الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (63)

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ } يا معشر اليهود . { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ } وهو الجبل بالسريانية في قول بعضهم . وقالوا : ليس من لغة في الدنيا إلاّ وهي في القرآن .

وقال أبو عبيدة والحُذّاق من العلماء : لا يجوز أن تكون في القرآن لغة غير لغة العرب ؛ لأن الله تعالى قال : { قُرْآناً عَرَبِيّاً } [ يوسف : 2 ] ، [ طه : 113 ] ، [ الزمر : 28 ] ، [ فُصّلت : 3 ] ، [ الشورى : 7 ] ، [ الزخرف : 3 ] وقال : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } [ الشعراء : 195 ] وإنّما هذا وأشباهه وفاق بين اللّغتين .

وقد وجدنا الطّور في كلام العرب ، وقال جرير :

فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها *** وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل

وقال المفسّرون : وذلك أنّ الله تعالى أنزل التوراة على موسى وأمر قومه بالعمل بأحكامه فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بما فيها للأضرار والأثقال الّتي فيها ، وكانت شريعته ثقيلة فأمر الله تعالى جبرئيل عليه السلام يضع جبلاً على قدر عسكره وكان فرسخاً في فرسخ ورفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرّجل .

أبو صالح عن ابن عبّاس : أمر الله تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتّى قام على رؤوسهم مثل الظلّة .

عطاء عن ابن عبّاس : رفع الله فوق رؤوسهم الطّور وبعث ناراً من قبل وجوههم وأتاهم البحر الملح من خلفهم وقيل لهم : { خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم } أي أعطيناكم . { بِقُوَّةٍ } بجدّ ومواظبة . وفيه إضمار ، أي : وقلنا لهم : خذوا . { وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ } أي احفظوه واعلموه واعملوا به و ( في ) حرف أولي فاذّكروا بذال مشددة وكسر الالف المشددة و ( في ) حرف وانه وتذكروا ما فيه ومعناهما اتعظوا به { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } لكي تنجوا من الهلاك في الدّنيا والعذاب في العقبى فإن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به وإلاّ رضختكم بهذا الجبل وأغرقتكم في البحر وأحرقتكم بهذه النّار ، فلمّا رأوا أن لا مهرب لهم قبلوا لك وسجدوا خوفاً وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود ، فصارت سنّة في اليهود لا يسجدون إلاّ على أنصاف وجوههم فلمّا زال الجبل قالوا : يا موسى سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعناك .