وهؤلاء لهم نصيب مضمون لا يبطىء عليهم . فالله سريع الحساب .
إن هذا التعليم الإلهي يحدد : لمن يكون الاتجاه . ويقرر أنه من اتجه إلى الله وأسلم له أمره ، وترك لله الخيرة ، ورضي بما يختاره له الله ، فلن تفوته حسنات الدنيا ولا حسنات الآخرة . ومن جعل همه الدنيا فقد خسر في الآخرة كل نصيب . والأول رابح حتى بالحساب الظاهر . وهو في ميزان الله أربح وأرجح . وقد تضمن دعاؤه خير الدارين في اعتدال ، وفي استقامة على التصور الهاديء المتزن الذي ينشئه الإسلام .
إن الإسلام لا يريد من المؤمنين أن يدعوا أمر الدنيا . فهم خلقوا للخلافة في هذه الدنيا . ولكنه يريد منهم أن يتجهوا إلى الله في أمرها ؛ وألا يضيقوا من آفاقهم ، فيجعلوا من الدنيا سورا يحصرهم فيها . . إنه يريد أن يطلق( الإنسان ) من أسوار هذه الأرض الصغيرة ؛ فيعمل فيها وهو أكبر منها ؛ ويزاول الخلافة وهو متصل بالأفق الأعلى . . ومن ثم تبدو الاهتمامات القاصرة على هذه الأرض ضئيلة هزيلة وحدها حين ينظر إليها الإنسان من قمة التصور الإسلامي . .
ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل {[8884]}لأنهم عبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم{[8885]} ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم{[8886]} بتجلي{[8887]} نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملاً ، كما فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال :{ الذي خلقني فهو يهدين }[ الشعراء : 78 ] الآيات حتى{[8888]} قال{ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين{[8889]} }[ الشعراء : 83 ] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في قوله :{ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا{[8890]} }[ آل عمران : 193 ] الآيات{[8891]} ، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل الاستئناف{[8892]} جامعاً {[8893]}على معنى{[8894]} من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة{[8895]} أو يكون الجمع لعظم{[8896]} صفاتهم : { أولئك }{[8897]} أي العالو المراتب العظيمو المطالب { لهم } {[8898]}أي هذا القسم فقط لأن الأول قد{[8899]} أخبر أن الأمر عليه لا له .
ولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد {[8900]}وأقل{[8901]} ما فيها أن تكون خالية{[8902]} عن نية حسنة قال مشيراً إلى ذلك : { نصيب } وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة بين جماعة ، كائن{[8903]} { مما } {[8904]}لو قال : طلبوا - مثلاً ، لم يعم{[8905]} جميع أفعالهم ؛ ولو قال : فعلوا ، لظُن خروج القول فعدل إلى قوله : { كسبوا } أي{[8906]} طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا{[8907]} فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه {[8908]}فهو الذي يثابون عليه{[8909]} وهو قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم .
ولما كان أسرع الناس حساباً{[8910]} أعلمهم بفنونه خطأ وصواباً و{[8911]}كان التقدير : فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على حسب ذلك عطف عليه قوله : { والله } {[8912]}أي المحيط علماً وقدرة{[8913]} { سريع الحساب * } {[8914]}وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها{[8915]} الجزاء واتصاله{[8916]} إلى العامل{[8917]} لما له من سعة العلم وشمول القدرة ، قيل لبعضهم : كيف يحاسب الله الخلق في وقت واحد ؟ قال : كما يرزقهم في وقت واحد ، {[8918]}وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملاً ، وترهيب بأنّه لا يمشي{[8919]} عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول{[8920]} .
وقوله : ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . خبره الجملة الإسمية ( لهم نصيب ) في محل رفع . والإشارة تعود على المؤمنين الذين يدعون ربهم ويتضرعون إليه في خشية وتوسل وإخبات أن يعطيهم من خير الدنيا والآخرة . وهؤلاء هم أولو الحظ الكبير من عطاء الله ورضوانه يوم القيامة .
قوله : ( والله سريع الحساب ) ( الحساب ) يراد به الجزاء يوم القيامة . والله جل جلاله سريع المجازاة لعباده على أعمالهم . وهو سبحانه يحاسب الناس كنفس واحدة . قيل لعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه- : كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟ قال : كما يرزقهم في يوم{[281]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.