ثم ينكر عليهم - وبخاصة أحبارهم - أن يكونوا من الدعاة إلى الإيمان بحكم أنهم أهل كتاب بين مشركين ، وهم في الوقت ذاته يصدون قومهم عن الإيمان بدين الله ، المصدق لدينهم القديم :
( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ؟ أفلا تعقلون ؟ ) . .
ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل ، فإنه في إيحائه للنفس البشرية ، ولرجال الدين بصفة خاصة ، دائم لا يخص قوما دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل .
إن آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه ؛ ويدعون إلى البر ويهملونه ؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه ؛ ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى ، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص ، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين ، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان ! كما كان يفعل أحبار يهود !
والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه ، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها . وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم ، لأنهم يسمعون قولا جميلا ، ويشهدون فعلا قبيحا ؛ فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل ؛ وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة ؛ وينطفىء في قلوبهم النور الذي يشع الإيمان ؛ ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا ثقتهم برجال الدين .
إن الكلمة لتنبعث ميتة ، وتصل هامدة ، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة ، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها . ولن يؤمن إنسان بما يقول حقا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول ، وتجسيما واقعيا لما ينطق . . عندئذ يؤمن الناس ، ويثق الناس ، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق . . إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها ؛ وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها . . إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة ، لأنها منبثقة من حياة .
والمطابقة بين القول والفعل ، وبين العقيدة والسلوك ، ليست مع هذا أمرا هينا ، ولا طريقا معبدا . إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة . وإلى صلة بالله ، واستمداد منه ، واستعانة بهديه ؛ فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيرا ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره ، أو عما يدعو إليه غيره . والفرد الفاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته ، لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه ؛ وقد يغالبها مرة ومرة ومرة ؛ ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى ، ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله ؛ فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي ، أقوى من كل قوي . قوي على شهوته وضعفه . قوي على ضروراته واضطراراته . قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه .
ولما أمر علماءهم بما تركوا من معالي الأخلاق{[2194]} من الإيمان والشرائع بعد أمرهم بذكر ما خصهم به من النعم ، ونهاهم عما ارتكبوا من سفسافها{[2195]} من كفر النعم{[2196]} ونقض العهود وما تبع ذلك{[2197]} وكانوا يأمرون غيرهم بما يزعمون أنه تزكية وينهونه{[2198]} عما يدعون{[2199]} أنه تردية ، أنكر عليهم{[2200]} ترغيباً فيما ندبهم إليه وحثهم عليه وتوبيخاً على تركه بقوله : { أتأمرون } من الأمر وهو الإلزام بالحكم{[2201]} - قاله الحرالي { الناس بالبر } وهو التوسع في أفعال الخير { وتنسون } {[2202]}والنسيان السهو الحادث بعد حصول العلم ، { أنفسكم } أي تتركون حملها على ذلك {[2203]}ترك الناسي ، ولعله عبر به زيادة في التنفير عن هذا الأمر الفظيع الذي دلّ العقل دلالة بينة على فحشه ، لأن المقصود من أمر الغير بالبر النصيحة أو الشفقة ، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو ينصح غيره وينسى نفسه ، والظاهر أن المراد{[2204]} به حكم التوراة ، كانوا يحملون عوامهم عليه وهم يعلمون دون العوام أن من حكم التوراة{[2205]} اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد نسوا أنفسهم من الأمر بأساس البر الذي لا يصح{[2206]} منه شيء إلاّ به .
وقال الحرالي : ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية لاتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم أعلن تعالى عليهم بذلك{[2207]} نظماً لما{[2208]} تقدم من{[2209]} نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم بما {[2210]}ظهر من{[2211]} نقص عقولهم في أن يظهر طريق الهدى لغيره ولا يتبعه فأخرجهم بذلك عن حد العقل الذي هو أدنى أحوال المخاطبين ، و{[2212]}زاد في تبكيتهم بجملة حالية حاكية{[2213]} تلبسهم بالعلم والحكمة الناهية عما هم عليه فقال : { وأنتم تتلون الكتاب }{[2214]} من التلاوة ، وهو تتبع قول قائل أول من جهة أوليته - قاله الحرالي . وهذه الجملة الحالية أعظم منبّه على أن من حكم التوراة اتباعه صلى الله عليه وسلم ، ومشير إلى أن المعصية من العالم أقبح . قال {[2215]}الحرالي : فيه إشعار بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في منطوق تلاوته ليس في خفي إفهامه ، فكان في ذلك خروج عن حكم نور العقل - انتهى .
ولما كان هذا{[2216]} في كتابهم وهم به يأمرون وعنه معرضون سبب سبحانه عنه الإنكار في قوله : { أفلا } {[2217]}أي أتتلونه فلا{[2218]} { تعقلون } إشارة إلى أن ما هم عليه من هذا لا يفعله ذو {[2219]}مسكة ، والعقل إدراك حقائق ما نال الحس ظاهره - قاله الحرالي . {[2220]}سمي عقلاً لأنه يعقل عن التورّط في الهلكة .
قوله تعالى : ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه يرجعون ( الهمزة في قوله : ( أتأمرون ( للإنكار والتوبيخ ، أو للتعجب من حالهم . {[55]}
البر معناه الطاعة وهو يتضمن كل وجوه الخير والفضل فيما يكون طريقا الى مرضاة الله سبحانه ، والنسيان الوارد في الايسة معناه الترك وليس ما يكون ضد الذكر والمقصود بالكتاب التوراة والإنجيل لما فيهما من خير ونور وذلك من قبل أن يصيبهما التزييف والتحريف .
والآية تتضمن توبيخا وتقريعا يلتذع بهما أهل الكتاب ، لأنهم يدعون الى الخير ويأمرون بالطاعات لكنهم يمتنعون من فعل شيء من ذلك ، فهم بذلك يأمرون بالفضائل ويتركون أنفسهم من الائتمار أو هم يخالفون عما أمروا به الى عكس ذلك من وجوه الحرام .
قوله : ( وأنتم تتلون الكتاب لأفلا تعقلون ( الواو تفيد الحال ، والجملة الاسمية بعدها في محل نصب حال ، أي كيف يليق بكم أن تكونوا دعاة خير وبر أو أن تأمروا الناس بالطاعة والمعروف وأنتم تخالفون عن ذلك كله وتأتون خلاف ذلك الحرام والمنكر مع أنكم تقرأون ما في كتابكم المنزل عليكم من السماء والذي يأمر بالمعروف أولا ، وينهي عن عدم الائتمار بالمعروف ثانيا ، إذ لا يجوز لأحد بحال أن يأمر بخليقة حسنة ثم يأتي خلافها .
قوله تعالى : ( أفلا تعقلون ( أليست لكم عقول واعية متدبرة تكشف لكم عن وخامة هذا الخلق الفاسد المشين ؟ ألستم تفهمون ؟ فإن ذلكم من خلق الذين لا يعون ولا يدركون ، هكذا يشدد الله في التقريع المرير على أولئك الذين يدعون الى الخير ويأتون غيره أو ينهون عن الحرام والباطل وهم شالعون في ما نهوا عنه . وذلك خزي وعار تتلطخ بهما أخلاق الذين لا يستحيون من الله والذين يسعون في الأرض فاسدين مذبذبين حيث لا تتوافق أقوالهم وأفعالهم سواء في الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر .
ومن أشد ما جاء في الكر من حيث الإغلاط على هذا الصنف الكاذب الخسيس مخن النار قوله سبحانه : ( يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ( .
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك " مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقارض من نار ، قلت من هؤلاء يا جبريل ، قال : هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم . {[56]}
وأخرج أحمد كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم " يجاء بالرجل يوم القيامة ، فيلقى في النار ، فتتدلق به أقتابه ، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه ، فيطيف به أهل النار فيقولون : يا فلان ما أصابك ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " . {[57]}
وعنه صلى الله عليه وسلم : " إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء وبذلك فإن كلمات الله تندد أشد تنديد بالذين يقولون ما لا يفعلون ، أو الذين يخالفون عما يأمرون به غيرهم ، أو الذين لا يأتمرون بما يدعون الناس إليه أو يحذرونهم منه ، وذلك خلق الفاسدين الجبناء من الناس الذين يقفون في خط النفاق ليكونوا في الأذلين مع الأشرار والتعساء والمعذبين يوم يقوم الناس لرب العالمين .
وتنديد القرآن بهذا الصنف الخسيس من البشر يظل قائما لا يبرح الأرض لأن الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه ، وينهون عن المنكر ويأتونه كثيرون ، وهم لا يخلوا منهم مجتمع من المجتمعات ، على أن هذا الخلق الذميم كان مركوزا على نحو واضح مستبين في بني إسرائيل ، وذلك مما يمكن الوقوف عليه من خلال الكلمات الربانية في القرآن الحكيم ، والتي تكشف عن إغراق أولئك الناس في الخسة والنفاق وهم يقولون ما لا يفعلون .