فلننظر الآن في قصة آدم - كما جاءت هنا - في ضوء هذه الإيضاحات . .
إن السياق - فيما سبق - يستعرض موكب الحياة ، بل موكب الوجود كله . ثم يتحدث عن الأرض - في معرض آلاء الله على الناس - فيقرر أن الله خلق كل ما فيها لهم . . فهنا في هذا الجو تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض ، ومنحه مقاليدها ، على عهد من الله وشرط ، وإعطائه المعرفة التي يعالج بها هذه الخلافة . كما أنها تمهد للحديث عن استخلاف بني إسرائيل في الأرض بعهد من الله ؛ ثم عزلهم عن هذه الخلافة وتسليم مقاليدها للأمة المسلمة الوافية بعهد الله [ كما سيجيء ] فتتسق القصة مع الجو الذي تساق فيه كل الاتساق .
فلنعش لحظات مع قصة البشرية الأولى وما وراءها من إيحاءات أصيلة :
ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - في ساحة الملأ الأعلى ؛ وها نحن أولاء نسمع ونرى قصة البشرية الأولى :
( وإذ قال ربك للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ) . .
وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود ، زمام هذه الأرض ، وتطلق فيها يده ، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين ، والتحليل والتركيب ، والتحوير والتبديل ؛ وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات ، وكنوز وخامات ، وتسخير هذا كله - بإذن الله - في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه .
وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة ، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات ، وكنوز وخامات ؛ ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية
وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض - وتحكم الكون كله - والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته ، كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس وتلك ؛ وكي لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة !
وإذن فهي منزلة عظيمة ، منزلة هذا الإنسان ، في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة . وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم .
هذا كله بعض إيحاء التعبير العلوي الجليل : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) . . حين نتملاه اليوم بالحس اليقظ والبصيرة المفتوحة ، ورؤية ما تم في الأرض على يد هذا الكائن المستخلف في هذا الملك العريض !
( قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ ) . .
ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال ، أو من تجارب سابقة في الأرض ، أو من إلهام البصيرة ، ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق ، أو من مقتضيات حياته على الأرض ؛ وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض ، وأنه سيسفك الدماء . . ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق ، وإلا السلام الشامل - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له ، هو وحده الغاية المطلقة للوجود ، وهو وحده العلة الأولى للخلق . . وهو متحقق بوجودهم هم ، يسبحون بحمد الله ويقدسون له ، ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته !
لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا ، في بناء هذه الأرض وعمارتها ، وفي تنمية الحياة وتنويعها ، وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها وتعديلها ، على يد خليفة الله في أرضه . هذا الذي قد يفسد أحيانا ، وقد يسفك الدماء أحيانا ، ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل . خير النمو الدائم ، والرقي الدائم . خير الحركة الهادمة البانية . خير المحاولة التي لا تكف ، والتطلع الذي لا يقف ، والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير .
عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء ، والخبير بمصائر الأمور :
ولما ذكر الحياة والموت المشاهدين تنبيهاً على القدرة على ما اتبعهما{[1508]} به من البعث ثم دل على ذلك أيضاً بخلق هذا الكون كله على هذا النظام البديع وختم ذلك بصفة العلم ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشري المودع من صفة العلم ما ظهر به فضله بقوله تعالى عطفاً على قوله : { اعبدوا ربكم } وبياناً لقوله :
{ رب العالمين }[ الفاتحة : 2 ] إذ من البدءة تعلم{[1509]} العودة لمن تدبر ، أو يكن عطفاً على ما تقديره : اذكر هذا لهم ، وذلك أنه سبحانه لما خاطبهم بهذا الاستفهام الذي من معانيه الإنكار ذاكراً الاسم الأعظم الذي هو أعلى الأسماء وأبطنها غيباً والضمير الذي " هو " أبطن منه ، وأتبعه بعض ما هم له منكرون أو به جاهلون ، وأشار بقوله : " لكم " مثبتة في ما هو ظاهر عندهم ومحذوفة مما{[1510]} هو خفي عنهم ، كما نبه عليه في الاحتباك إلى أنه لم يخلق{[1511]} هذا النوع البشري للفناء بل للبقاء بما أبان عن أنه إنما خلق جميع ما في هذه الأكوان لأجلهم ، فالبعض رزق لهم والبعض أسباب له ، والبعض أسجدهم لأبيهم وهم في صلبه ووكلهم{[1512]} بهم في حفظ أعمالهم وقسم أرزاقهم ونفخ أرواحهم وغير ذلك من تربيتهم وإصلاحهم ؛ لم يكونوا أهلاً لفهم هذا الخطاب حق فهمه تلقياً{[1513]} عن الله لعلوه سبحانه وعلو هذا الخطاب بالأسماء الباطنة{[1514]} وما نظم بها من المعاني اللائقة بها علواً وغيباً فأعلم سبحانه{[1515]} بعطف " إذ " {[1516]} على غير ظاهر أنه معطوف على نحو : اذكر لهم{[1517]} أيها الرسول هذا ، لأنه لا يفهمه حق فهمه عنا سواك ، وهم إلى الفهم عنك أقرب " وإذ " أي واذكر ما اتفق إذ{[1518]} ، وحذف هذا المعطوف عليه لاحتمال المأمور بذكره الإنكار{[1519]} والسياق لإيراد الرفق والبشارة على لسانه صلى الله عليه وسلم استعطافاً لهم إليه وتحبيباً فيه وفي حذفه أيضاً والدلالة عليها بالعاطف حث على تدبر ما قبله تنبيهاً على جلالة مقداره ودقة أسراره ، ولما علمت الإشارة لكن لأهل البصارة أتبعها قصة آدم عليه السلام دليلاً ظاهراً ومثالاً بيناً لخلاصة ما أريد بهذه الجمل{[1520]} مما{[1521]} نبه عليه بالعاطف من أن النوع الآدمي هو المقصود بالذات من هذا الوجود ، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يترك بعد موته من غير إحياء يرد به إلى دار لا يكون في شيء من أمورها من أحد نوع من الخلل وتكون الحكمة فيها ظاهرة جداً {[1522]}لا خفاء بها{[1523]} أصلاً .
فيظهر الحمد أتم ظهور ؛ ولذلك ذكر تفضيل{[1524]} آدم عليه السلام بالعلم ، ثم بإسجاد الملائكة له ، ثم بإسكانه الجنة ، ثم بتلقي أسباب التوبة عند صدور الهفوة ؛ وقد روى البيهقي في أواخر الدلائل{[1525]} والحارث بن أبي أسامة والحاكم في المستدرك عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : " إن أكرم خليقة{[1526]} الله{[1527]} على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ، قلت : رحمك الله ! فأين الملائكة ؟ فنظر إليّ وضحك فقال : يا ابن أخي ! وهل تدري ما الملائكة ؟ إنما الملائكة خلق كخلق الأرض وخلق السماء وخلق السحاب وخلق الجبال وخلق الرياح وسائر الخلائق التي لا تعصي الله{[1528]} شيئاً ، وإن أكرم الخلائق على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم " وقال البيهقي : إنه ليس بموقوف{[1529]} بل حكمه{[1530]} الرفع . وقال الحرالي : لما جعل الله تعالى نور العقل هادياً لآيات ما ظهر في الكون وكان من{[1531]} الخلق مهتد به ومعرض عنه بعث الله النبيين مبشرين لمن اهتدى بنور العقل بمقتضى الآيات المحسوسة وتلك هي الحنيفية والملة الإبراهيمية ، ومنذرين لمن أعرض عن ذلك وشغلته شهوات دنياه ، فترتب لذلك خطاب الكتاب بين ما يخاطب به الأعلين المهتدين وبين ما يخاطب به الأدنين المعرضين ، وكذلك{[1532]} تفاوت الخطاب بين ما يخاطب به الأئمة{[1533]} المهتدين والمؤتّمون بهم ، فكان أعلى الخطاب ما يقبل على إمام الأئمة وسيد السادات وأحظى خلق الله عند الله محمد صلى الله عليه وسلم . فكان أول الخطاب ب الم ذلك الكتاب إقبالاً عليه وإيتاء له من الذكر الأول كما قال عليه السلام : " أوتيت البقرة وآل عمران من الذكر الأول " وهو أول مكتوب حين كان الله ولا شيء معه ، وكتب في الذكر الأول{[1534]} كل شيء ، فخاطبه الله عز وجل بما في الذكر الأول وأنزله قرآناً ليكون آخر{[1535]} المنزل الخاتم{[1536]} هو أول{[1537]} الذكر السابق ليكون{[1538]} الآخر الأول في كتابه كما هو في ذاته ، فمن حيث كان الخطاب الأول من أعلى خطاب الله لمحمد صلى الله عليه وسلم انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات الدعوة تنبيهاً لمن أعرض عن الاستضاءة بنور العقل لما بين الطرفين من تناسب التقابل ؛ ثم عاد وجه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم بما هو إعلام بغائب الماضي عن كائن الوقت من أمر ابتداء مفاوضة الحق ملائكته في خلق آدم ليكون ذلك ترغيباً للمبشرين في علو الرتب إلى التكامل كما كانت آية{[1539]} الدعوة تنبيهاً للمعرضين ليعودوا إلى الإقبال ، وخصوص الإنزال إنما هو في الإنباء بغيب الكون من ملكوته وغائب أيام الله الماضية ومنتظر أيام الله الآتية ، فذلك الذي يخص المهتدين بنور العقل ليترقوا{[1540]} من حد الإيمان إلى رتبة اليقين ، وإنما يرد التنبيه والتنزيل بما في نور العقل هدايته من أجل المعرضين ؛ فكان ما شمله التنزيل بذلك أربعة أمور : أحدها التنبيه على الآيات بمقتضى أسماء الله من اسمه الملك إلى اسمه الرحمن الرحيم إلى اسمه رب العالمين إلى اسمه العظيم الذي هو الله ، والثاني التنبيه على غائب المنتظر الذي الخلق صائرون إليه ترغيباً وترهيباً ، والثالث الإعلام بماضي{[1541]} أمر الله جمعاً{[1542]} للهمم{[1543]} للجد والانكماش في عبادة الله ، والرابع التبصير ببواطن كائن الوقت الذي في ظاهره إعلامه ؛ فكان أول التنزيل في هذه السورة أمر أول يوم من ذكر الله وهو كتب مقتضى العلم والقدرة في قسمه تعالى عباده بين مؤمن وكافر ومنافق ، ثم أنزل الخطاب إلى آية الدعوة من وراء حجاب الستر بسابق التقدير فعم به الناس ونبههم على آيات ربوبيته وحياً أوحاه الله منه إليه ، ثم عطف على ذلك إعلاماً لابتداء المفاوضة في خلق آدم عطفاً على ذلك الذي يعطيه إفهام هذا الإفصاح ، فلذلك قال تعالى { وإذ } فإن الواو حرف يجمع{[1544]} ما بعده مع شيء قبله إفصاحاً في اللفظ أو إفهاماً في المعنى ، وإنما يقع ذلك لمن يعلو خطابه ولا يرتاب في إبلاغه .
وإذ اسم{[1545]} مبهم لما مضى من الأمر والوقت ، { قال }{[1546]} من القول وهو إبداء صور الكلم نظماً بمنزلة ائتلاف الصور المحسوسة جمعاً ، فالقول مشهود القلب{[1547]} بواسطة الأذن ، كما أن المحسوس مشهود القلب{[1548]} بواسطة العين وغيره .
ثم قال : لما أنبأ الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بما في الذكر من التقدير الذي هو خبء الشرعة ونظم به ما أنزل من دعوة الخلق إلى حكمه فانتظم ذلك رتبتي أمر نظم تعالى بذلك إنزال ذكر خلق معطوفاً على ذكر خلق أعلى رتبة منه ، نسبته منه كنسبة الدعوة من خبئها ، فذكر خلق آدم ظاهر خبء ما عطف عليه وهو والله أعلم ذكر خلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو خبء خلق آدم ، فكأنه تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بأمر خلقه له بدء وحي سر ثم أعلن بما عطف عليه من ذكر خلق آدم وحي علن ليكون أمر خلق محمد{[1549]} صلى الله عليه وسلم{[1550]} عند الخاصة فهماً كما كان أمر خلق آدم عند العامة إفصاحاً ؛ وكان المفهوم : اذكر يا محمد إذ كان في خلقك كذا وإذ قال : { ربك } أي المحسن إليك برحمة العباد بك الذي خبأك{[1551]} في إظهار خلق آدم { للملائكة } ما أنزل ، وتأويل الملائكة{[1552]} عند أهل العربية أنه جمع ملاك مقلوب من مألك من الألك وهي الرسالة ، فتكون الميم زائدة ويكون وزنه معافلة ، ويكون الملك من الملك وهو إحكام ما منه التصوير ، من ملكت العجين ، وجمعه أملاك ، تكون {[1553]}فيه الميم{[1554]} أصلية ، فليكن اسم ملائكة جامعاً للمعنيين منحوتاً من الأصلين ، فكثيراً ما يوجد ذلك في أسماء الذوات الجامعة كلفظ إنسان بما ظهر فيه من أنه من الأنس والنسيان معاً ، وهو وضع للكلم على مقصد أفصح وأعلى مما يخص به اللفظ معنى واحداً ، فللكلام رتبتان : رتبة عامة ورتبة خاصة أفصح وأعلى كَلِماً وكلاماً{[1555]} .
قال{[1556]} : وفيه أي هذا الخطاب مع ذلك استخلاص لبواطن أهل الفطانة من أن تعلق بواطنهم بأحد من دونه حين أبدى لهم انفراده بإظهارهم خلقاً دون ملائكته الأكرمين ، حتى لا تعلق قلوبهم بغيره من أهل{[1557]} الاصطفاء فكيف بمن يكون في محل البعد والإقصاء ! توطئة{[1558]} لقبيح{[1559]} ما يقع من بعضهم من اتباع خطوات الشيطان ؛ وذلك لأن في كل آية معنى تنتظم{[1560]} به بما قبلها ومعنى تتهيأ{[1561]} به للانتظام{[1562]} بما بعدها ؛ وبذلك كان{[1563]} انتظام الآي داخلاً في معنى الإعجاز الذي لا يأتي الخلق بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً .
{ إني } إن حرف يفهم توكيداً من ذات نفس المؤكد وعلمه . والياء اسم عليّ يخص المضيف إلى نفسه الذي يضيف الأشياء إليه ، { جاعل في الأرض }{[1564]} ولما كانت خلافة آدم عليه السلام كاملة في جميع الأرض بنفسه وبذريته وحّد لذلك مع أنه يصح أن يراد به الجنس فقال : { خليفة } الخليفة{[1565]} ذات قائم بما يقوم به المستخلف على حسب رتبة ذلك{[1566]} الخليفة منه ، فهو خليقة الله في كونه مُلكه وملكوته ، وهم أيضاً بعضهم خلفاء بعض ؛ فهو خليفة بالمعنيين - انتهى .
وجعل سبحانه هذا التذكير في سياق داع إلى عبادته وقائد إلى محبته حيث متّ إلى هذا النوع الآدمي بنعمه عليهم وإحسانه إليهم قبل إيجادهم{[1567]} ، فذكر لهم ما حاجّ به ملائكته عنهم ، وما شرف به أباهم آدم من العلم وأمر الملائكة المقربين بالسجود له ، ثم ما وقع لإبليس معه وهما عبدان من عبيده فتاب عليه ولم يتب على إبليس مع سبقه له بالعبادة بل أوجب طرده وأبّد بعده فقال تعالى حكاية عن الملائكة جواباً لسؤال من كأنه قال ما قالوا حين أخبرهم سبحانه بذلك : { قالوا }{[1568]} طالبين الإيقان على الحكمة في إيجاد من يقع منه شر{[1569]} { أتجعل فيها } أي في{[1570]} الأرض { من يفسد فيها } أي{[1571]} بأنواع المعاصي {[1572]}بالقوة الشهوانية{[1573]} ، { ويسفك } من السفك ، {[1574]}قال الحرالي : وهو {[1575]}سكب بسطوة { الدماء } أي بغير حقها{[1576]} بالقوة الغضبية{[1577]} ، لعدم عصمتهم ، وخلقهم جوفاً لا يتمالكون ، وأصحاب شهوات عليها يتهالكون ؛ وكأنهم لما رأوا صورة آدم تفرسوا فيها ذلك لو سألوا عن منافع أعضائه{[1578]} وما أودع فيها من القوى والمعاني{[1579]} أخبرهم تعالى بما تفرسوا منه ذلك والدم .
قال الحرالي : رزق البدن الأقرب إليه المحوط{[1580]} فيه { ونحن } أي والحال إنا نحن{[1581]} ، وهذا الضمير كما قال الحرالي : اسم القائل{[1582]} المستتبع لمن هو في طوع أمره لا يخالفه { نسبح } أي نوقع التسبيح أي التنزيه{[1583]} لك والإبعاد عما لا يليق بك ملتبسين في التسبيح { بحمدك } والحاصل إنا نبرئك عن صفات النقص حال إثباتنا لك صفات الكمال ، {[1584]}وحذف المفعول للتعميم{[1585]} ؛ وقال الحرالي : التسبيح تنزيه الحق تعالى عن{[1586]} بادية نقص في خلق أو رتبة ، وحمد الله استواء أمره علواً وسفلاً ومحو الذم عنه والنقص منه ، وذلك تسبيح أيضاً في علو أمر الله ، فما سبح بالحمد إلا أهل الحمد من آدم ومحمد صلى الله عليه وسلم ، فغاية المسبح الحمد ، والحمد تسبيح لمن غايته وراء ذلك الاستواء - انتهى .
{ ونقدس } أي نطهر{[1587]} كل شيء نقدر عليه من نفوسنا وغيرها ، { لك } أي لا لغيرك{[1588]} لعصمتنا بك ، أو المعنى نوقع التقديس أي التطهير لك بمعنى أنك في الغاية من الطهارة والعلو في{[1589]} كل صفة . قال الحرالي : القدس طهارة دائمة لا يلحقها نجس ظاهر ولا رجس باطن ، واللام تعلة للشيء لأجله كان ما أضيف به - انتهى .
ولما تضمن تفرسهم هذا نسبتهم أنفسهم إلى العلم المثمر للإحسان ، ونسبة{[1590]} الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة أعلمنا سبحانه لنشكره أنه حاجَّ ملائكته عنا ، فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا بقوله استئنافاً : { قال إني أعلم } أي من ذلك وغيره { ما لا تعلمون } . وقال الحرالي : وأعلم تعالى بما أجرى عليه خلقه من القضاء بما ظهر والحكم على الآتي بما مضى حيث أنبأ عن ملائكته بأنهم قضوا على الخليفة في الأرض بحال من تقدمهم في الأرض من الجبلة الأولين من الجن الذين أبقى منهم عزازيل وغيرهم ليتحقق أن أمر الله جديد وأنه{[1591]} كل يوم هو في شأن لا يقضي على آتي وقت بحكم ما فيه ولا بما مضى قبله - انتهى . والأظهر{[1592]} ما ذكرته أنهم إنما قالوا ذلك تفرساً بحكم ما ظهر لهم من صورته ونحو ذلك من إعلامهم بأنه يجمع فيه بين الشهوة والعقل ، ومن المعلوم أن الشهوة حاملة على الفساد ؛ وعلم سبحانه ما خفي عنه من أنه يوفق من أراد منهم للعمل بمقتضى العقل مع قيام منازع الشهوة والهوى ، فيأتي غاية الكمال التي هي{[1593]} فوق درجة العامل{[1594]} بمقتضى العقل من غير منازع له فيظهر تمام القدرة والله أعلم .
قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لم قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم ءادم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنت صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( إذ ظرف زمان يفيد الإخبار عن المستقبل ، وقال أكثر المغربين ، إنه مفعول به فهم يقدرون : اذكر وقت كذا . {[34]}
والملائكة مفردها ملك وهو مشتق من الألوك وقيل من المألك وهي تعني الرسالة ، وأصل ملك ملأك ثم نقلت حركة الهمزة إلى الام فسقطت ، وقيل في لفظ ملك أنه مشتق من الفعل أنك بمعنى أرسل ، وقيل غير ذلك وعلى العموم فإن الملائكة من حيث المفهوم اللغوي تعنى الرسل . {[35]}
وفي الآية إخبار من الله عن خطابه للملائكة بأنه خالق في الأرض ( خليفة ( جاء في معناها عدة أقوال منها أنه يخلق من كان قبله من الملائكة أو غير الملائكة .
وقيل : بل سمي خليفة لأن نسله وذريته يعقب بعضهم بعضا على هيئة أمم وأجيال ، وثمة قول ثالث جدير بالاهتمام وهو أن آدم خليفة الله في إمضاء أحكامه وتنفيذ أمره وشرعه ، فالله سبحانه هو الآمر الموجب ، وهو سبحانه شارع الدين لعباده بما في الدين من أصول وكليات وما يتفرع عن ذلك من فروع وتفصيلات ، وذلك كله بتقدير الله وأمره الذي ينبغي للناس أن يمتثلوه دون تقصير أو تخلف ، ومن بعد ذلك يأتي دور الإنسان وهو دور كبير حقا ، يتجسد في اضطلاع هذا الإنسان الخليفة بتطبيق شرع الله كاملا غير منقوص وباتخاذ كل ما يلزم من أسباب إجرائية أو وقائية أو غير ذلك من أسباب وذلك لإجراء شرع الله على العباد .
والإنسان " الخليفة " لهو كائن عظيم القدر في تصور الإسلام ، وهو كذلك بالغ الشأن وكبير الاعتبار في ميزان الله ، وهو لا يعدله في شأنه واعتباره أي كائن آخر إذا ما كان ( الإنسان ) على صراط الله ويمضي في الحياة على بصيرة من منهج الله الكبير ، أو كان من المؤمنين الأوفياء الذين صدقوا الله المقاصد والنوايا ، واستمسكوا بعقيدة الإسلام تعمر قلوبهم بالأمن والرضا ، ذلك هو الإنسان " الخليفة " الذي يمشي على الأرض ذاكرا لآلاء الله شاكرا لأنعمه ، لا يند عن صراطه وشرعه ولو احتمل معطاء وباعثا للخير له ولمن حوله من الناس حتى البهائم والأنعام ينظر إليها بعين الرعاية والحدب والرحمة .
ذلك هو الإنسان " الخليفة " الذي يحمل في الأرض أفدح أمانة قد عجزت دون حملها السماوات والأرض والجبال ، وتلك هي أمانة العقيدة التي يطويها القلب في شغافه وحناياه لينطلق في ضوئها عاملا كادحا باذلا لا يتوانى عن أداء الخير والفريضة والمعروف ، ولا يثني عن وجيبة التبليغ للناس في شجاعة وحماسة وإحساس بفريضة الجهاد يؤديها العبد المؤمن دون تهيب أو فرق ودون ضعف أو جل أو خجل .
والإنسان وهو على هذه الشاكلة من الإيمان والعمل ومن البذل والاستقامة والصبر ، لهو ذو شأن عظيم من حيث المنزلة ، وهو الكائن المكرم المفضل الذي يسمو على الكائنات جميعا والذي يرصد له الله من العناية والصيانة والتشريع ما يرقى به رقيا عظيما ، وليس لأحد بعد ذلك أن يعتدي على هذا الإنسان " الخليفة " كيفما كان الاعتداء ، فإنه لا يعتدي عليه إلا جانف هالك ، وأصدق ما يرد في هذا الصدد ، ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ( ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك : ( لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم ) {[36]} ويقول في حديث آخر يطير منه القلب هلعا رعبا : ( لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار ) {[37]} وفي الحديث القدسي : ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطيته ولئن استعاذ بي لأعذته ) .
وقوله : ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ( لا تتصور أن مثل هذا السؤال من الملائكة يرد على وجه الاعتراض أو الاستنكار وهم العباد الأبرار المقربون الذين ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( ولكنه يرد على سبيل التعرف والاستفهام ، على أن ظاهر الآية يدل على علم الملائكة بما ستؤول إليه حال البشر لدى وجودهم في هذه الدنيا ، فلسوف يكون ثمة إفساد وسفك للدماء وغير ذلك من وجوه المعاصي والمفاسد والآثام وما يتفرع عن ذلك من قضايا ومشكلات تجرجر المتاعب والشدائد ونسبب الهموم والبلايا .
أما سبب إدراك الملائكة لهذه الحقيقة من الإفساد وسفك الدماء : فلعل ذلك لعلم قد علموه من الله بوجه من الوجوه كالإلهام أو غيره ، فهم لا يعلمون الغيب ، لكنهم أعلموا أن بني آدم لو جاءوا الى هذه الأرض فسوف يكثر الفساد ، وتنتشر الآثام والمعاصي ، ويقع القتل والجور وسفك الدماء بغير حق ، وقد جاء في تعليل معرفة الملائكة كذلك أنهم قد أدركوا هذه الحقيقة من خلال اللفظة القرآنية التي واجههم بها الله وهي ( خليفة ( فعرفوا بما أوتوه من نباهة وعميق إدراك أن الخلافة مناط القضاء والفصل بين العباد ، وفي ذلك من المنازعات والخصومات ما يقود في الغالب إلى المحظورات والخطايا والمعاصي ، وقيل غير ذلك من تأويلات والله أعلم بالصواب .
ويستفاد من قوله تعالى : ( جاعل في الأرض خليفة ( وجوب نصب إمام أو خليفة للمسلمين يسمعون له ويطيعون ، لتجتمع به كلمتهم وينفذ فيهم أحكام الشريعة فيفصل بين الناس فيما يعرض لهم من خلافات ومنازعات فينتصر لمظلومهم من ظالمهم ، ويقيم فيهم حدود الله بما يزجرهم عن فعل الفواحش والمنكرات إلى غير ذلك مما لا يمكن إقامته أو تنفيذه إلا بالإمام المسلم العادل ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
أما طريقة اختيار الخليفة للمسلمين فأوسط ذلك وأعدله أن يجتمع أهل الحل والعقد – وهم فئة العلماء في المسلمين – فينظروا أكثر الناس صلاحا لحمل هذه الأمانة الكؤود ، لينصبوه إماما للمسلمين ، فإذا رضي من نصبوه لذلك بحمل أمانة الخلافة بايعه أهل الحل والعقد ، ثم بادره المسلمون جميعا بالبيعة بعد أن يعرض على مسامع الناس برامجه وخططه في سياسة البلاد ورعاية شؤون المسلمين .
أما الواجبات المنوطة بالإمام والتي يضطلع بمراعاتها وتنفيذها دون لين أو تردد فقد ذكرها الماوردي بما نوجزها هنا إيجازا وهي عشرة أشياء .
الأول : حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة .
الثاني : تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم .
الثالث : حماية البيضة{[38]} والذب عن الحريم{[39]} لينصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال .
الرابع : إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك ، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك .
الخامس : تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون منها محرما أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دما .
السادس : جهاد من عائد الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله في إظهاره على الدين كله .
السابع : جناية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ولا عسف .
الثامن : تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير .
التاسع : استكفاء الأمناء{[40]} وتقليد النصحاء{[41]} فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال .
العاشر : أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال ، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة ولا يعول على التفويض{[42]} تشاغلا بلذة أو عبادة ، فقد يخون الأمين وبغش الناصح{[43]} .
ويشترط في الإمام كيما تناط به وجيبة الإمامة جملة شروط هي :
أولا : الإسلام فلا يجوز بحال أن تناط إمامة المسلمين بغير مسلم ، وكيف يعقل أن يكون حاكم المسلمين على غير ملتهم ثم يسوسهم بشريعة الله التي يجحدها ويستدل على ذلك بقوله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( وهذا يدل بظاهره على أن الذي يلي أمور المسلمين هو أحدهم وعلى ملتهم .
ثانيا : الذكورة فإنه لا يكون حاكم المسلمين إلا واحدا من الرجال ، ولا يجوز أن تناط إمامة المسلمين أو ولايتهم بامرأة لقوله عليه الصلاة والسلام ، " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " . {[44]}
أما وجه ذلك من المعقول : فهو أن وجيبة الخلافة أو الولاية ثقيلة وصعبة وكؤود إنها وجيبة لا يقوى على احتمالها غير الصناديد النوادر من الرجال أولي العزم والحزم والبأس ، لا جرم أن الإمامة أو الولاية لا يطيقها الناس برمتهم أو جلتهم ، وذلك بالنظر لفداحة هذه المهمة الخطرة التي تضطرب لها عزائم الرجال وهممهم فهي لا يصلح لها من الناس إلا من كان لا يلين ولا يضطرب ولا يتعثر لدى مواجهة الملمات والنوائب ، وذلك – لعمر الحق- عمل فادح ومزلزل لا يطيقه إلا من أوتي حظا هائلا من قوة الإرادة والصبر ، وشدة العزيمة والبأس فضلا عن أوصاف أخريات في العلم والحلم والخلق ، لا جرم أن ذلك مما تنكص دون بلوغه النساء اللواتي جبلن على الرقة والعاطفة واللين تمشيا مع طبيعة الأنوثة التي لا تطيق مثل هذه الوجيبة الشاقة العسيرة ، أما توليها لوظيفة القضاء فلا يجوز كذلك ، وهو قول أكثر العلماء خلافا للحنفية إذ قالوا بجواز تقلدها القضاء ، فلها أن تقضي في عامة الأمور باستثناء الدماء والحدود .
ثالثا : العدالة وهي ضد الفسق ، ويراد بها الاعتدال في الأحوال الدينية ، وبيان ذلك اجتناب الكبائر والمحافظة على المروءة بترك الصغائر ، وأن يكون الإمام ظاهر الأمانة غير مغفل .
وقال ابن حزم في صفة الإمام : إن يكون مجتنبا للكبائر مستترا بالصغائر . {[45]}
رابعا : العلم الذي يكون بمقتضاه مجتهدا في مختلف النوازل والأحكام قال القرطبي في ذلك : أن يكون ( الإمام ) ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث .
خامسا : السلامة من العيوب وذلك كالعيوب البدنية ، كما لو كان فاقدا أرجليه أو إحداهما ، أوز كان فاقدا ليديه أو إحداهما أو كان ضريرا لا يبصر ، أو أصم لا يسمع ، أو كان أخرس لا ينطق ، فتلك عيوب لا يستطيع المرء معها من تولي أمر الناس ، فالذي تناط به وجيبة الإمامة ينبغي أن يكون على غاية من النشاط والحركة وتمام اليقظة والحذر وبالغ الاهتمام واليقظة والحرص ، وتمام القدرة على الإقناع وفض النزاعات والخصومات .
وكذلك العيوب العقلية ، كالجنون والعته والصرع وانفصام الشخصية ، واضطراب الأعصاب المستديم إلى غير ذلك من الأمراض المزمنة والخطيرة التي تحول بين المصاب بها وبين تولي أمور المسلمين . {[46]}
سادسا : أن يكون الإمام من قريش إلا أن يطرأ زمان فلا يكون في قريش إمام مناسب تتوفر فيه شروط الإمام العادل الصالح ، وحينئذ لا بأس في اختيار الإمام من غير قريش ، {[47]}
ما رواه الحاكم والبيهقي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " الأئمة من قريش " {[48]} وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته تعليلا لاشتراط الإمامة من قريش وذلك من وجهين :
الوجه الأول : مجرد التبرك من قريش لكونها موطن النبوة .
الوجه الثاني : الغلبة التي كانت لقريش ، وذلك لقوة سلطانهم ونفوذهم بما يحمل الناس على السمع والطاعة بعيدا عن الفتنة والاضطراب . {[49]}
سابعا : أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحروب وإعداد الجيوش والتخطيط لقتال العدو في حنكة وبراعة واقتدار .
تاسعا : أن يكون بالغا عاقلا ، وهو ما لا خلاف فيه . {[50]}
وإذا انبرم العقد للإمام فنصب خليفة للمسلمين ثم أصبح بعد ذلك فاسقا فسقا ظاهرا معلوما ، فإنه تتفسخ إمامته ويخلع بفسقه الظاهر المعلوم ، ووجه ذلك : أن للإمام إنما نصب للإمامة لتنفيذ شريعة الله بين العباد بإقامة الحدود واستيفاء الحقوق والنظر في شؤون المسلمين بما يصلح حالهم ، فإذا بات الإمام فاسقا كان ذلك مدعاة لإبطال ما أقيم لأجله ، والحيلولة دون قيامه بواجب الرعاية للمسلمين فوجب بذلك خلعه ، وهو قول الجمهور وقال آخرون : لا ينعزل بالفسق بل ينعزل بالكفر أو بترك شيء من الشريعة ، وذلك للخير : " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " .
وإذا انعقدت الإمامة لأحد المسلمين باتفاق أهل الحل والعقد وجب على الناس جميعا أن يبايعوه على السمع والطاعة وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أبى البيعة لعذر عذر ، أما من أبى لغير عذر كان ناكفا مريئا فيجبر على المبايعة كيلا تفترق كلمة المسلمين . {[51]}
قوله : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ( تسبيح الله هو تنزيهه عن النقائص والعيوب وذلك من السبح وهو لغة الذهاب ، أي أن المسبح ذاهب في عبادة الله وتقديسه وفي تنزيهه عما لا يليق بجلاله ، أما التقديس فهو التطهير ويؤخذ من ذلك المقدس والقدس أي الظاهر النقي ، ومنه بيت المقدس حيث يتطهر العبد فيه بالعبادة والصلاة والتحنث من الأخطاء والذنوب .
قوله : ( قال إني أعلم ما لا تعلمون ( الله جل وعلا يعلم ما لا تعلمه الملائكة ، إنه سبحانه عليم بما كان وما هو كائن أو سوف يكون وقد جاء في إعراب ( أعلم ( قولان : أحدهما أن ذلك فعل مضارع وهو في تقديرنا الراجح ، وعلى ذلك تكون ما اسم موصول في محل نصب مفعول به وقيل : اسم بمعنى عالم فيكون بذلك مضافا ، وما مضافا إليه والله سبحانه وتعالى عالم بما سيكون عليه هذا الإنسان الخليفة وبما سيؤول إليه من أحداث ومعطيات وما يتحقق على يديه من ظواهر غاية في الضخامة والعجب ، وغاية في الأهمية وبالغ التأثير بما ينطوي عليه ذلك كله من جليل القضايا في العقيدة والإيمان وما ينشأ عن ذلك من روائع ومثاليات تحار لها الملائكة وتعجب .
الله جل وعلا يعلم أن سيكون من نسل آدم الخليفة أنبياء ومرسلون ودعاة الى الله بإحسان ، وأن سيكون من ذريته أتقياء بررة ، ينشرون في الأرض منهج الخير والعدل ، ويرسون فيها أسباب الهداية والاستقامة ، وأن سيكون كذلك أجيال وأمم يؤمنون بالله ويدينون بدينه الذي يحوي كطل قواعد الحق والخير ، ويندد بكل بواعث الجريمة والشر .