في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّـٰكِعِينَ} (43)

40

ثم يدعوهم إلى الاندماج في موكب الإيمان ، والدخول في الصف ، وأداء عباداته المفروضة ، وترك هذه العزلة والتعصب الذميم ، وهو ما عرفت به يهود من قديم :

( وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، واركعوا مع الراكعين ) . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّـٰكِعِينَ} (43)

ولما فرغ سبحانه من أمر أهل الكتاب بالإيمان بالله والنبي والكتاب الذي هو من الهدى الآتي إليهم المشار إلى ذلك كله بالإيفاء بالعهد عطف بقوله{[2174]} : { وأقيموا الصلاة } أي{[2175]} حافظوا على العبادة{[2176]} المعهود بها في كل يوم {[2177]}بجميع شرائطها وأركانها{[2178]} { وآتوا الزكاة } أي{[2179]} المفروضة في كل حول لتجمعوا أوصاف المتقين المهديين{[2180]} بهذا الكتاب

{ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم{[2181]} ينفقون }[ البقرة : 3 ] المحسنين بذلك فيما بينهم وبين الحق وفيما بينهم وبين الخلق ، {[2182]}وهاتان العبادتان إما العبادات البدنية والمالية فخصا بالذكر ، لأن من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها ، والزكاة قال الحرالي{[2183]} نماء في ظاهر حس وفي باطن ذات نفس ، { واركعوا } من الركوع وهو توسط بين قيام وسجود يقع في ظاهر من القامة وفي حال من القلب ، تخص به الأمة المتوسطة الجامعة للطرفين { مع } معناه الصحبة من الأعلى بالحياطة{[2184]} ، ومن الأدنى{[2185]} بحسن التبع ، ومن المماثل بحسن النصفة - انتهى . وقوله : الراكعين * {[2186]}مع مصحوبه{[2187]} تأكيد لأمر الصلاة وأمر بالكون في هذا الدين مع الذين اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، فإن صلاة اليهود لا ركوع فيها ، كما سيأتي بيانه في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى .

وقال الحرالي : والمتسق بذلك أي بما مضى خطاب إفهام يفهمه{[2188]} عطف{[2189]} إقامة الصلاة التي هي تلو الإيمان ، فكأن خطاب الإفهام : فارجعوا واستدركوا وأعلنوا بما كتمتم وبينوا ما لبستم وانصحوا من استنصحكم وأقيموا وجهتكم لله{[2190]} بالصلاة وتعطفوا على الأتباع بعد تعليمهم بالزكاة وكملوا صلاتكم بما به كمال الصلاة من الركوع العدل في الفعل بين حال قيام الصلاة و{[2191]}سجودها المظهر آية عظمة الله مع الراكعين الذين هم العرب الذين وضعت أول صلاتهم على كمال - انتهى . {[2192]}ويجوز أن يكون المراد بالركوع الصلاة ، عبر عنها به لما ذكر من خصوص هذه الأمة{[2193]} به ، فكأنه قيل : وصلّوا مع المصلّين جماعة ، لمزيد التوصية بالجماعة .


[2174]:قال علي المهائمي: "و" لا يكفيكم العمل بالمنسوخ من التوراة وإن لم تغيروا ولم تلبسوا فيه ولم تكتموه بل "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" بمقتضى هذا الكتاب "و" اعلموا بفضائله وإن لم تكن ناسخة لما في كتابكم لذلك "اركعوا مع الراكعين" أي صلوا بالجماعة إذ فضلت على صلاة الفذ في هذه الملة بسبع وعشرين درجة فأتوا بفضائل هذا الكتاب سيما التي بها تظاهر النفوس على الخيرات. وقال البيضاوي: يعني صلاة المسلمين وزكاتهم فإن غيرهما كلا صلاة ولا زكاة، أمرهم بفروع الإسلام بعد ما أمرهم بأصوله، والزكاة من زكا الزرع إذا نما فإن إخراجها يستجلب بركة من المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم، أو من الزكاء بمعنى الطهارة فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل.
[2175]:ليست في ظ.
[2176]:ليست في ظ.
[2177]:ليست في ظ.
[2178]:ليست في ظ.
[2179]:ليس في م.
[2180]:في م: المهذبين.
[2181]:في ظ وم ومد: رزقوا.
[2182]:العبارة من هنا إلى "استتباعها" ليست في ظ.
[2183]:ليس في ظ.
[2184]:في م: للحياطة.
[2185]:من م وظ، ولا يتضح في مد، وفي الأصل: الأعلى – كذا.
[2186]:في م: مع مصحوبة وفي ظ: بجملته – كذا.
[2187]:في م : مع مصحوبة، وفي ظ: بجملته – كذا.
[2188]:في م ومد : تفهمه.
[2189]:وقال أبو حيان الأندلسي: وفي هذه الجمل وإن كانت معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيبا ترتيب عجيب من حيث الفصاحة وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم إذ ما في ذلك يدعو إلى محبة المنعم ووجوب إطاعته، ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم، ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم في الإيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من نقماته إن لم يوفوا،فاكتشف الأمر بالإيفاء أمر بذكر النعمة والإحسان وأمر بالخوف من العصيان، ثم أعقب ذلك بالأمر بإيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم فليس أمرا مخالفالما في أيديهم لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف، ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم تعالى باتقائه، ثم أعقب ذلك بالنهي عن لبس الحق بالباطل وكتمان الحق تركا للاضلال، ولما كان الضلال ناشئا عن أمرين: إما تمويه الباطل حقا إن كانت الدلائل قد بلغت المستتبع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا و تكتموا. ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصيل الإيمان وإظهار الحق بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة – من شاء الاطلاع على ما بعدها فلينظر في البحر المحيط 1/180.
[2190]:ليس في ظ.
[2191]:في م: أو.
[2192]:العبارة من هنا إلى "بالجماعة" ليست في ظ
[2193]:من م ومد، وفي الأصل: الآية.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّـٰكِعِينَ} (43)

وقوله : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ( إقامة الصلاة بمعنى المداومة والثبات عليها وتأديتها على وجهها الصحيح ، وذلك من حيث أركانها وهيئتها وسننها ، وآتوا الزكاة من الإيتاء وهو الإعطاء ، وكل من الصلاة والزكاة قد ورد مجملا ليؤخذ التفصيل لكليهما من السنة المطهرة ، فإنها المخلوة ببيان ما أجمله القرآن كالصلاة والزكاة وغيرها .

وفي هذه الآية يأمر الله بني إسرائيل أن يلتزموا بعبارة الصلاة والزكاة ، ثم ليركعوا مع الراكعين من المسلمين .

وقد يتبادر للذهن تساؤل عن مخاطبة أهل الكتاب وتكليفهم بأجزاء الدين وفروعه مع أنهم كافرون وعلى ملة الشرك وفي تقديرنا أن الإجابة عن هذا التساؤل تحتمل الوجهين التاليين :

الأول : أن ذلك من باب المطالبة بالفرع ليكون التذكير بالأهم هو الأصل أي العقيدة وهي الأساس في هذا الدين كله .

الثاني : وهو التذكير بأهمية وخطورة مثل هذه الشعائر من حيث تأثيرها على النفس البشرية إذ تهذبها تهذيبا ، ذلك الذي يمكن تصوره ليون إجابة عن التساؤل والله سبحانه وتعالى أعلم .

وقوله : ( واركعوا مع الراكعين ( الركوع في اللغة الانحناء ، وهو في الصلاة مقترن بالخشوع والتذلل لله ، وقد ذكر الركوع لأهميته فهو أحد أركان الصلاة التي لا تنعقد إلا به ، وهو تعبير متذلل ينطق به الحس وتؤديه جوارح البدن ، في أوفى صور الخشوع والرهبة خلال حركة هادئة واعية ، تتلاقى فيها أعضاء البدن الممثل المنحني والشعور الخاشع المستفيض الموصول بالمثل الأعلى .

ونعرض هنا مسألة وهي صلاة الجماعة وذلك لإيجابه أداء الركوع مع جماعة الراكعين ، وقد جاء في حكم صلاة الجماعة جملة أقوال يمكن أن تقتضب منها الخلاصة التالية في أقوال ثلاثة :

الأول : أنها سنة مؤكدة فهي بذلك دون الفريضة فلمن أداها أجر كبير ، ومن لم يؤدها كان محروما من جزيل الثواب إلى أعده الله للمصلين في جماعة غير منفردين ، يضاف الى ذلك أن الحرمان من ثواب الجماعة لا ينقضي عقابا ، لأن العقاب يوجبه ترك الفريضة أو انتهاك الحرمان وهو قول الجمهور .

الثاني : أنها واجبة وأن تاركها آثم يستحق العقاب ، وذلك استنادا لبعض الأئمة في السنة يقضي ظاهرها بوجوب الجماعة ، وكذلك هذه الآية التي تنحن بصددها ( واركعوا مع الراكعين ( .

وقد ذهب الى وجوبها أحمد بن حنبل وأهل الظاهر وآخرون .

الثالث : أنها فرض كفاية بحيث يسقط الوجوب إذا ما أقيمت وأداها فريق من المسلمين وذلك الذي ذهب إليه بعض أهل العلم .

هذه خلاصة الأقوال الثلاثة الواردة في حكم الجماعة ، وإني وإن كنت أتصور أهمية هذه الأقوال جميعا ، نظرا لاستنادها الى الأدلة الصحيحة ، لكنني أطمئن للقول الأول وهو أن الجماعة من حيث الحكم تأتي على السنة المؤكدة وذلك بالنظر الى إمكانية التأويل لأدلة القولين الآخرين ، وهو تأويل يورد الاحتمال الذي ينخرم معه الاستدلال ، ويعزز القول بالسنية المؤكدة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن عمر ، وفيه بيان بالأفضل والمفضول وأن المفضول لا يكون إلا صحيحا مشروعا وهو لا يوجب عقابا والله سبحانه أعلم . {[54]}


[54]:تفسير ابن كثير جـ 1 ص 78-85 وتفسير القرطبي جـ 1 ص 330-350 والكشاف جـ 1 ص 274-277 وبداية المجتهد جـ 1 ص 121.