في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (50)

33

( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم . وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون . إن الله ربي وربكم فاعبدوه . هذا صراط مستقيم ) . .

وهذا الختام في دعوة عيسى - عليه السلام - لبني إسرائيل يتكشف عن حقائق أصيلة في طبيعة دين الله ، وفي مفهوم هذا الدين في دعوة الرسل جميعا - عليهم الصلاة والسلام - وهي حقائق ذات قيمة خاصة حين ترد على لسان عيسى - عليه السلام - بالذات ، وهو الذي ثار حول مولده وحقيقته ما ثار من الشبهات ، التي نشأت كلها من الانحراف عن حقيقة دين الله التي لا تتبدل بين رسول ورسول .

فهو إذ يقول : ( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) . .

يكشف عن طبيعة المسيحية الحقة . فالتوارة التي تنزلت على موسى - عليه السلام - وهي تتضمن التشريع المنظم لحياة الجماعة وفق حاجة ذلك الزمان ، وملابسات حياة بني إسرائيل [ بما أنها ديانة خاصة لمجموعة من البشر في فترة من الزمان ] - هذه التوراة معتمدة في رسالة المسيح عليه السلام ؛ وجاءت رسالته مصدقة لها ، مع تعديلات تتعلق بإحلال بعض ما حرم الله عليهم ، وكان تحريمه في صورة عقوبات حلت بهم على معاص وانحرافات ، أدبهم الله عليها بتحريم بعض ما كان حلالا لهم . ثم شاءت إرادته أن يرحمهم بالمسيح عليه السلام ، فيحل لهم بعض الذي حرم عليهم .

ومن هذا يتبين أن طبيعة الدين - أي دين - أن يتضمن تنظيما لحياة الناس بالتشريع ؛ وألا يقتصر على الجانب التهذيبي الأخلاقي وحده ، ولا على المشاعر الوجدانية وحدها ، ولا على العبادات والشعائر وحدها كذلك . فهذا لا يكون دينا . فما الدين إلا منهج الحياة الذي أراده الله للبشر ؛ ونظام الحياة الذي يربط حياة الناس بمنهج الله .

ولا يمكن أن ينفك عنصر العقيدة الإيمانية ، عن الشعائر التعبدية ، عن القيم الخلقية ، عن الشرائع التنظيمية ، في أي دين يريد أن يصرف حياة الناس وفق المنهج الإلهي . وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين في النفوس وفي الحياة ؛ ويخالف مفهوم الدين وطبيعته كما أراده الله .

وهذا ما حدث للمسيحية . فإنها لعدة ملابسات تاريخية من ناحية ؛ ولكونها جاءت موقوته لزمن - حتى يجيء الدين الأخير - ثم عاشت بعد زمنها من ناحية . . قد انفصل فيها الجانب التشريعي التنظيمي عن الجانب الروحاني التعبدي الأخلاقي . . فقد حدث أن قامت العداوة المستحكمة بين اليهود والمسيح عليه السلام وأنصاره ومن اتبع دينه فيما بعد ؛ فأنشأ هذا انفصالا بين التوراة المتضمنة للشريعة والإنجيل المتضمن للإحياء الروحي والتهذيب الأخلاقي . . كما أن تلك الشريعة كانت شريعة موقوتة لزمن خاص ولجماعة من الناس خاصة . وكان في تقدير الله أن الشريعة الدائمة الشاملة للبشرية كلها ستجيء في موعدها المقدور .

وعلى أية حال فقد انتهت المسيحية إلى أن تكون نحلة بغير شريعة . وهنا عجزت عن أن تقود الحياة الاجتماعية للأمم التي عاشت عليها . فقيادة الحياة الاجتماعية تقتضي تصورا اعتقاديا يفسر الوجود كله ، ويفسر حياة الإنسان ومكانه في الوجود ؛ وتقتضي نظاما تعبديا وقيما أخلاقية . ثم تقتضي - حتما - تشريعات منظمة لحياة الجماعة ، مستمدة من ذلك التصور الاعتقادي ، ومن هذا النظام التعبدي ، ومن هذه القيم الأخلاقية . وهذا القوام التركيبي للدين هو الذي يضمن قيام نظام اجتماعي ، له بواعثه المفهومة ، وله ضماناته المكينة . . فلما وقع ذلك الانفصال في الدين المسيحي عجزت المسيحية عن أن تكون نظاما شاملا للحياة البشرية ، واضطر أهلها إلى الفصل بين القيم الروحية والقيم العملية في حياتهم كلها ، ومن بينهما النظام الاجتماعي الذي تقوم عليه هذه الحياة . وقامت الأنظمة الاجتماعية هناك على غير قاعدتها الطبيعية الوحيدة . فقامت معلقة في الهواء . أو قامت عرجاء !

ولم يكن هذا أمرا عاديا في الحياة البشرية ، ولا حادثا صغيرا في التاريخ البشري . . إنما كان كارثة : كارثة ضخمة ، تنبع منها الشقوة والحيرة والانحلال والشذوذ والبلاء الذي تتخبط فيه الحضارة المادية اليوم . سواء في البلاد التي لا تزال تعتنق المسيحية - وهي خالية من النظام الاجتماعي لخلوها من التشريع - أو التي نفضت عنها المسيحية وهي في الحقيقة لم تبعد كثيرا عن الذين يدعون أنهم مسيحيون . . فالمسيحية كما جاء بها السيد المسيح ، وكما هي طبيعة كل دين يستحق كلمة دين ، هي الشريعة المنظمة للحياة ، المنبثقة من التصور الاعتقادي في الله ، ومن القيم الأخلاقية المستندة إلى هذا التصور . . وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا تكون مسيحية . ولا يكون دين على الإطلاق ! وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا يقوم نظام اجتماعي للحياة البشرية يلبي حاجات النفس البشرية ، ويلبي واقع الحياة البشرية ، ويرفع النفس البشرية والحياة البشرية كلها إلى الله .

وهذه الحقيقة هي أحد المفاهيم التي يتضمنها قول المسيح عليه السلام :

( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) . . إلخ . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (50)

قوله تعالى : { ومصدقا } . عطف على قوله ورسولا .

ً قوله تعالى : { لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } من اللحوم والشحوم ، وقال أبو عبيدة : أراد بالبعض الكل ، يعني كل الذي حرم عليكم ، وقد يذكر البعض ويراد به الكل كقول لبيد :

تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها

يعني كل النفوس .

قوله تعالى : { وجئتكم بآية من ربكم } يعني ما ذكر من الآيات ، وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته . { فاتقوا الله وأطيعون } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (50)

ولما كان ترجمة { إني قد جئتكم } آتياً إليكم بآية كذا ، مصدقاً بها لما أتيت{[17207]} به ، عطف على الحال المقدر منه تأكيداً لأنه عبد الله قوله : { ومصدقاً لما بين يدي } أي كان قبل إتياني إليكم { من التوراة } أي المنزلة على أخي موسى عليه الصلاة والسلام ، لأن القبلية تقتضي العدم الذي هو صفة المخلوق ؛ {[17208]}أو يعطف{[17209]} على { بآية }{[17210]} {[17211]}إذا جعلنا الباء{[17212]} للحال ، لا للتعدية ، أي وجئتكم مصحوباً بآية ومصدقاً .

ولما ذكر التوراة أتبعها ما يدل على أنه{[17213]} ليس {[17214]}كمن بينه{[17215]} وبين موسى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في إقرارها كلها على ما هي عليه وتحديد{[17216]} أمرها على ما كان زمن موسى عليه الصلاة والسلام ، بل{[17217]} هو مع تصديقها ينسخ{[17218]} بعضها فقال : { ولأحل } أي صدقتها{[17219]} لأحثكم{[17220]} على العمل بها ولأحل { لكم بعض الذي حرم عليكم } أي فيها تخفيفاً عليكم { وجئتكم } الاية{[17221]} ليس مكرراً لتأكيد : { أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين } على ما توهم{[17222]} ، بل المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما أتاهم بهذه الخوارق التي من جملتها إحياء الموتى ، وكان من المقرر عندهم - كما ورد في الأحاديث الصحيحة - التحذير من الدجال ، وكان من المعلوم من حاله أنه يأتي بخوارق ، منها إحياء ميت ويدعي الإلهية ، كان من الجائز أن يكون ذلك سبباً لشبهة{[17223]} تعرض لبعض الناس ، فختم هذا الدليل على رسالته بما هو البرهان الأعظم على عبوديته ، وذلك مطابقته لما دعا إليه الأنبياء والمرسلون كلهم من إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى فقال : وجئتكم { بآية } أي عظيمة خارقة للعادة { من } عند { ربكم } أي{[17224]} المحسن إليكم بعد التفرد بخلقكم ، وهي أجل الأمارات وأدلها على صدقي في رسالتي ، هو عدم تهمتي بوقوع شبهة في عبوديتي .

ولما تقرر بذكر الآية مرة{[17225]} بعد مرة مع{[17226]} ما أفادته من تأسيس التفصيل{[17227]} لأنواع الآيات تأكيد رسالته تلطيفاً{[17228]} {[17229]}لطباعهم الكثيفة{[17230]} ، فينقطع{[17231]} منها ما كانت ألفته{[17232]} في الأزمان المتطاولة{[17233]} من العوائد الباطلة سبب عن ذلك ما{[17234]} يصرح بعبوديته أيضاً{[17235]} فقال مبادراً{[17236]} للإشارة إلى أن الأدب مع المحسن آكد{[17237]} والخوف منه أحق وأوجب لئلا يقطع إحسانه ويبدل امتنانه{[17238]} { فاتقوا الله } أي الذي له الأمر كله { وأطيعون * } أي في قبولها فإن التقوى مستلزمة لطاعة{[17239]} الرسول{[17240]} .


[17207]:في ظ: اتت، وفي مد: اوتيت.
[17208]:في ظ: والعطف.
[17209]:في ظ: والعطف.
[17210]:من مد، وفي الأصل وظ: بابه.
[17211]:في ظ: واجعلنا الياء.
[17212]:في ظ: واجعلنا الياء.
[17213]:من ظ ومد، وفي الأًصل: اتهامه.
[17214]:في ظ: كن بيته.
[17215]:في ظ: كن بيته.
[17216]:ي مد: تجديد.
[17217]:زيد من ظ ومد.
[17218]:في ظ: يفسخ.
[17219]:سقط من ظ.
[17220]:من ظ، وفي الأصل: لاحقكم، ولا يتضح في مد.
[17221]:في ظ: لأنه.
[17222]:في ظ : يوهم.
[17223]:من مد، وفي الأصل: لشبهته، وفي ظ: لشبهه.
[17224]:سقط من مد.
[17225]:سقط من ظ.
[17226]:زيد من ظ ومد.
[17227]:في ظ: التفضيل.
[17228]:في ظ: تلطفا.
[17229]:في ظ: لطبائهم الكشفة.
[17230]:في ظ: لطبائهم الكشفة.
[17231]:في ظ: فتنقلع، وفي مد: فينقلع.
[17232]:في الأصول: الفية ـ كذا.
[17233]:في ظ: المطاولة.
[17234]:في ظ ومد: بما.
[17235]:سقط من مد.
[17236]:في ظ: بادرا.
[17237]:من ظ ومد، وفي الأصل: الد ـ كذا.
[17238]:في ظ ومد: امتهانه. والعبارة من هنا إلى "أي في قبولها" قدمت في الأصل على "سبب عن ذلك".
[17239]:من مد، وفي ظ: لطلعة.
[17240]:العبارة المحجوزة زيدت من ظ ومد.