ثم يضرب الله للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم . من موكب الإيمان اللاحب الممتد على طول الطريق ، الضارب في جذور الزمان . . من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم ، وقاتلوا مع أنبيائهم ، فلم يجزعوا عند الابتلاء ؛ وتأدبوا - وهم مقدمون على الموت - بالأدب الإيماني في هذا المقام . . مقام الجهاد . . فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربهم ؛ وأن يجسموا أخطاءهم فيروها " إسرافا " في أمرهم . وأن يطلبوا من ربهم الثبات والنصر على الكفار . . وبذلك نالوا ثواب الدارين ، جزاء إحسانهم في أدب الدعاء ، وإحسانهم في موقف الجهاد . وكانوا مثلا يضربه الله للمسلمين :
( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا وما استكانوا . والله يحب الصابرين . وما كان قولهم إلا أن قالوا : ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا ؛ وثبت أقدامنا ؛ وانصرنا على القوم الكافرين . فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة . والله يحب المحسنين ) . .
لقد كانت الهزيمة في " أحد " ، هي أول هزيمة تصدم المسلمين ، الذين نصرهم الله ببدر وهم ضعاف قليل ؛ فكأنما وقر في نفوسهم أن النصر في كل موقعة هو السنة الكونية . فلما أن صدمتهم أحد ، فوجئوا بالابتلاء كأنهم لا ينتظرونه !
ولعله لهذا طال الحديث حول هذه الواقعة في القرآن الكريم . واستطرد السياق يأخذ المسلمين بالتأسية تارة ، وبالاستنكار تارة ، وبالتقرير تارة ، وبالمثل تارة ، تربية لنفوسهم ، وتصحيحا لتصورهم ، وإعدادا لهم . فالطريق أمامهم طويل ، والتجارب أمامهم شاقة ، والتكاليف عليهم باهظة ، والأمر الذي يندبون له عظيم .
والمثل الذي يضربه لهم هنا مثل عام ، لا يحدد فيه نبيا ، ولا يحدد فيه قوما . إنما يربطهم بموكب الإيمان ؛ ويعلمهم أدب المؤمنين ؛ ويصور لهم الابتلاء كأنه الأمر المطرد في كل دعوة وفي كل دين ؛ ويربطهم بأسلافهم من اتباع الأنبياء ؛ ليقرر في حسهم قرابة المؤمنين للمؤمنين ؛ ويقر في أخلادهم أن أمر العقيدة كله واحد . وإنهم كتيبة في الجيش الإيماني الكبير :
( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير . فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) . .
. . وكم من نبي قاتلت معه جماعات كثيرة . فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من البلاء والكرب والشدة والجراح . وما ضعفت قواهم عن الاستمرار في الكفاح ، وما استسلموا للجزع ولا للأعداء . . فهذا هو شأن المؤمنين ، المنافحين عن عقيدة ودين . .
الذين لا تضعف نفوسهم ، ولا تتضعضع قواهم ، ولا تلين عزائمهم ، ولا يستكينون أو يستسلمون . . والتعبير بالحب من الله للصابرين . له وقعه . وله إيحاؤه . فهو الحب الذي يأسو الجراح ، ويمسح على القرح ، ويعوض ويربو عن الضر والقرح والكفاح المرير !
ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الجمل على هذا الوجه الذي بين فيه العلل ، وأوضح بحال الزلل ، وكان التقدير بعد انقضائها : فكأين{[19331]} من قوم{[19332]} أمرناهم بالجهاد ، فكانوا على هذين القسمين ، فأثبنا الطائع وعذبنا العاصي ، ولم يضرنا ذلك شيئاً ، ولا جرى شيء منه على غير مرادنا ، عطف عليه يؤسيهم{[19333]} بطريق{[19334]} الصالحين من قبلهم ويسيلهم{[19335]} بأحوالهم{[19336]} قوله : { وكأين } وهي{[19337]} بمعنى كم ، وفيها لغات كثيرة ، قرىء منها في العشر{[19338]} بثنتين : الجمهور{[19339]} بفتح الهمزة بعد الكاف وتشديد الياء المكسورة ، وابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وهمزة مكسورة ، ولعلها أبلغ - لأنه عوض عن الحرف المحذوف - من{[19340]} المشهورة بالمد ، والمد أوقع في النفس وأوقر في القلب ؛ وفيها كلام كثير - في لغاتها ومعناها وقراءاتها{[19341]} المتواترة والشاذة وصلاً ووقفاً ، ورسمها في مصحف الإمام عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي وقع إجماع الصحابة عليه ليكون المرجع عند الاختلاف إليه ، وهل هي بسيطة أو مركبة ومشتقة أو جامدة وفي كيفية التصرف في لغاتها - استوعبته{[19342]} في كتابي الجامع المبين لما قيل{[19343]} في { كأين } ، وقال سبحانه : { من نبي } لتكون التسلية أعظم بذكر ما هو طبق ما وقع في هذه الغزوة من قتل{[19344]} أصحابه ، واحتمال العبارة لقتله نفسه بقوله : { قتل{[19345]} } أي ذلك النبي حال كونه { معه } لكن الأرجح إسناد { قتل } إلى { ربيون } لموافقته قراءة الجماعة - سوى الحرمين{[19346]} وأبي عمرو - : {[19347]}قاتل معه { ربيون } أي علماؤهم ورثة الأنبياء ، وعلى منهاجهم { كثير فما } أي فما{[19348]} تسبب عن قتل نبيهم وهنهم ، أو يكون المعنى ويؤيده{[19349]} الوصف بالكثرة - : قتل الربيون ، فما تسبب عن{[19350]} {[19351]}قتلهم أن الباقين بعدهم { وهنوا } أي ضعفوا عن{[19352]} عملهم { لما أصابهم في سبيل الله } أي الملك الأعظم من القتل لنبيهم الذي هو عمادهم ، أو لإخوانهم الذين هم أعضادهم لكونه من{[19353]} الله { وما ضعفوا } أي مطلقاً في العمل ولا في غيره { وما استكانوا } أي وما خضعوا لأعدائهم فطلبوا أن يكونوا تحت أيديهم - تعريضاً بمن قال{[19354]} : اذهبَوا إلى أبي عامر{[19355]} الراهب ليأخذ{[19356]} لنا أماناً من أبي سفيان ، بل صبروا ، فأحبهم الله لصبرهم { والله } أي{[19357]} الذي له صفات الكمال { يحب الصابرين * } أي فليفعلن بهم من النصر وإعلاء القدر وجميع أنواع الإكرام فعل من يحبه{[19358]} .
قوله تعالى : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ) ذلك تحضيض للمؤمنين على القتال من غير تردد ولا تعثر ومن غير التفات لإرجاف المرجفين . وهو كذلك أمر لهم بالاقتداء بخيار أتباع النبيين السابقين . فقد قاتل أو قتل مع النبيين السابقين كثير من الربيين فما ضعفوا ولا انثنوا عن الجهاد ومقارعة الظالمين .
قوله : ( وكأين ) بمعنى كم . وأصل الكلمة أي ، دخلت عليها كاف التشبيه وتبتت معها فصارت بعد التركيب بمعنى كم ، وصورت في المصحف نونا ؛ لأنها كلمة نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغيير معناها ثم كثر استعمالها فتصرفت فيها العرب بالقلب والحذف فصار فيها أربع لغات منها قوله : ( وكأين ) بالتشديد . والمعنى كثير من الأنبياء قاتل معه العدد الكثير من أصحابه وهم الربيون ، فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا ؛ لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله . فكذلك ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد . وهذا المعنى مبني على قراءة " قاتل " . وثمة قراءة أخرى وهي : قتل معه ربيون كثير{[604]} والأولى الراجحة في نظري لاتساق المعنى المقصود . وهو تشجيع المسلمين على القتال وعدم الفرار أو قبول الإرجاف . فإن كثيرا ممن سبقكم من النبيين قاتل معهم جموع كثيرة من أتباعهم فما وهنوا .
قوله : ( ربيون كثير ) الربيون الجماعات الكثيرة ، وهم ألوف من الناس . والمفرد : ربّي – بكسر الراء وتشديد الباء- وأصله من الربة وهي الجماعة كأنه نسب إلى الربة{[605]} . قال ابن عباس وآخرون : الربيون ، الجموع الكثيرة .
قوله : ( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) ( وهنوا ) من الوهن وهو الضعف ، أو هو انكسار الجد بالخوف . ( وما استكانوا ) من الاستكانة وهي الذلة والتخشع والخضوع . فيكون المعنى أن هؤلاء الربيين ما ضعفوا عن عدوهم ولا عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله ولا ذلوا أو تخشعوا لعدوهم بمداهنة عدوهم خيفة منهم ولكنهم مضوا قدما على دينهم الحق وعلى منهاج نبيهم صابرين على ما أصابهم في سبيل الله .
قوله : ( والله يحب الصابرين ) أي الصابرين على الجهاد وملاقاة العدو وما يقتضيه ذلك من خوف وآلام وجراح وإزهاق لمهج .