في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (199)

189

والحج هو مؤتمر المسلمين الجامع ، الذي يتلاقون فيه مجردين من كل آصرة سوى آصرة الإسلام ، متجردين من كل سمة إلا سمة الإسلام ، عرايا من كل شيء إلا من ثوب غير مخيط يستر العورة ، ولا يميز فردا عن فرد ، ولا قبيلة عن قبيلة ، ولا جنسا عن جنس . . إن عقدة الإسلام هي وحدها العقدة ، ونسب الإسلام هو وحده النسب ، وصبغة الإسلام هي وحدها الصبغة . وقد كانت قريش في الجاهلية تسمي نفسها " الحمس " جمع أحمس ، ويتخذون لأنفسهم امتيازات تفرقهم عن سائر العرب . ومن هذه الامتيازات أنهم لا يقفون مع سائر الناس في عرفات ، ولا يفيضون - أي يرجعون - من حيث يفيض الناس . فجاءهم هذا الأمر ليردهم إلى المساواة التي أرادها الإسلام ، وإلى الاندماج الذي يلغي هذه الفوارق المصطنعة بين الناس :

( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، واستغفروا الله ، إن الله غفور رحيم ) . .

قال البخاري : حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت : " كان قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ، وكانوا يسمون الحمس ، وسائر العرب يقفون بعرفات . فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه [ ص ] أن يأتي عرفات ، ثم يقف بها ثم يفيض منها . فذلك قوله : من حيث أفاض الناس " . .

قفوا معهم حيث وقفوا ، وانصرفوا معهم حيث انصرفوا . . إن الإسلام لا يعرف نسبا ، ولا يعرف طبقة . إن الناس كلهم أمة واحدة . سواسية كأسنان المشط ، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى . ولقد كلفهم الإسلام أن يتجردوا في الحج من كل ما يميزهم من الثياب ، ليلتقوا في بيت الله إخوانا متساوين . فلا يتجردوا من الثياب ليتخايلوا بالأنساب . . ودعوا عنكم عصبية الجاهلية ، وادخلوا في صبغة الإسلام . . واستغفروا الله . . استغفروه من تلك الكبرة الجاهلية . واستغفروه من كل ما مس الحج من مخالفات ولو يسيرة هجست في النفس ، أو نطق بها اللسان . مما نهى عنه من الرفث والفسوق والجدال .

وهكذا يقيم الإسلام سلوك المسلمين في الحج ، على أساس من التصور الذي هدى البشرية إليه . أساس المساواة ، وأساس الأمة الواحدة التي لا تفرقها طبقة ، ولا يفرقها جنس ، ولا تفرقها لغة ، ولا تفرقها سمة من سمات الأرض جميعا . . وهكذا يردهم إلى استغفار الله من كل ما يخالف عن هذا التصور النظيف الرفيع . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (199)

ولما قبح{[8784]} عليهم{[8785]} ما كانوا عليه من المخالفة في الوقوف بالنسبة إلى الضلال بالجملة الاسمية مؤكدة بأنواع التأكيد {[8786]}وكان ما مضى من ذكر الإفاضة ليس بقاطع في الوجوب{[8787]} أشار لهم إلى تعظيم ما هداهم له من الموافقة بأداة التراخي فقال عاطفاً على ما{[8788]} تقديره : فلا تفيضوا من المشعر الحرام الإفاضة التي كنتم تخالفون فيها الناس {[8789]}دالاً على تفاوت الإفاضتين وبعد ما بينهما على وجه معلم بالوجوب{[8790]} : { ثم } أي بعد طول{[8791]} تلبسكم بالضلال أنزلت عليكم في هذا الذكر الحكيم الذي أبيتموه{[8792]} وهو {[8793]}عزكم وشرفكم{[8794]} لا ما ظننتم أنه شرف لكم بالتعظم{[8795]} على الناس بمخالفة الهدى {[8796]}في الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها{[8797]} { أفيضوا } أي إذا قضيتم{[8798]} الوقوف . وقال الحرالي : لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم كما كان{[8799]} للكيان{[8800]} ترتيب للأسبق فالأسبق كان حرف المهلة{[8801]} الذي هو ثم ، يقع تارة لترتيب{[8802]} الكيان وتارة لترتيب الإخبار فيقول القائل مثلاً : امش{[8803]} إلى حاجة كذا{[8804]} - تقديماً في الخبر للأهم{[8805]} - ثم ليكن{[8806]} خروجك من موضع كذا ، فيكون السابق في الكيان متأخراً بالمهلة{[8807]} في الإخبار ، فمن معنى ذلك قوله - انتهى{[8808]} . ثم أفيضوا{[8809]} أيها الحمس ! { من حيث أفاض الناس } أي معظمهم{[8810]} وهو عرفات ، إلى المشعر الحرام لتبيتوا{[8811]} به ، وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمعون الحمس{[8812]} وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها{[8813]} ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه وتعالى { ثم أفيضوا } " الآية ، { {[8814]}واستغفروا الله{[8815]} } {[8816]}أي اطلبوا {[8817]}من ذي الجلال والإكرام{[8818]} أن يغفر لكم ما كنتم تفعلونه أيام جاهليتكم من مخالفة الهدى في الوقوف و{[8819]}ما يبقى{[8820]} في الأنفس من آثار تلك العادة ومن غير ذلك من النقائص التي يعلمها الله منكم . قال الحرالي : والعادات{[8821]} أشد ما على المتعبدين والطريق إلى الله تعالى بخلعها{[8822]} ، وقد كان جدالهم أي في وقوفهم في الحرم بغير علم لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف والخائف لا يخاف في الحرم لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحرم آمناً ، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل فإذا أمن دخل الحرم وإذا دخل الحرم أمن - انتهى . {[8823]}وأظهر{[8824]} الاسم الشريف تعريفاً{[8825]} للمقام وإعلاماً بأنه موصوف بما يصفه به على وجه العموم من غير نظر إلى قيد ولا حيثية{[8826]} فقال : { إن الله } ذا{[8827]} الكمال { غفور } أي ستور ذنب من استغفره { رحيم * } أي بليغ{[8828]} الرحمة يدخل المستغفر في جملة المرحومين الذين لم يبد منهم ذنب فهو يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم ليكون التائب من الذنب كمن لا ذنب له .


[8784]:في الأصل: فتح والتصحيح من م ومد وظ.
[8785]:زيد من م ومد وظ.
[8786]:ليست في ظ.
[8787]:ليست في ظ.
[8788]:ليس في م.
[8789]:ليست في ظ.
[8790]:ليست في ظ.
[8791]:ليس في ظ.
[8792]:في الأصل وظ: اتيتموه؛ والتصحيح من م ومد.
[8793]:في م وظ ومد: شرفكم وعزكم.
[8794]:في م وظ ومد: شرفكم وعزكم.
[8795]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بالتعظيم
[8796]:ليست في ظ
[8797]:ليست في ظ.
[8798]:في م: أفضتم
[8799]:في ظ: إن
[8800]:في الأصل: للكتاب، والتصحيح من م ومد وظ
[8801]:في الأصل: المهمة، والتصحيح من م ومد وظ.
[8802]:في الأصل: لترهب والتصحيح من م ومد وظ.
[8803]:في مد: أمس
[8804]:ليس في م
[8805]:من م وظ ومد وفي الأصل: الأهم
[8806]:في م: لكن.
[8807]:في الأصل: المهمة والتصحيح من م ومد وظ.
[8808]:ليس في م.
[8809]:زيد في ظ: أي.
[8810]:من م ومد وفي الأصل: يعطهم، وفي ظ: كافة.
[8811]:في ظ: ليبيتوا.
[8812]:من م وظ، وفي الأصل ومد: الخمس.
[8813]:في الأصل: لها والتصحيح من م ومد وظ.
[8814]:في الأصل: استغفر الله والتصحيح من بقية الأصول.
[8815]:في الأصل: استغفر الله والتصحيح من بقية الأصول.
[8816]:أمرهم بالاستغفار في مواطن مظنة القبول وأماكن الرحمة وهو طلب الغفران من الله باللسان مع التوبة بالقلب إذ الاستغفار باللسان دون التوبة بالقلب غير نافع، وأمروا بالاستغفار وإن كان فيهم من لم يذنب كمن بلغ قبيل الإحرام ولم يقارف ذنبا وأحرم فيكون الاستغفار من مثل هذا لأجل أنه ربما صدر منه تقصير في أداء الواجبات والاحتراز من المحظورات وظاهر هذا الأمر أنه ليس طلب غفران من ذنب خاص بل طلب غفران الذنوب، وقيل: إنه أمر لطلب غفران خاص – البحر المحيط 2 / 101.
[8817]:في ظ: منه.
[8818]:في ظ: منه.
[8819]:في م ومد وظ: مما تبقى.
[8820]:في م ومد وظ: مما تبقى.
[8821]:من م ومد وظ وفي الأصل: العبادات.
[8822]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يخلعها.
[8823]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ.
[8824]:من م ومد وفي الأصل: الأظهر.
[8825]:في م ومد : تعظيما.
[8826]:من م ومد وفي الأصل: حينية – كذا.
[8827]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ذو.
[8828]:من م وظ ومد، وفي الأصل: يتبع.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (199)

قوله : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) ( ثم ) أداة عطف لجملة وليست للترتيب . والخطاب بذلك لقريش- وهم الحُمُس- من اجل أن يقفوا بعرفة ويفيضوا منه كغيرهم من الناس . فقد كان الناس جميعهم يقفون بعرفة ليفيضوا منه إلى المزدلفة إلا قريشا ، فكما كانوا يفيضون من عرفة مع الناس ، بل كانوا يقفون بالمزدلفة ويفيضون منها ويقولون : نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته ، وقد ظلوا كذلك حتى أمرهم الله بالإفاضة من حيث أفاض الناس ، وليس في استنكافهم عن الإفاضة من عرفات كبقية الفائضين إلا الغرور والتعصب الذي لا يستند إلى دليل من الشرع أو المعقول .

وقيل : بل إن المقصود بالإفاضة في هذه الآية هي الإفاضة من مزدلفة إلى منى لرمي الجمار ، والمراد بالناس هو إبراهيم الخليل عليه السلام ، وبذلك فإن المخاطب هذه الأمة كلها وليست قريشا وحدها . وعلى هذا المعنى : أفيضوا مثلما أفاض أبوكم إبراهيم عليه السلام فقد أفاض من مزدلفة إلى منى .

والراجح من القولين الأول ؛ وذلك لما رواه مسلم في صحيحه عن السيدة عائشة قالت : كان الحُمس هم الذين أنزل الله فيهم ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) قالت : كان الناس يفيضون من عرفات وكان الحمس يفيضون من المزدلفة يقولون : لا نفيض إلا من الحرم ، فلما نزلت ( أفيضوا من حيث أفاض الناس ) رجعوا إلى عرفات .

وقوله : ( واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) يأمر الله عباده بالاستغفار عقيب كل عبادة ومنها الإفاضة فإذا اندفع الحاج من مزدلفة استغفر ربه وأناب إليه وتوجه إليه بالدعاء . والله جلت قدرته يحب التوابين والمستغفرين ويستجيب للخاشعين المخبتين الذين يدعونه وهم موقنون بالإجابة{[280]} .


[280]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 427- 430 وتفسير الطبري جـ 2 ص 169- 174.