( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ) . .
ولا يفصح السياق عن هذه البشرى إلا في موعدها المناسب بحضور امرأة إبراهيم ! والرسل : الملائكة . وهم هنا مجهولون ، فلا ندخل - مع المفسرين - في تعريفهم وتحديد من هم بلا دليل .
( قالوا : سلاما . قال : سلام ) . .
وكان إبراهيم قد هاجر من أرض الكلدانيين مسقط رأسه في العراق ، وعبر الأردن ، وسكن في أرض كنعان في البادية - وعلى عادة البدو في إكرام الأضياف راح إبراهيم يحضر لهم الطعام وقد ظنهم ضيوفا - :
ولما انقضت القصة على هذا الوجه الرائع ، أتبعها قصة لوط عليه السلام إذ كانت أشهر الوقائع بعدها وهي أفظع منها وأروع ، وقدم عليها ما يتعلق بها من أمر إبراهيم عليه السلام وذكر{[39668]} بشراه لما في ذلك كله من التنبيه لمن تعنت بطلب إنزال الملائكة في قولهم{[39669]} { أو جاء معه ملك } على أن ذلك ليس عزيزاً عليه . وقد أكثر من فعله ولكن نزولهم مرهب{[39670]} ، وأمرهم عند المكاشفة مرعب ، وأما مع الستر فلا يقطع تعنتهم{[39671]} ، هذا مع ما في ذلك من مناسبة أمر هذا الولد لأمر الناقة في تكوين كل منهما بخارق{[39672]} للعادة إشارة إلى تمام القدرة وكمال العلم المبني عليه أمر السورة في إحكام الكتاب وتفصيله وتناسب جدالي نوح وإبراهيم عليهما السلام في أن كلاً منهما شفقة على الكافرين ورجاء لنجاتهم من العذاب بحسن{[39673]} المثاب ، ولعله سبحانه كرر " لقد " في صدرها عطفاً على ما في قصة نوح للتنبيه على مثل هذه الأغراض ، لأن " قد " للتوقع{[39674]} فجاءت لتؤذن بأن السامع{[39675]} في حال توقع لذلك لأنه إذا انقضت قصة توقع الخبر عما بعدها فقال تعالى : { ولقد } قال الرماني : ودخلت اللام لتأكيد الخبر كما يؤكد القسم { جاءت رسلنا } أي الذين{[39676]} عظمتهم من عظمتنا ، قيل : كانوا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام { إبراهيم } هو{[39677]} خليل الله عليه السلام { بالبشرى } أي التي هي من أعظم البشائر وهي إكرامه بإسحاق عليه السلام ولداً له من زوجته سارة رضي الله عنها ، جاءوه{[39678]} في الصفة التي يحبها وهي صفة الأضياف ، فلم يعرفهم مع أنه الخليل بل أنكرهم كما قال تعالى في الذاريات{ قال سلام قوم منكرون }{[39679]}[ الذاريات : 25 ] فيحمل إنكاره أولاً على الاستغراب بمعنى أنه لم ير عليهم زيّ أهل تلك البلاد ولا أثر السفر ، فكأنه قيل : ما كان من أمرهم ؟ فقيل : { قالوا سلاماً } أي سلمنا عليك سلاماً عظيماً { قال سلام } أي ثابت دائم عليكم لا زوال له أبداً ، فللرفع مزية على النصب لأنه إخبار عن ثابت ، والنصب تجديد ما لم يكن ، فصار مندرجاً في{ فحيوا بأحسن منها }{[39680]}[ النساء : 86 ] ثم أكرم نزلهم وذهب يفعل ما طبعه الله عليه من سجايا الكرم وأفعال الكرام في أدب الضيافة من التعجيل مع الإتقان { فما لبث } أي فتسبب عن مجيئهم وتعقبه أنه{[39681]} ما{[39682]} تأخر { أن جاء بعجل حنيذ* } أي مشوي على حجارة محماة في أخدود وفوقه حجارة محماة ليشتد نضجه ، فكان بعد الشيّ{[39683]} يقطر{[39684]} دسمه لأنه سمين ، كل ذلك وهو لا يعرف أنهم ملائكة ، بل هو قاطع بأنهم ممن يأكل ، وهذا ناظر إلى قول قوم{[39685]} نوح { وما نرى لكم علينا من فضل } وقوله { ولا أقول للذين تزدري أعينكم } الآية ، أي أن{[39686]} الله جعل المعاني في القلوب وناط بها السعادة والشقاوة ، وقد تخفي تلك المعاني كما خفي على أكمل أهل ذلك الزمان أن ضيفه ملائكة حتى خاف منهم وقد أتوه بالبشرى ، فلا ينبغي لأحد أن يحتقر أحداً إلا بما أذن الله فيه .
قوله تعالى : { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ 69 فلما رءا أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخلق إنا أرسلنا إلى قوم لوط 70 وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب 71 قالت يا ويلتي ألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب 72 قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } .
هذا إخبار من الله عن قصة نبيه لوط عليه السلام وهو ابن عم خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام . وقد كانت قرى لوط بنواحي الشام ، وكان إبراهيم يقيم بفلسطين . فما أمر الله ملائكته أن ينزلوا بإهلاك قوم لوط والتدمير عليهم من أجل فاحشتهم الشنيعة ، ومروا ولهم في طريقهم إلى مدائن لوط ، بإبراهيم ونزلوا عنده وقد ظنهم أضيافا وهو دأبه إكرام الضيف ، فأحسن استقبالهم وإكرامهم . وقد قيل : كانوا تسعة . وقيل : كانوا اثني عشر ملكا على صورة الغلمان الحسان الوجوه ؛ إذ كانوا أولي وضاءة وصحابة . وذلك تأويل قوله : { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } وقد اختلف العلماء في المراد بالبشرى على وجهين . الأول : أن المراد ما بشره الله بعد ذلك بقوله : فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } .
الثاني : أن المراد منه تبشير إبراهيم عليه السلام بسلامة لوط وبإهلاك قومه .
قوله : { قالوا سلاما قال سلام } نصب سلاما الأول لوجهين :
أولهما : كونه منصوبا بقالوا . كما يقال : قلت خيرا . قلت شعرا .
ثانيهما : كونه منصوبا على المصدر .
ورفع { سلام } الثاني ؛ لأنه خبر لمبتدأ محذوف ، وتقديره : أمرنا سلام ، أو هو سلام . وقيل : مرفوع ؛ لأنه مبتدأ محذوف الخبر ، وتقديره : وعليكم سلام{[2127]} .
والمقصود : أن الملائكة حيوا نبي الله إبراهيم بالسلام ؛ أي : سلمنا عليك سلاما . أو سلمت فحياهم إبراهيم بمثلها وهو قول : عليكم السلام . والسلام يأتي على عدة معان . منها أنه اسم من أسماء الله تعالى . وهو التحية عند المسلمين . ويأتي بمعنى الأمان . والصلح والبراءة من العيوب{[2128]} .
قوله : { فما لبث أن جاء بعجل حنيذ } أي فما لبث حتى جاء بعجل حنيذ . أو فما لبث في المجيء به بل عجل فيه . والحنيذ ، هو المشوي النضيج . حنيذ الشاة أي شواها وجعل فوقها حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ . وهو من فعل أهل البادية . والمقصود : أن إبراهيم قد خف سريعا فأتاهم بالضيافة وهو عجل من صغار البقر ، محنوذ ؛ أي مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة{[2129]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.