في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (144)

121

ثم يمضي السياق في تقرير حقائق التصور الإسلامي الكبيرة ؛ وفي تربية الجماعة المسلمة بهذه الحقائق ؛ متخذا من أحداث المعركة محورا لتقرير تلك الحقائق ؛ ووسيلة لتربية الجماعة المسلمة بها على طريقة المنهج القرآني الفريد :

( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل . أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ؛ وسيجزي الله الشاكرين . وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ؛ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ؛ وسنجزي الشاكرين . وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا وما استكانوا ، والله يحب الصابرين . وما كان قولهم إلا أن قالوا : ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين . فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ، والله يحب المحسنين ) . .

إن الآية الأولى في هذه الفقرة تشير إلى واقعة معينة ، حدثت في غزوة أحد . ذلك حين انكشف ظهر المسلمين بعد أن ترك الرماة أماكنهم من الجبل ، فركبه المشركون ، وأوقعوا بالمسلمين ، وكسرت رباعية الرسول [ ص ] وشج وجهه ، ونزفت جراحه ؛ وحين اختلطت الأمور ، وتفرق المسلمون ، لا يدري أحدهم مكان الآخر . . حينئذ نادى مناد : إن محمدا قد قتل . . وكان لهذه الصيحة وقعها الشديد على المسلمين . فانقلب الكثيرون منهم عائدين إلى المدينة ، مصعدين في الجبل منهزمين ، تاركين المعركة يائسين . . لولا أن ثبت رسول الله [ ص ] في تلك القلة من الرجال ؛ وجعل ينادي المسلمين وهم منقلبون ، حتى فاءوا إليه ، وثبت الله قلوبهم ، وأنزل عليهم النعاس امنة منه وطمأنينة . . كما سيجيء . .

فهذه الحادثة التي أذهلتهم هذا الذهول ، يتخذها القرآن هنا مادة للتوجيه ، ومناسبة لتقرير حقائق التصور الإسلامي ؛ ويجعلها محورا لإشارات موحية في حقيقة الموت وحقيقة الحياة ، وفي تاريخ الإيمان ومواكب المؤمنين :

( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل . أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا . وسيجزي الله الشاكرين ) . .

إن محمدا ليس إلا رسولا . سبقته الرسل . وقد مات الرسل . ومحمد سيموت كما مات الرسل قبله . . هذه حقيقة أولية بسيطة . فما بالكم غفلتم عنها حينما واجهتكم في المعركة ؟

إن محمدا رسول من عند الله ، جاء ليبلغ كلمة الله . والله باق لا يموت ، وكلمته باقية لا تموت . . وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل . . وهذه كذلك حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول . وما ينبغي للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأولية البسيطة !

إن البشر إلى فناء ، والعقيدة إلى بقاء ، ومنهج الله للحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدونه إلى الناس ، من الرسل والدعاة على مدار التاريخ . . والمسلم الذي يحب رسول الله [ ص ] وقد كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في تاريخها كله نظيرا . الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة . وقد رأينا أبا دجانة يترس عليه بظهره والنبل يقع فيه ولا يتحرك ! ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه ويستشهدون واحدا إثر واحد . . وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان يحبونه ذلك الحب العجيب بكل كيانهم ، وبكل مشاعرهم ، حتى ليأخذهم الوجد من مجرد ذكره [ ص ] . . هذا المسلم الذي يحب محمدا ذلك الحب ، مطلوب منه أن يفرق بين شخص محمد [ ص ] والعقيدة التي أبلغها وتركها للناس من بعده ، باقية ممتدة موصولة بالله الذي لا يموت .

إن الدعوة أقدم من الداعية :

( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) . .

قد خلت من قبله الرسل يحملون هذه الدعوة الضاربة في جذور الزمن ، العميقة في منابت التاريخ ، المبتدئة مع البشرية ، تحدو لها بالهدى والسلام من مطالع الطريق .

وهي أكبر من الداعية ، وأبقى من الداعية . فدعاتها يجيئون ويذهبون ، وتبقى هي على الأجيال والقرون ، ويبقى اتباعها موصولين بمصدرها الأول ، الذي أرسل بها الرسل ، وهو باق - سبحانه - يتوجه إليه المؤمنون . . وما يجوز أن ينقلب أحد منهم على عقبيه ، ويرتد عن هدى الله . والله حي لا يموت :

ومن ثم هذا الاستنكار ، وهذا التهديد ، وهذا البيان المنير :

( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا . وسيجزي الله الشاكرين ) . .

وفي التعبير تصوير حي للارتداد : ( انقلبتم على أعقابكم ) . . ( ومن ينقلب على عقبيه ) . فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تجسم معنى الارتداد عن هذه العقيدة ، كأنه منظر مشهود . والمقصود أصلا ليس حركة الارتداد الحسية بالهزيمة في المعركة ، ولكن حركة الارتداد النفسية التي صاحبتها حينما هتف الهاتف : إن محمدا قد قتل ، فأحس بعض المسلمين أن لا جدوى إذن من قتال المشركين ، وبموت محمد انتهى أمر هذا الدين ، وانتهى أمر الجهاد للمشركين ! فهذه الحركة النفسية يجسمها التعبير هنا ، فيصورها حركة ارتداد على الأعقاب ، كارتدادهم في المعركة على الأعقاب ! وهذا هو الذي حذرهم إياه النضر بن أنس - رضي الله عنه - فقال لهم حين وجدهم قد ألقوا بأيديهم ، وقالوا له : إن محمدا قد مات : " فما تصنعون بالحياة من بعده ؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله [ ص ] " .

( ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) . .

فإنما هو الخاسر ، الذي يؤذي نفسه فيتنكب الطريق . . وانقلابه لن يضر الله شيئا . فالله غني عن الناس وعن إيمانهم . ولكنه - رحمة منه بالعباد - شرع لهم هذا المنهج لسعادتهم هم ، ولخيرهم هم . وما يتنكبه متنكب حتى يلاقي جزاءه من الشقوة والحيرة في ذات نفسه وفيمن حوله . وحتى يفسد النظام وتفسد الحياة ويفسد الخلق ، وتعوج الأمور كلها ، ويذوق الناس وبال أمرهم في تنكبهم للمنهج الوحيد الذي تستقيم في ظله الحياة ، وتستقيم في ظله النفوس ، وتجد الفطرة في ظله السلام مع ذاتها ، والسلام مع الكون الذي تعيش فيه .

( وسيجزي الله الشاكرين ) . .

الذين يعرفون مقدار النعمة التي منحها الله لعباده في إعطائهم هذا المنهج ، فيشكرونها باتباع المنهج ، ويشكرونها بالثناء على الله ، ومن ثم يسعدون بالمنهج فيكون هذا جزاء طيبا على شكرهم ، ثم يسعدون بجزاء الله لهم في الآخرة ، وهو أكبر وأبقى . .

وكأنما أراد الله - سبحانه - بهذه الحادثة ، وبهذه الآية ، أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي [ ص ] وهو حي بينهم . وأن يصلهم مباشرة بالنبع . النبع الذي لم يفجره محمد [ ص ] ولكن جاء فقط ليومىء إليه ، ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق ، كما أومأ إليه من قبله من الرسل ، ودعوا القافلة إلى الارتواء منه !

وكأنما أراد الله - سبحانه - أن يأخذ بأيديهم ، فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى . العروة التي لم يعقدها محمد [ ص ] إنما جاء ليعقد بها أيدي البشر ، ثم يدعهم عليها ويمضي وهم بها مستمسكون !

وكأنما أراد الله - سبحانه - أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة ، وأن يجعل عهدهم مع الله مباشرة ، وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام الله بلا وسيط . حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة ، التي لا يخليهم منها أن يموت الرسول [ ص ] أو يقتل ، فهم إنما بايعوا الله . وهم أمام الله مسؤولون !

وكأنما كان الله - سبحانه - يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى - حين تقع - وهو - سبحانه - يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم . فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب ، وأن يصلهم به هو ، وبدعوته الباقية ، قبل أن يستبد بهم الدهش والذهول .

ولقد أصيبوا - حين وقعت بالفعل - بالدهش والذهول . حتى لقد وقف عمر - رضي الله عنه - شاهرا سيفه ، يهدد به من يقول : إن محمدا قد مات !

ولم يثبت إلا أبو بكر ، الموصول القلب بصاحبه ، وبقدر الله فيه ، الاتصال المباشر الوثيق . وكانت هذه الآية - حين ذكرها وذكر بها المدهوشين الذاهلين - هي النداء الإلهي المسموع ، فإذا هم يثوبون ويرجعون !

/خ179

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (144)

ولما كان التقدير : فانهزمتم عند ما{[19308]} صرخ الشيطان كذباً{[19309]} : ألا إن محمداً قد قتل ! ولم يكن لكم ذلك فإنكم إنما تعبدون رب محمد الحي القيوم وتقاتلون{[19310]} له ، وأما محمد فما هو بخالد لكم في الدنيا قال : { وما محمد إلا رسول } أي من شأنه الموت ، لا إله ، ثم قرر المراد من السياق بقوله : { قد خلت } أي بمفارقة أممهم ، إما بالموت أو الرفع إلى السماء ، ولما كان المراد أن الخلو منهم إنما كان في بعض الزمان الماضي لما مضى أثبت الجار فقال : { من قبله الرسل } أي فيسلك{[19311]} سبيلهم ، فاسلكوا أنتم سبيل من نصح نفسه من أتباعهم فاستمسك بنورهم{[19312]} .

{[19313]}ولما سبب عن ذلك إنكار انهزامهم ودعتهم على تقدير فقده أنكر عليهم بقوله : { أفإن }{[19314]} ولما كان الملك القادر على ما يريد لا يقول{[19315]} شيئاً وإن كان فرضاً إلا فعله ولو على أقل وجوهه ، وكان{[19316]} في علمه سبحانه أنه صلى الله عليه وسلم يموت موتاً - لكونه على فراشه ، وقتلاً - لكونه بالسم ، قال : {[19317]}{ مات } أي موتاً على الفراش { أو قتل } أي قتلاً { انقلبتم } أي عن الحال التي فارقكم عليها فأضعتم{[19318]} مشاعر الدين وتركتم مشاريع المرسلين ! ثم قرر{[19319]} المعنى بقوله : { على أعقابكم } لئلا يظن أن المراد مطلق الانتقال وإن كان على الاستواء والانتقال إلى أحسن { ومن } أي انتقلتم والحال أنه من { ينقلب على عقبيه } أي بترك ما شرعه له نبيه أو التقصير فيه { فلن يضر الله } أي المحيط بجميع العظمة { شيئاً } لأنه متعالٍ عن ذلك بأن الخلق كلهم طوع أمره ، لا يتحركون حركة إلا على وفق مراده ، فلو أراد لهداهم أجمعين ، ولو أراد أضلهم أجمعين ، وإنما يضر ذلك المنقلب نفسه لكفره بالله ، وسيجزي الله الشاكرين ، ومن سار{[19320]} ثابتاً على المنهج السوي فإنما ينفع نفسه{[19321]} لشكره لله{[19322]} { وسيجزي الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { الشاكرين * } أي كلهم ، فالآية من الاحتباك : أثبت الانقلاب وعدم الضر أولاً دليلاً{[19323]} على حذف ضده ثانياً{[19324]} ، والجزاء ثانياً دليلاً على حذف مثله أولاً .


[19308]:في ظ: لما.
[19309]:من مد، وفي الأصل وظ: كذا.
[19310]:في ظ: تقادون.
[19311]:في ظ: يسلك.
[19312]:في ظ: بعذرهم.
[19313]:سقطت من ظ.
[19314]:سقطت من ظ.
[19315]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا تقول.
[19316]:زيد من ظ ومد.
[19317]:زيد في ظ ومد: أفان.
[19318]:في ظ: فأصبحتم.
[19319]:في ظ: قرن.
[19320]:من ظ ومد، وفي الأصل: صار.
[19321]:من مد، وفي الأصل وظ: لنفسه.
[19322]:في ظ: بالله.
[19323]:في ظ: دليل.
[19324]:زيد بعده في ظ: على.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (144)

قوله تعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ) .

قال ابن عباس وآخرون في سبب نزول هذه الآية : لما نزل النبي صلى الله عليه و سلم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ، وأن لا ينتقلوا عن سواء كان الأمر لهم أو عليهم .

فلما وقفوا وحملوا على الكفار وهزموهم وقتل علي طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم ، وشد الزبير والمقداد على المشركين ، وحمل النبي ومعه الصحابة فهزموا أبا سفيان . ولما رأى بعض المسلمين انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة ، وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار ، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم وكثر القتل في المسلمين ، ورمى عبد الله بن قميئة فظن أنه قتل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : قد قتلت محمدا . وصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد قتل ، وكان الصارخ هو الشيطان . ففشا في الناس خبر القتل ، وحينئذ تعثر المسلمون واضطرب حالهم ، فقال بعضهم : ليت عبد الله بن أبي بن سلول يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان . وقال قوم من المنافقين : لو كان نبيا لما قتل ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم . فقال أنس بن النضر : يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد لا يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه . ومر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط في دمه ، فقال : يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل ؟ فقال : إن كان قد قتل فقد بلّغ ، قاتلوا على دينكم . ولما شج ابن قميئة وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم وكسر رباعيته ، احتمله طلحة بن عبيد الله ودافع عنه أبو بكر وعلي رضي الله عنهم ونفر آخرون معهم{[603]} .

قوله : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) الآية . ( ما ) نافية . ( محمد ) مبتدأ ، ( رسول ) خبره . يبين الله في ذلك أن الرسل جميعا ليسوا باقين ولا مخلدين على وجه هذه الأرض ، بل إنهم سيرحلون عن هذه الدنيا ليمضوا إلى رحاب الله . وتلك سنة الله في العباد ومنهم رسل الله ، ومحمد صلى الله عليه و سلم أحد الرسل الذين خلوا ( مضوا ) وسيخلوا هو مثلما خلوا . وإن كان المرسلون السابقون قد خلوا فإن أتباعهم لم يستنكفوا عن الحق بل ظلوا مستمسكين بدين الله . فعليكم أن تمسكوا بدين نبيكم بعد خلوه ؛ لأن الغرض من بعثه الرسل هو تبليغ الرسالة وإلزام الحجة وليس الغرض وجودهم بين قومهم أبدا .

قوله : ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) الهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء للسببية . والمعنى : أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمدا أو قتل ؟ وانقلابهم على أعقابهم يراد به رجوعهم القهقرى . أو إدبارهم عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم من أمر الجهاد وغيره من الدعوة إلى الله . وقيل : معناه الارتداد أي صيرورتهم كفارا بعد أن كانوا مؤمنين . والأعقاب مفرده العقب وهو مؤخر القدم . والمراد بالانقلاب على الأعقاب : الانهزام والتراجع . ويقال لمن عاد إلى ما كان عليه : انقلب على عقبيه .

قوله : ( ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) ذلك وعيد من الله للمنقلبين على أعقابهم المدبرين عن القتال أو المرتدين عن الإسلام ، فإن هؤلاء لأن يضروا الله شيئا ؛ العالمين بل هؤلاء لا يضرون إلا أنفسهم إذ يوردون أنفسهم موارد العقاب والخسران .

قوله : ( وسيجزي الله الشاكرين ) وهم الذين صبروا وقاتلوا ولم ينقلبوا على أعقابهم ، فهم بذلك شاكرون ؛ لأنهم شكروا الله على إسلامهم وعلى ثباتهم على الإيمان وشدة تمسكهم به . وهم من أمثال أبي بكر وأنس بن النضر وعمر وعلي رضي الله عنهم جميعا .


[603]:- تفسير الرازي جـ 9 ص 21 ، 22.