقال عطاء عن ابن عباس : رفع الله فوق رؤوسهم الطور ، وبعث ناراً من قبل وجوههم ، وأتاهم البحر المالح من خلفهم .
قوله تعالى : { خذوا } . أي قلنا لهم خذوا .
قوله تعالى : { ما آتيناكم } . أعطيناكم .
قوله تعالى : { بقوة } . بجد واجتهاد ومواظبة .
قوله تعالى : { واذكروا } . وادرسوا .
قوله تعالى : { ما فيه } . وقيل : احفظوه واعملوا .
قوله تعالى : { لعلكم تتقون } . لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى ، فإن قبلتم وإلا رضختكم بهذا الجبل ، وأغرقتكم في هذا البحر ، وأحرقتكم بهذه النار ، فلما رأوا أن لا مهرب لهم عنها قبلوا وسجدوا ، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود ، فصار سنةً في اليهود ، لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ، ويقولون : بهذا السجود رفع العذاب عنا .
ثم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه فإنه لما ذكر تعالى للمؤمنين هذا الجزاء الذي فخم{[2980]} أمره ترغيباً بإبهامه ونسبته إلى حضرة الرب المحسن بأنواع التربية وأنه لا خوف معه ولا حزن ، تلاه بأنهم لم يؤمنوا بعد رؤية ما رأوا من باهر الآيات حتى رفع فوقهم الطور ، وعلموا{[2981]} أنه دافنهم إن عصوا ، فكان قبوله من أعظم النعم عليهم ، لأن حقه الرد ، لأنه كالإيمان عند رؤية البأس لا إيمان بالغيب ، ثم ذكر أنه لما أقلع عنهم تولوا عن الحضرة الشريفة إلى حضرات الشيطان فأكرموا{[2982]} المعاصي إشارة إلى أنهم أغلظ الناس أكباداً وأكثرهم جرأة وعناداً لا يرعوون{[2983]} لرهبة ولا يثبتون لرغبة ، فقال تعالى { وإذ } وأخصر{[2984]} من هذا أن يقال إنه لما قرر سبحانه قوله{[2985]} للعالم العامل المذعن كائناً من كان تلاه بما لليهود من الجلافة الداعية إلى النفور عن خلال السعادة التي هي ثمرة{[2986]} للعلم ، وما{[2987]} له سبحانه من التطول عليهم بإكراههم على ردهم إليه ، فقال وإذ أي اذكروا يا بني إسرائيل إذ { أخذنا } بما لنا من العظمة { ميثاقكم } بالسمع والطاعة من الوثيقة وهي تثنية العهد تأكيداً كإثباته بالكتاب - قاله الحرالي .
ورفعنا } و{[2988]}لما كان الجبل قد صار فوقهم كالظلة عاماً لهم بحيث إنه إذا وقع عليهم لم يفلت منهم إنسان{[2989]} نزع الجار فقال{[2990]} .
{ وفوقكم الطور } ترهيباً لكم لتقبلوا الميثاق الذي هو سبب سعادتكم ، و{[2991]}عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كل جبل ينبت ، وكل جبل لا ينبت فليس بطور{[2992]} ، {[2993]}وقلنا{[2994]} لكم وهو مظل فوقكم { خذوا ما آتيناكم } من الكتاب للسعادة بطاعتي والتزام أحكامي الموجبة للكون في حضرتي " بقوة " {[2995]}أي بجد واجتهاد{[2996]} ، والقوة{[2997]} باطن القدرة ، من القوى وهي طاقات الحبل التي يمتن بها ويؤمن انقطاعه - قاله الحرالي . ذ
{ واذكروا ما فيه }{[2998]} من التمسك به وللانتقال عنه عند مجيء{[2999]} {[3000]}الناسخ المنعوت فيه ذكراً يكون بالقلب فكراً وباللسان ذكراً .
{ لعلكم تتقون * }{[3001]} أي لتكونوا على رجاء من أن تتقوا موجبات السخط . {[3002]}ولما كان التقدير{[3003]} : فأخذتم ذلك وأوثقتم العهد به{[3004]} خوفاً من أن يدفنكم{[3005]} بالجبل عطف عليه وأشار إلى أنه كان من حقه البعد عن تركه بأداة البعد{[3006]} .