وبعد هذه اللفتة من آيات الله في خلق السماوات والأرض إلى عبادة الله وحده ، الذي إليه المرجع وعنده الجزاء . . يعود السياق إلى الآيات الكونية التالية في وجودها وضخامتها للسماوات والأرض :
( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً ، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب . ما خلق الله ذلك إلا بالحق . يفصل الآيات لقوم يعلمون ) . .
فهذان مشهدان بارزان من مشاهد الكون ، ننساهما لطول الألفة ، ونفقد وقعهما في القلب بطول التكرار .
وإلا فكيف وهلة الإنسان وهو يشاهد أول مرة أول شروق شمس وأول غروب ، وأول مطلع قمر وأول مغيب ?
هذان مشهدان مألوفان مكروران يردنا القرآن إليهما ، ليثير في مشاعرنا وهلة الجدة ، وليحيي في قلوبنا إحساس التطلع الحي ، والتأمل الذي لم يبلده التكرار ، والتيقظ لما في خلقهما وطبيعة تكوينهما من التدبير المحكم :
( هو الذي جعل الشمس ضياء ) . .
ينزل في كل ليلة منزلاً يكون فيه على هيئة خاصة ، كما هو مشهود في القمر ، بدون حاجة إلى علوم فلكية لا يدركها إلا المتخصصون .
( لتعلموا عدد السنين والحساب ) . .
وما تزال المواقيت والمواعيد تضبط بالشمس والقمر لكافة الناس .
هل هذا كله عبث ? هل هذا كله باطل ? هل هذا كله مصادفة ?
كلا ما يكون كل هذا النظام ، وكل هذا التناسق ، وكل هذه الدقة التي لا تتخلف معها حركة . ما يكون هذا كله عبثا ولا باطلا ولا مصادفة عابرة :
( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) . .
الحق قوامه . والحق أداته . والحق غايته . والحق ثابت راجح راسخ . وهذه الدلائل التي تشهد به واضحة قائمة دائمة :
( يفصل الآيات لقوم يعلمون ) . .
فالمشاهد التي تعرض هنا في حاجة إلى العلم لإدراك التدبير الكامن وراء المشاهد والمناظر .
{ هو الذي جعل الشمس ضياء } أي ذات ضياء وهو مصدر كقيام أو جمع ضوء كسياط وسوط والياء فيه منقلبة عن الواو . وقرأ ابن كثير برواية قنبل هنا وفي " الأنبياء " وفي " القصص " " ضئاء " بهمزتين على القلب بتقديم اللام على العين . { والقمر نورا } أي ذا نورا أو سمي نورا للمبالغة وهو أعم من الضوء كما عرفت ، وقيل ما بالذات ضوء وما بالعرض نور ، وقد نبه سبحانه وتعالى بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها والقمر نيرا بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها . { وقدّره منازل } الضمير لكل واحد أي قدر مسير كل واحد منهما منازل ، أو قدره ذا منازل أو للقمر وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره ومعاينة منزله وإناطة أحكام الشرع به ولذلك علله بقوله : { لتعلموا عدد السنين والحساب } حساب الأوقات من الأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرفاتكم . { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } إلا ملتبسا بالحق مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة . { يفصل الآيات لقوم يعلمون } فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها وقرأ ابن كثير والبصريان وحفص " يفصل " بالياء .
{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 5 إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ 6 }
ضياء : أي : ذات ضياء واشتعال ، والضياء : اسم مصدر من أضياء يضيء ، وجمع ضوء كسياط وسوط ، وحياض وحوض .
والقمر نورا : أي : ذا نور ، في إنارة ، والضوء والنور بمعنى واحد لغة ، والضوء أقوى من النور استعمالا بدليل هذه الآية ، وقيل الضوء لما كان من ذاته كالشمس والنار ، والنور لما كان مكتسبا من غيره . ويدل على ذلك قوله : { وجعل القمر فيهن نورا
وجعل الشمس سراجا } . ( نوح : 16 ) . والسراج : نوره من ذاته ،
والضياء ما أضاء لك ، وشعاع الشمس مركب من ألوان النور السبعة التي ترى في قوس السحاب فهو سبعة أضواء ، وقد كشف ترقى العلوم الفلكية عن ذلك ، وكان الناس يجهلونه في عصر التنزيل .
وقدره منازل : أي : قدره ذا منازل . والتقدير : جعل الشيء أو الأشياء على مقادير مخصوصة ، في الذات أو الصفات أو الزمان أو المكان ، كما قال : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } . ( الفرقان : 2 ) . وقال : { والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون
القديم } . ( يس : 39 ) . والمنازل : واحدها منزل ، وهو مكان النزول ، و هي ثمانية وعشرون منزلا معروفة لدى العرب بأسمائها .
ويبقى من الشهر ليلة : إن كان 29 وليلتان إن كان 30 يوما يحتجب فيها فلا يرى .
5 { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا . . . } الآية .
خلق الله السماء ، وبسط الأرض ، ودبر نظام الكون ، وجعل الشمس مضيئة نهارا والقمر منيرا ليلا .
{ وقدره منازل } . أي : وقدر سير القمر في فلكه منازل ينزل كل ليلة في واحد منها لا يجاوزها لا ويقصر دونها ، وهو ثمانية وعشرون منزلا يرى القمر فيها بالأبصار ، وليلة أو ليلتان يحتجب فيها فلا يرى .
{ لتعلموا عدد السنين والحساب } . أي : لتعلموا بما ذكر من صفة النيرين ، وتقدير المنازل حساب الأوقات من الأشهر والأيام ؛ لضبط عبادتكم ومعاملتكم المالية والمدنية ، ولولا هذا النظام المشاهد ؛ لتعذر العلم بذلك على الأميين من أهل البدو والحضر ؛ إذ حساب السنين والشهور الشمسية لا يعلم إلا بالدراسة ، ومن ثم جعل الشارع الحكيم الصوم والحج وعدة الطلاق بالحساب القمري ، الذي يعرفه كل واحد بالمشاهدة .
ولعبادتي الصيام والحج حكمة أخرى وهي دورانهما في جميع الفصول ، فيعبد المسلمون ربهم في جميع الأوقات من حارة باردة ومعتدلة . ii
وقد حث الشارع على الانتفاع بالحساب الشمسي بنحو قوله : { الشمس والقمر بحسبان } . ( الرحمان : 5 ) .
وقوله سبحانه : { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين وكل شيء فصلناه تفصيلا } . ( الإسراء : 12 ) .
{ ما خلق الله ذلك إلا بالحق } . ما خلق الله ذلك إلا مقترنا بالحق الذي تقتضيه الحكمة والمنفعة لحياة الخلق ونظام معايشهم فلا عبث ولا خلل «كل هذا النظام ، وكل هذا التناسق لا يكون عبثا ولا باطلا ولا مصادفة عابرة ، بل تنظيم إله حكيم مدبر » . iii
{ يفصل الآيات لقوم يعلمون } . يوضح الدلائل من حكم الخلق ، مفصلة منوعة من كونية وعقلية ، لقوم يعلمون وجوه دلالة الدلائل ، والفرق بين الحق والباطل . باستعمال عقولهم في فهم هذه الآيات ، فيجزمون بأن من خلق هذين النيرين وما فيهما من النظام بالحق ، لا يمكن أن يكون خلقه لهذا الإنسان العجيب عبثا ولا أن يتركه سدى ، وفي الآية تنويه بفضل العلم وكون الإسلام دينا علميا لا تقليديا . iv
الضوء والضياء : النور . والضوء أقوى من النور ، لأن الضوء من الشمس ذاتها ، والنور في القمر مستمد من الشمس .
قدّره منازل : جعله يتنقل بينها وهي ثمانية وعشرون منزلا .
بعد أن ذكر الله الآيات الدالةَ على وجوده ، ومنها خلقُ السماواتِ والأرض على ذلك النظام المحْكَم ، ذَكَر هنا أنواعاً من آياته الكونية الدالة على ذلك . وهو تفصيلٌ لما تقدّم وبيان له على وجه بديع وأسلوب عجيب .
إن ربكم هو الذي خلق السماواتِ والأرضَ وهذا الكونَ العجيب ، وفيه جعل الشمس تشع ضياء ، والقمر يرسل نورا .
وجعل للقمر منازلَ عددُها ثمانية وعشرون يتنقل فيها ، فيختلف نوره تبعاً لهذه المنازل ، وذلك لتستعينوا به في تقدير مواقيتكم ، وتعلموا عدَد السنين والحساب ، فتحسِبوا الأشهرَ والأيام وتضبطوا فيها مواعيدَكم وعباداتكم ومعاملاتكم .
وما خلق الله ذلك إلا بالحكمة ، وهو هنا يبيّن الدلائل ويبسط الآياتِ الدالةَ على ألوهّيته وكمالِ قدرته لِقومٍ يتدبرون بعقولهم .
وقد قررت هذه الآيةُ الحقيقةَ العلمية التي لم يصل إليها العلم إلا أخيراً ، وهي أن الشمس جرم ملتهب ، ومصدرُ الطاقات ، ومنها الضوء والحرارة ، بينما القمر جِرم مظلم غير ملتهب . أما النور الذي يبدو منه فهو مستَمدٌّ من الشمس . ولذا عبّر الله تعالى عن الشمس بأنها ضِياء ، يعني مصدراً للضوء ، وأن القمر نورٌ منير فقط . كذلك أشارت الآيةُ إلى حقيقة فلكية ، وهي أن القمرَ يدور حول الأرض ، فيحتل مكاناً خاصّا بالنسبة لها في كل يوم . وهو يُتم دورتَهُ في الشهر القمري ، وبه تُعلم السنة القمرية . وعلى ذلك يمكن بطريق الرؤية الحِسْبَةُ لِمنازله ومعرفة السنين وحساب الأشهر .
قرأ ابن كثير برواية قنبل : ضِئاء بالهمزة . والباقون بالياء .
وقرأ ابن كثير وأهلُ البصرة وحفص : «يفصّل الآيات » بالياء والباقون : «نفصل » بالنون .