في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} (80)

74

ومرة أخرى نشهد ذلك المشهد الرائع الباهر . . مشهد العقيدة وقد استعلنت في النفس ، واستولت على القلب ، بعدما وضحت وضوحها الكامل وانجلى عنها الغبش . . نشهدها وقد ملأت الكيان الإنساني ، فلم يعد وراءها شيء . وقد سكبت فيه الطمأنينة الواثقة بربه الذي وجده في قلبه وعقله وفي الوجود من حوله . . وهو مشهد يتجلى بكل روعته وبهائه في الفقرة التالية في السياق .

لقد انتهى إبراهيم إلى رؤية الله - سبحانه - في ضميره وعقله وفي الوجود من حوله . وقد اطمأن قلبه واستراح باله . وقد احس بيد الله تأخذ بيده وتقود خطاه في الطريق . . والآن يجيء قومه ليجادلوه فيما انتهى إليه من يقين ؛ وفيما انشرح له صدره من توحيد ؛ وليخوفوه آلهتهم التي تنكر لها أن تنزل به سوءا . . وهو يواجههم في يقينه الجازم ؛ وفي إيمانه الراسخ ؛ وفي رؤيته الباطنة والظاهرة لربه الحق الذي هداه :

( وحاجه قومه ، قال : أتحاجوني في الله وقد هدان ؟ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ، وسع ربي كل شيء علما . أفلا تتذكرون ؟ وكيف أخاف ما أشركتم ، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ؟ ) . .

إن الفطرة حين تنحرف تضل ؛ ثم تتمادى في ضلالها ، وتتسع الزاوية ويبعد الخط عن نقطة الابتداء ، حتى ليصعب عليها أن تثوب . . وهؤلاء قوم إبراهيم - عليه السلام - يعبدون أصناما وكواكب ونجوما . فلا يتفكرون ولا يتدبرون هذه الرحلة الهائلة التي تمت في نفس إبراهيم . ولم يكن هذا داعيا لهم لمجرد التفكر والتدبر .

بل جاءوا يجادلونه ويحاجونه . وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوراتهم وفي ضلال مبين .

ولكن إبراهيم المؤمن الذي وجد الله في قلبه وعقله وفي الوجود كله من حوله ، يواجههم مستنكرا في طمأنينة ويقين :

( قال : أتحاجوني في الله وقد هدان ؟ ) . .

أتجادلونني في الله وقد وجدته يأخذ بيدي ، ويفتح بصيرتي ، ويهديني إليه ، ويعرفني به . . لقد أخذ بيدي وقادني فهو موجود - وهذا هو في نفسي دليل الوجود - لقد رأيته في ضميري وفي وعيي ، كما رأيته في الكون من حولي . فما جدالكم في أمر أنا أجده في نفسي ولا أطلب عليه الدليل . فهدايته لي إليه هي الدليل ؟ !

( ولا أخاف ما تشركون به ) . .

وكيف يخاف من وجد الله ؟ وماذا يخاف ومن ذا يخاف ؟ وكل قوة - غير قوة الله - هزيلة وكل سلطان - غير سلطان الله - لا يخاف ؟ !

ولكن إبراهيم في عمق إيمانه ، واستسلام وجدانه ، لا يريد أن يجزم بشيء إلا مرتكنا إلى مشيئة الله الطليقة ، وإلى علم الله الشامل :

( إلا أن يشاء ربي شيئا . وسع ربي كل شيء علمًا ) .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} (80)

قوله تعالى : { قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان } ، ولما رجع إبراهيم عليه السلام إلى أبيه ، وصار من الشباب بحالة ، سقط عنه طمع الذباحين ، وضمه آزر إلى نفسه ، جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها ، فيذهب إبراهيم عليه السلام وينادي : من يشتري ما يضره ولا ينفعه ، فلا يشتريها أحد ، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر ، فصوب فيه رؤوسها ، وقال : اشربي ، استهزاءً بقومه ، وبما هم فيه من الضلالة ، حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته ، فحاجه أي خاصمه وجادله قومه في دينه ، قال : { أتحاجوني في الله } ، قرأ أهل المدينة وابن عامر بتخفيف النون ، وقرأ الآخرون بتشديدها إدغاماً لإحدى النونين في الأخرى ، ومن خفف حذف إحدى النونين تخفيفاً ، يقول : أتجادلونني في توحيد الله ، وقد هداني للتوحيد والحق ؟

قوله تعالى : { ولا أخاف ما تشركون به } . وذلك أنهم قالوا له : احذر الأصنام ، فإنا نخاف أن تمسك بسوء من خبل ، أو جنون ، لعيبك إياها ، فقال لهم : { ولا أخاف ما تشركون به }

قوله تعالى : { إلا أن يشاء ربي شيئاً } ، وليس هذا باستثناء عن الأول ، بل هو استثناء منقطع معناه : لكن إن يشأ ربي شيئاً ، أي سوءا ، فيكون ما شاء .

قوله تعالى : { وسع ربي كل شيء علماً } ، أي : أحاط علمه بكل شيء .

قوله تعالى : { أفلا تتذكرون } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} (80)

ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب{[30122]} والشمس{[30123]} التي هي{[30124]} أوضح من الشمس ، عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه{[30125]} بل حاجوه ، فقال : { وحاجه قومه } بأنهم لا ينفكون عن عبادتها لأنهم{[30126]} وجدوا آباءهم كذلك ، وأنه إن{[30127]} لم يرجع عن الكلام فيها أصابته ببعض النوازل ، وذلك من أعظم التسلية لهذا النبي العربي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم .

ولما كان من المعلوم أن محاجتهم - بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من السقوط - سفلت عن الحضيض ، نزه المقام عن ذكرها ، إشارة إلى أنها بحيث لا يستحق الذكر ، وبين جوابه لما فيه من الفوائد الجمة{[30128]} بقوله : { قال } أي بقول{[30129]} منكراً عليهم موبخاً لهم : { أتحاجوني } وصرح باسم الرب العلم الأعظم في قوله : { في الله } أي شيء{[30130]} مما يختص به المستجمع لصفات الكمال لا سيما التوحيد { وقد } أي والحال أنه قد { هدان } أي{[30131]} أرشدني بالدليل القطعي إلى معرفة كل ما يثبت{[30132]} له وينفى عنه ، أي لأنه قادر ، فبين أنه تعالى قد أحسن إليه ، فهو يرجوه لمثل ذلك الإحسان ، ويخافه من{[30133]} عواقب العصيان ، لأن من رُجي خيره خيف ضيره ، ومن كان بيده{[30134]} النفع والضر{[30135]} والهداية والإضلال فهو من وضوح الأمر وظهور الشأن بحيث لا توجه نحوه المحاجة ، وأتبعه بيان أن معبوداتهم مسلوب عنها ما يوجه إليه الهمم ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فأنا أرجوه وأخافه لأنه قادر : { ولا أخاف ما تشركون به } ولا أرجوه لهداية ولا إضلال ولا غيرهما لأنه عاجز ، فأثبت لله القدرة بالهداية لأنها أشرف ، وطوى الإضلال{[30136]} لدلالتها ودلالة ما نفي في جانب الشركاء عليه ، وأثبت لآلهتهم العجز بنفي الخوف المستلزم لنفي القدرة على الضر . وذلك دال على أن الله تعالى أهل لأن يخاف منه . كل ذلك تلويحاً لهم بأن العاقل لا ينبغي له أن يخالف إلاّ من يأمن{[30137]} ضره ، فهم في مخالفتهم لله في غاية من الخطر ، لا يرتكبها عاقل ، والآية من الاحتباك .

ولما نفى عن نفسه خوف آلهتهم أبداً في الحال والاستقبال ، وكان من الأمر البين في الدين الحق أنه لا يصبح الإيمان إلاّ مع الإقرار بخفاء العواقب{[30138]} على العباد وإثبات العلم بها لله{[30139]} تسليماً لمفاتيح الغيب إليه ، وقصرها عليه ؛ قال مستثنياً من سبب{[30140]} النفي ، وهو أنها لا تقدر{[30141]} على شيء : { إلا أن يشاء ربي } المحسن إليّ في حال الضر كما هو محسن في حال النفع { شيئاً } أي من تسليطها بأنفسها أو باتباعها ، لأنه قادر على ما يريد ، فإن أراد أنطق{[30142]} الجماد وأقدره ، وأخرس الناطق الفصيح وأعجزه ، فأنا لا أخاف في الحقيقة غيره .

ولما كان هذا في صورة التعليق ، وكان التعليق{[30143]} وما شابهه من شأنه أن لا يصدر إلاّ من متردد{[30144]} ، فيكون موضع إطماع للخصم فيه ، علله بما أزال هذا الخيال فقال : { وسع ربي كل شيء علماً } أي فأحاط بكل شيء قدرة ، فهو إذا أراد إقدار العاجز أزال عنه كل مانع من القدرة ، و{[30145]} أثبت{[30146]} له كل مقتض لها ، وذلك ثمرة شمول العلم - كما سيأتي برهانه إن شاء الله تعالى في سورة طه ، فالمراد أني ما تركت الجزم لشك عندي ، وإنما تركته لعدم علمي بالعواقب إعلاماً بأن تلك رتبة لا تصلح إلاّ لله الذي وسع علمه كل شيء ، وأدل دليل على هذا اتباعه له بإنكاره عليهم عدمَ الإبلاغ في{[30147]} التذكر{[30148]} بقوله مظهراً تاء التفعل إشارة إلى أن في جبلاتهم أصل التذكر{[30149]} الصاد{[30150]} عن الشرك :{ أفلا تتذكرون{[30151]} } أي يقع منكم تذكر ، فتميزوا بين الحق والباطل بأن تذكروا مآلكم من أنفسكم{[30152]} بأن من{[30153]} غاب عن مربوبه فسد أو كاد ، {[30154]} وأن هذه{[30155]} الجمادات لا تنفع ولا تضر ، وأنها مصنوعكم ،


[30122]:في ظ: الكواكب.
[30123]:في ظ: الذي هو.
[30124]:في ظ: الذي هو.
[30125]:سقط من ظ.
[30126]:من ظ، وفي الأصل: لا.
[30127]:زيد من ظ.
[30128]:من ظ، وفي الأصل: الجملة.
[30129]:سقط من ظ.
[30130]:سقط من ظ.
[30131]:زيد من ظ.
[30132]:في ظ: ينسب.
[30133]:من ظ، وفي الأصل: عن.
[30134]:في ظ: الضر والنفع.
[30135]:في ظ: الضر والنفع.
[30136]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30137]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30138]:من ظ، وفي الأصل: العرابق، وزيد بعده في ظ: على العواقب- كذا.
[30139]:سقط من ظ.
[30140]:من ظ،ن وفي الأصل: مسبب.
[30141]:من ظ، وفي الأصل: لا يقدر.
[30142]:في ظ: نطق.
[30143]:زيد من ظ.
[30144]:من ظ، وفي الأصل: مردد.
[30145]:في ظ: فاثبت.
[30146]:في ظ: فاثبت.
[30147]:من ظ، وفي الأصل: مردد.
[30148]:من ظ، وفي الأصل: التذكير.
[30149]:في ظ: الذكر.
[30150]:في ظ: الصادد.
[30151]:من القرآن الكريم، وفي الأصل و ظ: أفلا تذكرون، والآية بإظهار التاءين بلا خلاف.
[30152]:من ظ، وفي الأصل: من أن.
[30153]:من ظ، وفي الأصل: من أن.
[30154]:من ظ، وفي الأصل: اوهداه- كذا.
[30155]:من ظ، وفي الأصل:اوهداه- كذا.