( يسألونك : ماذا أحل لهم ؟ قل : أحل لكم الطيبات ، وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله . فكلوا مما أمسكن عليكم ، واذكروا اسم الله عليه . واتقوا الله ، إن الله سريع الحساب . اليوم أحل لكم الطيبات ، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ، وطعامكم حل لهم ، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم - إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان - ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ، وهو في الآخرة من الخاسرين ) . .
إن هذا السؤال من الذين آمنوا عما أحل لهم ؛ يصور حالة نفسية لتلك الجماعة المختارة ، التي سعدت بخطاب الله تعالى لها أول مرة ؛ ويشي بما خالج تلك النفوس من التحرج والتوقي من كل ما كان في الجاهلية ؛ خشية أن يكون الإسلام قد حرمه ؛ وبالحاجة إلى السؤال عن كل شيء للتثبت من أن المنهج الجديد يرتضيه ويقره .
والناظر في تاريخ هذه الفترة يلمس ذلك التغيير العميق الذي أحدثه الإسلام في النفس العربية . . لقد هزها هزا عنيفا نفض عنها كل رواسب الجاهلية . . لقد أشعر المسلمين - الذين التقطهم من سفح الجاهلية ليرتفع بهم إلى القمة السامقة - أنهم يولدون من جديد ؛ وينشأون من جديد . كما جعلهم يحسون إحساسا عميقا بضخامة النقلة ، وعظمة الوثبة ، وجلال المرتقى ، وجزالة النعمة . فأصبح همهم أن يتكيفوا وفق هذا المنهج الرباني الذي لمسوا بركتة عليهم . وأن يحذروا عن مخالفته . . وكان التحرج والتوجس من كل ما ألفوه في الجاهلية هو ثمرة هذا الشعور العميق ، وثمرة تلك الهزة العنيفة .
لذلك راحوا يسألون الرسول [ ص ] بعد ما سمعوا آيات التحريم :
ليكونوا على يقين من حلة قبل أن يقربوه .
( قل : أحل لكم الطيبات . . . ) . .
وهو جواب يستحق التأمل . . إنه يلقي في حسهم هذه الحقيقة : إنهم لم يحرموا طيبا ، ولم يمنعوا عن طيب ؛ وإن كل الطيبات لهم حلال ، فلم يحرم عليهم إلا الخبائث . . والواقع أن كل ما حرمه الله هو ما تستقذره الفطرة السليمة من الناحية الحسية . كالميتة والدم ولحم الخنزير . أو ينفر منه القلب المؤمن كالذي أهل لغير الله به أو ما ذبح على النصب ، أو كان الاستقسام فيه بالأزلام . وهو نوع من الميسر .
ويضيف إلى الطيبات - وهي عامة - نوعا منها يدل على طيبته تخصيصه بالذكر بعد التعميم ؛ وهو ما تمسكه الجوارح المعلمه المدربة على الصيد كالصقر والبازي ، ومثلها كلاب الصيد ، أو الفهود والأسود . مما علمه أصحابه كيف يكلب الفريسة : أي يكبلها ويصطادها :
( وما علمتم من الجوارح مكلبين ، تعلمونهن مما علمكم الله . فكلوا مما أمسكن عليكم ، واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله ، إن الله سريع الحساب ) . .
وشرط الحل فيما تمسكه هذه الجوارح المكبلة المعلمة المدربة ، أن تمسك على صاحبها : أي أن تحتفظ بما تمسكه من الصيد ؛ فلا تأكل منه عند صيده ؛ إلا إذا غاب عنها صاحبها ، فجاعت . فإنها إن أكلت من الفريسة عند إمساكها لها ، لا تكون معلمة ؛ وتكون قد اصطادت لنفسها لا لصاحبها فلا يحل له صيدها . ولو تبقى منها معظم الصيد لم تأكله ؛ ولو جاءت به حيا ولكنها كانت أكلت منه ؛ فلا يذكى ؛ ولو ذبح ما كان حلالا . .
والله يذكر المؤمنين بنعمته عليهم في هذه الجوارح المكلبة ؛ فقد علموها مما علمهم الله . فالله هو الذي سخر لهم هذه الجوارح ؛ وأقدرهم على تعليمها ؛ وعلمهم هم كيف يعلمونها . . وهي لفتة قرآنية تصور أسلوب التربية القرآني ، وتشي بطبيعة المنهج الحكيم الذي لا يدع لحظة تمر ، ولا مناسبة تعرض ، حتى يوقظ في القلب البشري الإحساس بهذه الحقيقة الأولى : حقيقية أن الله هو الذي أعطى كل شيء . هو الذي خلق ، وهو الذي علم ، وهو الذي سخر ؛ وإليه يرجع الفضل كله ، في كل حركة وكل كسب وكل إمكان ، يصل إليه المخلوق . . فلا ينسى المؤمن لحظة ، أن من الله ، وإلى الله ، كل شيء في كيانه هو نفسه ؛ وفيما حوله من الأشياء والأحداث ؛ ولا يغفل المؤمن لحظة عن رؤية يد الله وفضله في كل عزمة نفس منه ، وكل هزة عصب ، وكل حركة جارحة . . ويكون بهذا كله " ربانيًا " على الاعتبار الصحيح .
والله يعلم المؤمنين أن يذكروا اسم الله على الصيد الذي تمسك به الجوارح . ويكون الذكر عند إطلاق الجارح إذ أنه قد يقتل الصيد بنابه أو ظفره ؛ فيكون هذا كالذبح له ؛ واسم الله يذكر عند الذبح ، فهو يذكر كذلك عند إطلاق الجارح سواء .
ثم يردهم في نهاية الآية إلى تقوى الله ؛ ويخوفهم حسابه السريع . . فيربط أمر الحل والحرمة كله بهذا الشعور الذي هو المحور لكل نية وكل عمل في حياة المؤمن ؛ والذي يحول الحياة كلها صلة بالله ، وشعورا بجلاله ، ومراقبة له في السر والعلانية :
ولما تقدم إحلال الصيد وتحريم الميتة ، وختم ذلك بهذه الرخصة ، " وكان النبي{[24281]} صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الكلاب " وكان الصيد ربما مات في يد الجارح قبل إدراك ذكاته ، سأل بعضهم عما يحل من الكلاب ، وبعضهم عما يحل من ميتة الصيد إحلالاً مطلقاً لا بقيد الرخصة ، إذ{[24282]} كان الحال يقتضي هذا السؤال ؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن أبي رافع رضي الله عنه قال : " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ، فقال الناس : يا رسول الله ! ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فأنزل الله تعالى : { يسئلونك } " .
ولما كان هذا إخباراً{[24283]} عن غائب قال : { ماذا أحل لهم } دون " لنا " قال الواحدي :{[24284]} أي من إمساك الكلاب وأكل الصيود وغيرها{[24285]} ، أي من المطاعم ، ثم قال الواحدي : رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه ، وذكر المفسرون شرح هذه القصة ، قال : قال أبو رافع رضي الله عنه : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه ، فأذن له فلم يدخل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قد أذنا لك ! قال : أجل يا رسول الله ! ولكنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب ، فنظر فإذا في بعض بيوتهم جرو{[24286]} ، قال أبو رافع : فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلا قتلته ، حتى بلغت العوالي فإذا امرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني بقتله ، فرجعت إلى الكلب فقتلته ، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الكلاب جاء أناس{[24287]} فقالوا : يا رسول الله ! ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع{[24288]} بها ، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه ، وأمر بقتل الكلاب{[24289]} الكلب و{[24290]} العقور وما يضر ويؤذي ، ورفع القتل عما سواها مما لا ضرر فيه ، وقال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في عدي{[24291]} بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين رضي الله عنهما ، وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير ، وذلك أنهما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا{[24292]} : " يا رسول الله ! إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، وإن كلاب{[24293]} آل درع{[24294]} وآل أبي حورية{[24295]} تأخذ البقر والحمر والظباء والضب ، فمنه ما{[24296]} ندرك{[24297]} ذكاته ، ومنه ما{[24298]} يقتل{[24299]} فلا ندرك{[24300]} ذكاته ، وقد حرم الله الميتة ، فماذا يحل لنا منها ؟ فنزلت : { يسئلونك } الآية { الطيبات } يعني الذبائح ، و { الجوارح } الكواسب من الكلاب وسباع الطير " انتهى .
فإذا أريد كون الكلام{[24301]} على وجه يعم قيل : { قل } لهم في جواب من سأل { أحل } وبناه للمفعول طبق سؤالهم ولأن المقصود لا كونه من معين{[24302]} { لكم الطيبات } أي الكاملة الطيب ، فلا خبث فيها بنوع تحريم ولا تقذر{[24303]} ، من ذوي الطباع السليمة{[24304]} مما لم يرد{[24305]} به نص ولا صح فيه قياس ، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرمونه على أنفسهم من السائبة وما معها ، وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر{[24306]} وما أذن{[24307]} فيه من{[24308]} غير المطاعم{[24309]} { وما } وهو على حذف مضاف للعلم به ، فالمعنى : وصيد{[24310]} ما { علمتم من الجوارح } أي{[24311]} التي من شأنها أن تجرح ، أو تكون{[24312]} سبباً للجرح وهو الذبح ، أو من الجرح بمعنى الكسب
{ ويعلم ما جرحتم بالنهار{[24313]} }[ الأنعام : 60 ] وهو كواسب الصيد من{[24314]} السباع والطير ، فأحل إمساكها للقنية وصيدها وشرط فيه التعليم ، قال الشافعي : والكلب لا يصير معلماً إلا عند أمور : إذا أشلى استشلى ، وإذا زجر انزجر وحبس ولم يأكل ، وإذا دعي أجاب ، وإذا أراده لم يفر منه ، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم ، ولم يذكر حداً لأن الاسم إذا لم يكن معلوماً من نص ولا إجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف{[24315]} ، وبنى الحال من الكلاب وإن كان المراد العموم ، لأن التأديب فيها أكثر فقال : { مكلبين } أي حال كونكم متكلفين تعليم هذه{[24316]} الكواسب ومبالغين في ذلك ، قالوا : وفائدة هذه الحال{[24317]} أن يكون المعلم{[24318]} نحريراً في علمه{[24319]} موصوفاً به ، وأكد ذلك بحال أخرى أو استئناف فقال : { تعلمونهن } وحوشاً كنَّ أو طيوراً { مما علمكم الله } أي المحيط بصفات الكمال من علم التكليب ، فأفاد ذلك أن{[24320]} على كل طالب لشيء أن{[24321]} لا يأخذه{[24322]} إلا من أجلّ العلماء به وأشدهم دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه{[24323]} أكباد الإبل ، فكم من آخذ من غير متقن قد ضيع أيامه ، وعض عند لقاء النجارين إبهامه ! ثم{[24324]} سبب عن ذلك قوله : { فكلوا } . {[24325]}
ولما كان في الصيد من العظم وغيره ما لا يؤكل قال : { مما أمسكن } أي الجوارح مستقراً{[24326]} إمساكها { عليكم } أي على تعليمكم ، لا على جبلتها وطبيتعها دون تعليمكم ، وذلك هو الذي لم يأكلن منه وإن مات قبل إدراك ذكاته ، وأما ما أمسك الجارح على أي مستقراً{[24327]} على جبلته وطبعه ، ناظراً فيه إلى نفاسة نفسه{[24328]} فلا يحل { واذكروا اسم الله } أي الذي له كل شيء ولا كفوء له { عليه } أي على{[24329]} ما أمسكن عند إرسال الجارح أو عند الذبح إن أدركت ذكاته ، لتخالفوا سنة الجاهلية وتأخذوه من مالكه ، وقد صارت نسبة هذه الجملة . كما ترى . إلى
{ حرمت عليكم الميتة }[ المائدة : 3 ] نسبة{[24330]} المستثنى إلى المستثنى منه ، وإلى مفهوم غير محلي الصيد وانتم حرم نسبة الشرح .
ولما كان تعليم الجوارح أمراً خارجاً عن العادة{[24331]} في نفسه وإن كان قد كثر ، حتى صار مألوفاً ، وكان الصيد بها أمراً تُعجب شرعته وتهز النفوس كيفيتُه ، ختم الآية بما هو خارج عن عادة البشر{[24332]} وطرقها{[24333]} من سرعة الحساب ولطف العلم بمقدار الاستحقاق من الثواب والعقاب ، فقال محذراً من إهمال شيء مما رسمه : { واتقوا } أي حاسبوا أنفسكم واتقوا { الله } أي عالم الغيب والشهادة القادر على كل شيء فيما أدركتم ذكاته وما لم تدركوها ، وما أمسكه الجارح عليكم وما أمسكه على نفسه - إلى غير ذلك من أمور الصيد التي لا يقف عندها إلا من غلبت عليه مهابة الله واستشعر خوفه ، فاتقاه فيما أحل وما حرم ، ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الجامع لمجامع العظمة { سريع الحساب * } أي عالم بكل شيء وقادر عليه في كل وقت ، فهو قادر على كل جزاء{[24334]} يريده ، لا يشغله أحد عن أحد ولا شأن عن شأن .
قوله تعالى : { يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب } .
نزلت هذه الآية بسبب عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير بدلا من اسمه زيد الخيل ، فقد قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء ، فمنه ما ندرك ذكاته ، ومنه ما نقتله فلا ندرك ذكاته ، وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟ فنزلت الآية{[899]} .
قوله : { ماذا } ما في محل رفع مبتدأ ، وخبره { أحل لهم } وذا زائدة .
قوله : { أحل لكم الطيبات } يعني الحلال . وهو ما ليس بخبيث وكل ما لم يأت تحريمه في كتاب ولا سنة ولا قياس . وقيل : الحلال ما التذ به آكله وشاربه ولم يصبه به ضرر في الدنيا ولا في الآخرة . وقيل : الطيبات هي الذبائح ، لأنها بالتذكية تطيب .
قوله : { ما علمتم من الجوارح } معطوف على الطيبات أي أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم . فقد حذف المضاف وهو " صيد " والجوارح معناها الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين ، كقوله تعالى : { ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي يعلم ما كسبتم من خير ومن شر .
وقوله : { مكلبين } في محل نصب على الحال من علمتم . ومكلبين جمع وفرده مكلب . وهو مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها دون غيره ومروضها لذلك . وذلك مشتق من الكلب ، لأن التعليم أو التأديب أكثر ما يكون في الكلاب . فاشتق من لفظه لكثرة حصوله في جنسه ، أو لأن السباع تسمى كلابا . ومنه دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم على ابن أبي لهب " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " وفي رواية " من كلاب الشام " فأكله الأسد وهو في أرض الشام .
على أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب ، لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب بأنيابها ، وهو قول المذاهب الأربعة وغيرهم من أهل العلم . فقد روى عن عدي ابن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال : " ما أمسك عليك فكل " .
وقوله : { تعلمونهن مما علمكم الله } تعلمونهن في محل نصب حال أخرى وقيل : جملة استئنافية . وتعليمهن بالتضرية والترويض على إمساك الصيد لصاحبه . وقوله : { مما علمكم الله } أي مما علمكم من الحيل وطرق التعليم والتأديب ، فإذا أرسله استرسل ، وإذا زجره انزجر وإذا أخذ الصيد فلا يأكل منه وإنما يمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه .
وعلى هذا إذا كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه وكان قد ذكر اسم الله عليه عند إرساله فقد حل الصيد وإن قتله ، وذلك بالإجماع . ويؤكد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله ، فقال : " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك " قلت : وإن قتلن ؟ قال : " وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها ، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره " قلت له : فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب ؟ فقال : " إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ، وإن أصابه فإنه وقيذ فلا تأكله " وفي لفظ لهما " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله ، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه ، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله ، فإن أخذ الكلب ذكاته " وهذا دليل على أنه إذا أكل الكلب من الصيد فإنه يحرم مطلقا . وهو قول أكثر أهل العلم .
وذلك بمقتضى قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } أي كلوا مما حبسن لكم من الصيد ولم يأكلن منه . فإن أكلن منه لم يؤكل ما بقي ، لأن الكلب بذلك أمسك على نفسه ولم يمسك على صاحبه وقوله : { واذكروا اسم الله عليه } أي سموا عليه عند إرساله . وقيل : سموا عليه إذا أدركتم ذكاته . والأمر هنا للندب عند الإمام الشافعي . وهو للوجوب عند أبي حنيفة .
قوله : { واتقوا الله إن الله سريع الحساب } أي خافوا الله باجتناب نواهيه ومنها أكل صيد الجوارح غير المعلمة ، فإن الله حسابه سريع إتيانه أو أنه سريع إتمامه ، فيوم القيامة قريب إذا شرع فيه فإن الله يحاسب الخلائق دفعة واحدة .
ويستفاد من هذه الآية جواز اتخاذ الكلاب واقتناؤها للصيد وكذلك للحراسة قياسا على كلب الصيد ، ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان " . وعلى هذا فإن المباح اتخاذه من الكلاب مما يجوز بيعه وشراؤه ، فضلا عن كلب الصيد فهو الذي يحرس الماشية والزرع والدار . أما اقتناؤها على غير ذلك من المنفعة فهو منهي عنه . ولعل الحكمة في النهي عن ذلك ما في الكلاب من ترويع للمسلمين والتشويش عليهم بنباحها ، أو لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب{[900]} .