في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (191)

189

ثم يمعن السياق في توكيد القتال لهؤلاء الذين قاتلوا المسلمين وفتنوهم في دينهم ، وأخرجوهم من ديارهم ، والمضي في القتال حتى يقتلوهم على أية حالة ، وفي أي مكان وجدوهم . باستثناء المسجد الحرام . إلا أن يبدأ الكفار فيه بالقتال . وإلا أن يدخلوا في دين الله فتكف أيدي المسلمين عنهم ، مهما كانوا قد آذوهم من قبل وقاتلوهم وفتنوهم :

( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - والفتنة أشد من القتل . ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه . فإن قاتلوكم فاقتلوهم . كذلك جزاء الكافرين . فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ) . .

إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية . ومن ثم فهي أشد من القتل . أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة . ويستوي أن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي ، أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج الله ، وتزين لهم الكفر به أو الاعراض عنه . وأقرب الأمثلة على هذا هو النظام الشيوعي الذي يحرم تعليم الدين ويبيح تعليم الإلحاد ، ويسن تشريعات تبيح المحرمات كالزنا والخمر ، ويحسنها للناس بوسائل التوجيه ؛ بينما يقبح لهم اتباع الفضائل المشروعة في منهج الله . ويجعل من هذه الأوضاع فروضا حتمية لا يملك الناس التفلت منها .

وهذه النظرة الإسلامية لحرية العقيدة ، وإعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشرية . . هي التي تتفق مع طبيعة الإسلام ، ونظرته إلى غاية الوجود الإنساني . فغاية الوجود الإنساني هي العبادة [ ويدخل في نطاقها كل نشاط خير يتجه به صاحبه إلى الله ] . وأكرم ما في الإنسان حرية الاعتقاد . فالذي يسلبه هذه الحرية ، ويفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة ، يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته . ومن ثم يدفعه بالقتل . . لذلك لم يقل : وقاتلوهم . إنما قال : ( واقتلوهم ) . . ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) أي حيث وجدتموهم .

في أية حالة كانوا عليها ؛ وبأية وسيلة تملكونها - مع مراعاة أدب الإسلام في عدم المثلة أو الحرق بالنار .

ولا قتال عند المسجد الحرام ، الذي كتب الله له الأمن ، وجعل جواره آمنا استجابة لدعوة خليله إبراهيم [ عليه السلام ] وجعله مثابة يثوب إليها الناس فينالون فيه الأمن والحرمة والسلام . . لا قتال عند المسجد الحرام إلا للكافرين الذين لا يرعون حرمته ، فيبدأون بقتال المسلمين عنده . وعند ذلك يقاتلهم المسلمون ولا يكفون عنهم حتى يقتلوهم . . فذلك هو الجزاء اللائق بالكافرين ، الذين يفتنون الناس عن دينهم ، ولا يرعون حرمة للمسجد الحرام ، الذي عاشوا في جواره آمنين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (191)

ولما حرم الاعتداء صرح بإباحة أصل{[8210]} القتال فقال : { واقتلوهم } أي الذين يقاتلونكم { حيث ثقفتموهم } أي وجدتموهم وأنتم تطمعون{[8211]} في أن تغلبوا{[8212]} أو حيث تمكنتم{[8213]} من قتلهم - قاله الأصبهاني ، لأنه من ثقف{[8214]} بالضم ثقافة إذا صلب{[8215]} وثقف أي{[8216]} بالكسر كذلك ، وأيضاً صار حاذقاً فطناً ، وثقفت{[8217]} الشيء ثقفاً إذا{[8218]} أخذته والشيء صادفته{[8219]} - قاله ابن القطاع . {[8220]}وقال الأصبهاني : والثقف وجوده{[8221]} على وجه الأخذ والغلبة{[8222]} ، وأطلق الوجدان فشمل الحل والحرم من الزمان والمكان لأنهم كذلك يفعلون{[8223]} بالمسلمين ، كانوا يؤذونهم{[8224]} ويفتنونهم عند البيت في كل وقت ؛ وفي التعبير بالفعل ما{[8225]} يشعر بالنصر بحزب{[8226]} الله وبشرى بضعف{[8227]} العدو عن مداومة المقاومة للمجاهدين وقد ظهرت التجربة مثل ذلك وأقله أنهم إذا فروا لم يكروا .

ولما كانت الآية ناظرة إلى القصاص قال : { وأخرجوهم } أي فإن{[8228]} لم{[8229]} يقاتلوكم{[8230]} { من حيث أخرجوكم{[8231]} } أي{[8232]} مكة التي هي موطن الحج والعمرة ومحل الشعائر المقصودة لأهل الإسلام . ولما كان هذا{[8233]} مشعراً{[8234]} بأنهم لم يكن منهم إليهم قتال في مكة لغير{[8235]} الأذى المحوج إلى الخروج من الديار{[8236]} على أن التقدير : فإن الإخراج من السكن أشد فتنة وقد فتنوكم به ، فعطف عليه قوله : { والفتنة } أي العذاب{[8237]} بالإخراج أو{[8238]} غيره من أنواع الإخافة { أشد{[8239]} } تليينهم للإسلام{[8240]} { من القتل }{[8241]} أعم من أن يكون المراد من قتلكم إياهم في الحرم أو{[8242]} غيره أو قتلهم إياكم أو غير ذلك لما فيه{[8243]} من مواصلة الغم القابض للنفس عن مراداتها{[8244]} ، فلذلك سوغنا لكم{[8245]} قتلهم{[8246]} قصاصاً بسبب إخراجكم ، فكان المراد بالذات إخراجهم لتمكن{[8247]} الحج والاعتمار ولكنه لما{[8248]} لم يمكن{[8249]} إلا بقتالهم وقتلهم أذن فيهما{[8250]} وقد كشف الواقع في أمر : عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن{[8251]} أمية وعبد الله بن {[8252]}أبي ربيعة{[8253]} أن الإخراج من مكة لينهم للإسلام أكثر من تليين القتل فإنهم أسلموا لما أشرفوا على فراق مكة بظهور الإسلام فيها ولم يسلم أحد من قريش خوفاً من القتل ، فلكون{[8254]} السياق لإخراجهم عبر هنا أشد .

ولما كان الإذن في الإخراج مستلزماً في العادة للقتال وكان قد أذن في {[8255]}الابتداء به{[8256]} حيث ثقفوا خصص ذلك فقال ناظراً إلى المقاصّة{[8257]} أيضاً ومشيراً إلى ما سيقع في غزوة الفتح المشار إليها بقوله بعد{ وكفر به والمسجد الحرام }[ البقرة : 217 ] { ولا تقاتلوهم } أي هؤلاء الذين أذن لكم في إخراجهم { عند المسجد الحرام } أي الحرم إذا أردتم إخراجهم {[8258]}فمانعوكم{[8259]} { حتى يقاتلوكم فيه } أي في ذلك الموضع الذي هو عند المسجد ، وكأنه عبر بفيه في الثاني وعند في الأول والمراد الحرم في كل منهما كفاً ، عن القتال فيه مهما وجد إلى الكف سبيل تعظيماً له وإجلالاً لمحله لأنه موضع{[8260]} للصلاة{[8261]} التي أعظم مقاصدها السجود لا لغيره فضلاً عن القتال . { فإن قاتلوكم } أي في ذلك المكان { فاقتلوهم } أي لا تقصروا{[8262]} على مدافعتهم بل اصدقوهم في الضرب المجهز ولا حرج عليكم من جهة المسجد فإن الانتهاك لحرمته منسوب إلى البادىء ، وفي التعبير بالفعل في جواب المفاعلة في قراءة الجمهور أو الفعل في قراءة حمزة والكسائي بشارة{[8263]} بنصرة المبغي عليه وقوة إدالته ، ولما كان هذا مفهماً أنه خاص بهم عمم بقوله : { كذلك } أي مثل هذا الفعل العظيم الجدوى { جزاء الكافرين * } كلهم .


[8210]:من م وظ ومد، وفي الأصل: أهل.
[8211]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: مطعمون.
[8212]:العبارة من هنا إلى "قاله الأصبهاني" ليست في ظ.
[8213]:في الأصل: يمكنهم والتصحيح من م ومد.
[8214]:زيد بعده في م ومد وظ: أي. وفي البحر المحيط 2 /59: قال أبو حيان الأندلسي: ثقف الشيء إذا ظفر به ووجده على جهة الأخذ والغلبة، ومنه: رجل ثقف سريع الأخذ لأقرانه ومنه "فأما تثقفنهم في الحرب" وقول الشاعر: فأما تثقفوني فاقتلوني فمن أثقف فليس إلى خلود وقال ابن عطية: "ثقفتموهم" أحكمتم غلبتهم قال: رجل ثقف إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور –انتهى، ويقال: ثقف الشيء ثقافة، إذا حذفه، ومنه: أخذت الثقافة بالسيف، والثقافة أيضا حديدة تكون للقواس والرماح يقوم بها المعوج، وثقف الشيء وهو ثقف إذا كان سريع العلم، وثقفته: قومته، ومنه: الرماح المثقفة أي المقومة.
[8215]:في ظ: صلب، وفي م: صلت.
[8216]:ليس في م ومد وظ.
[8217]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ثقف.
[8218]:ليس في م ومد وظ.
[8219]:من م ومد وظ، وفي الأصل: صادقه.
[8220]:العبارة من هنا إلى "الغلبة" ليست في ظ.
[8221]:من مد وفي م: وجود وفي الأصل: وجدد – كذا.
[8222]:في الأصل: القلب، والتصحيح من م ومد.
[8223]:في الأصل: سيغلبون، والتصحيح من بقية الأصول.
[8224]:في م: يوذوهم.
[8225]:من م وظ، وفي الأصل: مما وعبارة مد مطموسة من هنا إلى "ويخلص الدين لله توحيدا" من صفحة 115 سطرا.
[8226]:في م: لحزب.
[8227]:في م: لضعف.
[8228]:في م وظ: وإن.
[8229]:زيد من م وظ.
[8230]:من م وظ، وفي الأصل: يقاتلونكم.
[8231]:وضمير النصب في "أخرجوكم" عائد على المأمورين بالقتل والإخراج – البحر المحيط 2 / 66.
[8232]:في م: من.
[8233]:زيد من م وظ.
[8234]:في م: مشعر.
[8235]:في م: بغير.
[8236]:في م وظ: علم.
[8237]:ليس في ظ.
[8238]:في م وظ: و.
[8239]:ليست في ظ: وفي الأصل: بينهم مكان: تليينهم، والتصحيح من م.
[8240]:ليست في ظ: وفي الأصل: بينهم مكان: تليينهم والتصحيح من م.
[8241]:العبارة من هنا إلى "أو غير ذلك" ليست في ظ.
[8242]:في م وظ: و.
[8243]:في م وظ: فيها.
[8244]:من م وظ، وفي الأصل: مرادتها.
[8245]:في م: لهم.
[8246]:ليس في م.
[8247]:في م وظ: ليمكن.
[8248]:زيد من م وظ.
[8249]:من م وظ، وفي الأصل: لم يكن.
[8250]:العبارة من هنا إلى "عبر هنا بأشد" ليست في ظ.
[8251]:زيد في الأصل "أبي" ولم تكن الزيادة في م فحذفناها – راجع أنساب الأشراف.
[8252]:في م: الزبعري – راجع أنساب الأشراف 1 / 312.
[8253]:في م: الزبعري – راجع أنساب الأشراف 1 / 312.
[8254]:في م: فيكون.
[8255]:في الأصل: الابتدائية، والتصحيح من م وظ.
[8256]:في الأصل: الابتدائية والتصحيح من م وظ.
[8257]:في الأصل: المقاصد، وفي م: حال المخاصصة، وفي ظ: حال القاصصة.
[8258]:في الأصل: فما منعوكم، والتصحيح من م وظ.
[8259]:في الأصل: فما منعوكم، والتصحيح من م وظ.
[8260]:في ظ: موضوع.
[8261]:من م وظ، وفي الأصل: الصلاة.
[8262]:من ظ، وفي الأصل: لا تقتضوا وفي م: لا تقتصروا وفي البحر المحيط 2 / 67 هذا: تصريح بمفهوم الغاية وفيه محذوف أي فإن قاتلوكم فيه فاقتلوهم فيه، ودل على إرادته سياق الكلام ولم يختلف في قوله "فاقتلوهم" أنه أمر بقتلهم على ذلك التقدير وفيه بشارة عظيمة بالغلبة عليهم أي هم من الخذلان وعدم النصرة بحيث أمرتم بقتلهم لا بقتالهم فأنتم متمكنون منهم بحيث لا يحتاجون إلا إلى إيقاع القتل بهم إذا ناشبوكم القتال لا إلى قتالهم.
[8263]:من م وظ، وفي الأصل: تارة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (191)

قوله : ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) يوجب الله قتل المشركين المقاتلين في الحرب حيث ثقفوهم . أي حيث ظفروا بهم وأخذوهم . نقول : ثقفت الشيء ثقفا بمعنى أخذته . وثقفت الرجل في الحرب أي أدركته وظفرت به . وثقفت الحديث أي فهمته بسرعة{[254]} .

ويوجب الله كذلك إخراج المشركين من البلاد التي أخرجوا منها المسلمين . والظاهر أن خصوص السبب المقصود في هذه الآية هم كفار مكة ، إذ أخرجوا المسلمين من بلادهم ( مكة ) فباتوا من بعد طلك مهاجرين ، لكن العبرة بعموم اللفظ كما هو معلوم في الأصول . فإن الحكم بوجوب إخراج المشركين المعتدين ينسحب على كل الأحوال المشابهة التي يعتدي فيها الظالمون على المسلمين فيخرجونهم من ديارهم بغير حق .

وقوله : ( والفتنة أشد من القتلى ) تأتي الفتنة بمعنى الاستمالة . نقول فتن المال الناس أي استمالهم . وفتن فلان في دينه أو أفتن بمعنى أنه مال عنه . والفتنة بمعنى الشرك والمحنة والابتلاء{[255]} .

وجاء في المقصود من هذه الآية عدة أقوال نقتضب منها اثنين :

أولهما : أن فتنة المسلم بحمله على الكفر والبعد عن دين الإسلام وذلك بمختلف الوسائل والأسباب منها التعذيب والتخويف والتهديد ومنها الإغراء والإغواء بالمال وغيره ، فإن ذلك لهو أشد من القتل . أو أن قتل المؤمن أهون عليه من فتنته عن دينه إلى الشرك .

ثانيهما : أن فتنته عن دينه أشد نكرا من قتله للمشركين في الأشهر الحرم وقد غيَّر المشركون المسلمين بذلك ، وراحوا يصرخون بأن أصحاب محمد يقتلون الناس في الأشهر الحرم ، وبذلك يريد الله أني علم هؤلاء الضالون والظالمون أن فتنتهم للمؤمنين وصدهم عن سبيل الله وعن دينه أعظم جرما من القتل في الشهر الحرام .

قوله : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) ينهى الله عن مقاتلة المشركين عند المسجد الحرام . أي ليس لهم أن يبدأوهم بالقتال في الحرم إلا إذا اعتدى عليهم المشركون وبدأوهم بالقتال . وفي مثل هذه الحال وجب على المسلمين أن يصدوهم ويقتلوهم جزاء عدوانهم ومبادأتهم بالقتال .

وبذلك فإن الحكم الثابت المستفاد من هذه الآية هو تحريم القتال عند المسجد الحرام باستثناء ما بينا من عدوان الكافرين ومبادأتهم . ولا ينبغي الاحتجاج في هذا الصدد بمقاتلة النبي لمشركي مكة يوم الفتح ؛ وذلك لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ( ص ) قال يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يُعضد شجره ولا يختلى خلاه فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ( ص ) فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم " .

وقيل إن الآية منسوخة بقوله تعالى : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) والراجح أنها محكمة وليست منسوخة ، يعزز ذلك ما بيناه من دليل وهو الحديث السابق .


[254]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 125 والمصباح المنير جـ 1 ص 91.
[255]:- المصباح المنير جـ 2 ص 115 والقاموس المحيط جـ 4 ص 256.