( قل : لا أقول لكم : عندي خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول لكم : إني ملك . إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل : هل يستوي الأعمى والبصير ؟ أفلا تتفكرون ) . .
لقد كان المعاندون من قريش يطلبون أن يأتيهم رسول الله [ ص ] بآية من الخوارق يصدقونه بها - وهم كانوا كما أسلفنا يعلمون صدقه ولا يشكون فيه - وتارة كانوا يطلبون أن تكون هذه الآية تحويل الصفا والمروة ذهبا ! وتارة تكون إبعادهما عن مكة ليصبح مكانهما خصبا مخضرا بالزروع والثمار ! وتارة تكون إنباءهم بما سيقع لهم من أحداث مغيبة ! وتارة تكون طلب إنزال ملك عليه ! وتارة تكون طلب كتاب مكتوب في قرطاس يرونه يتنزل عليه من السماء . . إلى آخر هذه المطالب التي يوارون وراءها تعنتهم وعنادهم !
ولكن هذه المطالب كلها إنما كانوا يصوغون فكرتها من تلك الأوهام والأساطير التي أحاطت بصورة النبوة وصورة النبي في الجاهليات من حولهم ، وأقربها إليهم أوهام أهل الكتاب وأساطيرهم حول النبوة ، بعدما انحرفوا عما جاءتهم به رسلهم من الحق الواضح في هذه الأمور
ولقد شاعت في الجاهليات المتنوعة صور من " النبوءات " الزائفة ، يدعيها " متنبئون " ويصدقها مخدوعون . . ومن بينها نبوءات السحر والكهانة والتنجيم والجنون ! حيث يدعي المتنبئون قدرتهم على العلم بالغيب ، والاتصال بالجن والأرواح ، وتسخير نواميس الطبيعة بالرقى والتعاويذ ، أو بالدعوات والصلوات ، أو بغيرها من الوسائل والأساليب . وتتفق كلها في الوهم والضلالة ، وتختلف بعد ذلك في النوع والشكل والمراسم والأساليب .
" فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيثة تسخرها للاطلاع على المجهول أو السيطرة على الحوادث والأشياء . ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة " بالأرباب ! " لا تطيع الكاهن ، ولكنها تلبي دعواته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول في يقظته أو منامه ، وترشده بالعلامات والأحلام ، ولا تلبي سائرالدعوات والصلوات ! ولكنهما - نبوءة السحر ونبوءة الكهانة - تخالفان نبوة الجذب والجنون المقدس . لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان ، ويريدان قصدا ما يطلبانه بالعزائم والصلوات ، ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره ، ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها ، ولعله لايعيها . ويكثر بين الأمم التي تشيع فيها نبوة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعي العلم بمغزى كلامه ، ولحن رموزه وإشاراته . وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب " مانتي " " " ويسمون المفسر : " بروفيت " " " أى المتكلم بالنيابة عن غيره . ومن هذه الكلمة نقل الأوربيون كلمة النبوة بجميع معانيها . وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون ، إلا أن يكون الكاهن متوليا للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب ، ومضامين رموزه وإشاراته . ويحدث في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة . فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها ، والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث في أكثر الأحيان من آبائه وأجداده . وتتوقف الكهانة على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة ؛ ولا يتوقف الجذب على هذه البيئة ، لأنه قد يعتري صاحبه في البرية ، كما يعتريه في الحاضر المقصود من أطراف البلاد " .
" وقد كثر عدد الأنبياء في قبائل بني إسرائيل كثرة يفهم منها أنهم كانوا في أزمنتهم المتعاقبة يشبهون في العصور الحديثة أصحاب الأذكار ، ودراويش الطرق الصوفية ، لأنهم جاوزوا المئات في بعض العهود ، واصطنعوا من الرياضة في جماعاتهم ما يصطنعه هؤلاء الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد ، وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب .
أن شاول أرسل لأخذ داود رسلا . . " فرأوا جماعة الأنبياء يتنبأون ، وشاول واقف بينهم رئيسا عليهم . فهبط روح الله على رسل شاول ، فتنبأوا هم أيضا . وأرسل غيرهم فتنبأ هؤلاء . . . فخلع هو أيضا ثيابه ، وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل ، وانتزع عاريا ذلك النهار كله وكل الليل " . .
" . . أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من الأكمة ، وأمامهم رباب ودف وناي وعود ، وهم يتنبأون ، فيحل عليهم روح الرب ، فتتنبأ معهم ، وتتحول إلى رجل آخر .
" وكانت النبوة صناعة وراثية يتلقاها الأبناء من الآباء كما جاء في سفر الملوك الثاني : " إذ قال بنو الأنبياء يا ليشع : هو ذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا ، فلنذهب إلى الأردن " .
" وكانت لهم خدمة تلحق بالجيش في بعض المواضع ، كما جاء في سفر الأيام الأول . حيث قيل : إن داود ورؤساء الجيش أفرزوا للخدمة بني أساف وغيرهم من المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج " . . .
وهكذا حفلت الجاهليات - ومنها الجاهليات التي انحرفت عن التصور الصحيح الذي جاءت به الرسالات السماوية - بمثل هذه التصورات الباطلة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي . وكان الناس ينتظرون ممن يدعي النبوة مثل هذه الأمور ؛ ويطالبونه بالتنبؤ بالغيب تارة ؛ وبالتأثير في النواميس الكونية عن طريق الكهانة أو طريق السحر تارة . . ومن هذا المعين كانت اقتراحات المشركين على رسول الله [ ص ] ولتصحيح هذه الأوهام كلها جاءت التقريرات المكررة في القرآن الكريم عن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول . . ومنها هذا التقرير :
( قل : لا أقول لكم عندي خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول لكم : إني ملك . إن أتبع إلا ما يوحى إلي . قل : هل يستوي الأعمى والبصير ؟ أفلا تتفكرون ؟ ) . .
إنه [ ص ] يؤمر من ربه أن يقدم لهم نفسه بشرا مجردا من كل الأوهام التي سادت الجاهليات عن طبيعة النبي والنبوة . وأن يقدم لهم كذلك هذه العقيدة بذاتها مجردة من كل إغراء . . لا ثراء . ولا ادعاء . . إنها عقيدة يحملها رسول ، لا يملك إلا هداية الله ، تنير له الطريق !
ولا يتبع إلا وحي الله يعلمه ما لم يكن يعلم . . إنه لا يقعد على خزائن الله ، ليغدق منها على من يتبعه ، ولا يملك مفاتح الغيب ليدل أتباعه على ما هو كائن ؛ ولا هو ملك كما يطلبون أن ينزل الله ملكا . . إنما هو بشر رسول ؛ وإنما هي هذه العقيدة وحدها ، في صورتها الناصعة الواضحة البسيطة . .
إنها العقيدة هتاف هذه الفطرة ، وقوام هذه الحياة ودليل الطريق إلى الآخرة ، وإلى الله . فهي مستغنية بذاتها عن كل زخرف . . من أرادها لذاتها فهو بها حقيق ، وهي عنده قيمة أكبر من كل قيمة . ومن أرادها سلعة في سوق المنافع ، فهو لا يدرك طبيعتها ، ولا يعرف قيمتها ، وهي لا تمنحه زادا ، ولا غناء . .
لذلك كله يؤمر رسول الله [ ص ] أن يقدمها للناس هكذا ، عاطلة من كل زخرف ، لأنها غنية عن كل زخرف ؛ وليعرف من يفيئون إلى ظلها أنهم لا يفيئون إلى خزائن مال ، ولا إلى وجاهة دنيا ، ولا إلى تميز على الناس بغير التقوى . إنما يفيئون إلى هداية الله وهي أكرم وأغنى .
قل : لا أقول لكم عندي خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول لكم : إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي . .
ثم ليعلموا أنهم حينئذ إنما يفيئون إلى النور والبصيرة ، ويخرجون من الظلام والعماء :
( قل : هل يستوي الأعمى والبصير ؟ أفلا تتفكرون ؟ ) . .
ثم . . إن اتباع الوحي وحده هداية وبصر ، والمتروك بغير هذا الهادي متروك أعمى . . هذا ما تقرره هذه الآية في وضوح وصرامة . . فما شأن العقل البشري في هذا المجال ؟
سؤال جوابه في التصور الإسلامي واضح بسيط . . إن هذا العقل الذي وهبه الله للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي ، وإدراك مدلولاته . . وهذه وظيفته . . ثم هذه هي فرصته في النور والهداية ؛ وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
فأما حين يستقل هذا العقل البشري بنفسه بعيدا عن الوحي ، فإنه يتعرض حينئذ للضلال والانحراف ، وسوء الرؤية ، ونقص الرؤية ، وسوء التقدير ، وسوء التدبير .
يتعرض لهذا كله بسبب طبيعة تركيبه ذاتها في رؤية الوجود أجزاء لا كلا واحدا . تجربة بعد تجربة ، وحادثةبعد حادثة ، وصورة بعد صورة . . حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة ، ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاما ، ويضع على أساسها نظاما ، ملحوظا فيه الشمول والتوازن . . ومن ثم يظل - حين ينعزل عن منهج الله وهداه - يرتاد التجارب ، ويغير الأحكام ، ويبدل النظام ، ويضطرب بين الفعل وردود الفعل ، ويتخبط من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال . . وهو في ذلك كله يحطم كائنات بشرية عزيزة ، وأجهزة إنسانية كريمة . . ولو اتبع الوحي لكفى البشر هذا الشر كله ؛ وجعل التجارب والتقلبات في " الأشياء " وفي " المادة " وفي " الأجهزة " وفي " الآلات " . . وهي مجاله الطبيعي الذي يمكن أن يستقل فيه . والخسارة في النهاية مواد وأشياء . لا أنفس وأرواح !
ويتعرض لهذا كله - بعد طبيعة تركيبه - بسبب ما ركب في الكيان البشري من شهوات وأهواء ونزعات ، لا بد لها من ضابط ، يضمن أن تؤدي وظائفها في استمرار حياة البشرية وارتقائها ، ولا تتعدى هذا الحد المأمون فتؤدي إلى تدمير الحياة أو انتكاسها ! وهذا الضابط لا يمكن أن يكون هو العقل البشري وحده ؛ فلا بد لهذا العقل الذي يضطرب تحت ضغط الأهواء والشهوات والنزعات - وهي شتى - من ضابط آخر يضبطه هو ذاته ؛ ويحرسه بعد أن يضبطه من الخلل أيضا ، ويرجع إليه هذا العقل بكل تجربة ، وكل حكم - في مجال الحياة البشرية - ليقوم به تجربته وحكمه ، وليضبط به اتجاهه وحركته .
والذين يزعمون للعقل البشري درجة من الأصالة في الصواب كدرجة الوحي ، باعتبار أن كليهما - العقل والوحي - من صنع الله فلا بد أن يتطابقا . . هؤلاء إنما يستندون إلى تقريرات عن قيمة العقل قال بها بعض الفلاسفة من البشر ، ولم يقل بها الله سبحانه !
والذين يرون أن هذا العقل يغني عن الوحي - حتى عند فرد واحد من البشر مهما بلغ عقله من الكبر - إنما يقولون في هذه القضية غير ما يقول الله . . فالله قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة ، ولم يجعل هذه الحجة هي عقلهم البشري ، ولا حتى فطرتهم التي فطرهم الله عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به . لأن الله سبحانه يعلم أن العقل وحده يضل ، وأن الفطرة وحدها تنحرف . وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة ، إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي ، وهو النور والبصيرة .
والذي يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين ؛ أو أن العلم - وهو من منتجات العقل - يغني البشرية عن هدى الله ؛ إنما يقولون قولا لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك . . فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم ، هي أبأس حياة يشقى فيها " الإنسان " مهما فتحت عليه أبواب كل شيء ؛ ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد ؛ ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق . . وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية ! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون ! فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي ، وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات . ثم يقيم له الأسس ، ويضع له القواعد ، التي تكفل استقامته في انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة ؛ كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها - وفق شريعة الله - فلا يضغط عليه الواقع لينحرف بتصوراته ومناهجه كذلك !
والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير ، وبترك وحي الله وهداه أعمى ، واقتران الحديث عن تلقي الرسول [ ص ] من الوحي وحده ، بالإشارة إلى العمى والبصر ، بالسؤال التحضيضي على التفكير : إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل : هل يستوي الأعمى والبصير : أفلا تتفكرون ؟ . .
اقتران الإشارات وتتابعها على هذا النحو في السياق ، أمر ذو دلالة في التعبير القرآني . . فالتفكر مطلوب ، والحض عليه منهج قرآني ؛ ولكنه التفكر المضبوط بضابط الوحي ، الذي يمضي معه مبصرا في النور ؛ لا مطلق التفكر الذي يخبط في الظلام أعمى ، بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير . .
والعقل البشري حين يتحرك في إطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق ، إنما يتحرك في مجال واسع جدا . . يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله ، الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضا ؛ كما يحتوي أغوار النفس ومجالي الأحداث ، ومجالات الحياة جميعا . . فالوحي لا يكف العقل عن شيء إلا عن انحراف المنهج ، وسوء الرؤية والتواء الأهواء والشهوات ! وبعد ذلك يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعا . فهذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان . . العقل . . إنما وهبها له لتعمل وتنشط في حراسة الوحي والهدى الرباني . . فلا تضل إذن ولا تطغى . .
ولما بين وظيفة الرسل ، وقسم المرسل إليهم ، أمره بنفي ما يتسبب{[29689]} عنه قولهم من أن البشر لا يكون رسولاً ، واقتراحهم عليه الآيات من ظن قدرته على ما يريد ، {[29690]} أو أن كل ما يقدر عليه يبديه لهم{[29691]} ، أو إلزامه بذلك{[29692]} ، منها لهم على وجه ظلمهم بغلظهم أو عنادهم فقال : { قل } أي{[29693]} في جواب قولهم ( لولا أنزل عليه آية }[ يونس : 20 ] ونحوه .
ولما لم{[29694]} يكن لهم عهد بأن بشراً يكون عنده الخزائن ، يتصرف فيها بما يريد ، وكان يأتيهم من الآيات من انشقاق القمر ومشي الشجر وكلام الضب والحجر ونبع الماء والحراسة بشواظ النار وفحل الجمال ونحو ذلك مما هو معلوم في دلائل النبوة بما ربما أوقع{[29695]} في ظنهم أن لازمه دعواه لأنه يملك الخزائن ، فكانوا يقترحون عليه الآيات الدالة إلزاماً له{[29696]} بذلك{[29697]} لقصد التكذيب . نفى ما ظنوا أنه يلزمه دعواه فقال : { لا{[29698]} أقول لكم } أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان ، ولما كان تعالى قد أعطاه مفاتيح خزائن الأرض ، فأباها{[29699]} تواضعاً لله سبحانه ، قيد بقوله " لكم " إفهاماً لما يخبر به المؤمنين من ذلك ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ، وأما الكفرة فإن إخبارهم بذلك مما يغريهم على الاقتراحات استهزاء فلا فائدة له { عندي خزائن الله } أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق والعزة البالغة ، فلا كفوء له أي{[29700]} فآتيكم ما تقترحون{[29701]} من الآيات وما تشتهونه{[29702]} من الكنوز وما{[29703]} تستهزئون به{[29704]} من العذاب ، وإنما الخزائن بيده ، يفعل فيها ما يشاء .
ولما كانوا يعهدون أن بعض البشر من الكهان يخبرون بشيء من المغيبات ، وكان الكهان يخلطون الصدق بالكذب ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بمغيبات كثيرة فيكون كما قال دائماً لا خلف في شيء منها ولا زيادة ولا نقص ، فصاروا يظنون أنه يعلم الغيب ، ولكنهم يظنونه من آيات{[29705]} الكهان حتى أطلقوا عليه أنه كاهن ، فكانوا يسألونه عن وقت العذاب الذي يتوعدهم به وعن غيره ، لعلهم{[29706]} يظفرون عليه{[29707]} بشيء مما يقوله الكهان ولا يكون ، فيعدونه عليه ؛ نفى ما ظنوه غيره على هذا المقام أن ينسب{[29708]} إلى غير مالكه الذي لا يجوز أن يكون لغيره ، فقال نافياً له من أصله ، لا للقول فقط كما في سابقه ولاحقه ، عاطفاً على { لا{[29709]} أقول } لا على { عندي } { ولا أعلم الغيب } أي فأخبركم بوقت الفصل بيني وبينكم من مطلق العذاب أو{[29710]} قيام الساعة ، فإن هاتين الحالتين - ملك الخزائن وعلم الغيب - ليستا{[29711]} إلا لمرتبة{[29712]} الألوهية ، وإنما لم أدّع الأول كما ألزمتموني به ، ولا اتصفت بالثاني بما ظننتم .
ولما كانوا يظنون أن الرسول لا يكون إلا ملكاً ، فكانوا يلزمونه بدعواه الرسالة دعوى الملائكة ليلزموه بذلك ادعاء ما هو ظاهر البطلان ، قال : { ولا أقول } أي بدعوى الرسالة ؛ ولما كان صلى الله عليه وسلم أعلى{[29713]} الأنبياء صفاء وأنورهم قلباً وأشدهم{[29714]} في كل هدى إضاءة وأنقاهم من نقائص البشر ، وكان هذا أمراً من الله له{[29715]} . قيد بقوله : { لكم } إفهاماً لأنه{[29716]} لا يمتنع{[29717]} عليه أن يقول ذلك ، بل لو قاله كان صادقاً ، ومثله كثير في مجازاتهم ومجاري عاداتهم{[29718]} في محاوراتهم{[29719]} ، وأما إسقاط " لكم " في قصة نوح من{[29720]} سورة هود{[29721]} عليهما السلام فتواضعاً منه لكونه من قوله ، من غير تصريح بإسناد الأمر فيه إلى الله تعالى { إني ملك } فأقوى على الأفعال التي تقوى{[29722]} عليها الملائكة من التحرز{[29723]} عن المأكل والمشرب وغيرهما من أفعال الملائكة .
فلما انتفى عنه ما ألزموه به وما{[29724]} ظنوه فيه من كونه إلهاً أو ملكاً ، انحصر الأمر في أنه رسول واقف عندما حده له مرسله ، فقال على وجه النتيجة : { إن } أي ما { أتبع } أي بغاية جهدي { إلا ما يوحى إلي } أي ما رتبتي إلا امتثال ما يأمرني به ربي في هذا القرآن الذي هو - بعجزكم عن معارضته - أعظم شاهد لي ، ولم يوح إلي فيه أن أقول شيئاً مما تقدم نفيه ، وأوحى إلي لأنذركم به خصوصاً ، وأنذر به كل من بلغه عموماً ، وذلك غير منكر في{[29725]} العقل ولا مستبعد{[29726]} بل قد وقع الإرسال لكثير من البشر ، وقد قام على ثبوته لي{[29727]} واضح الدلائل وثابت الحجج وقاطع البراهين ، فإن كان فيه الإذن لي{[29728]} بإبراز خارق أبرزته ، وإن كان فيه الإعلام بمغيب أبديته ، وإلا اقتصرت على الإبلاغ مع التحدي ، وهو مخبر بأن الله - الذي{[29729]} ثبت بعجزكم عن معارضته أنه قوله - شاهد لي بصحة الرسالة وصدق المقالة .
ولما{[29730]} ثبت بهذا أنهم عمي الأبصار والبصائر ، لا يهتدون إلى ما ينفعهم ، ولا يقدرون على إفحام خصم ولا التفصي عن وهم ولا وصم ، بل هم كالسالك بين المهالك ، يتبين بادئ بدئه في دعواه الحكمة زوره وكذبه وفجوره لأتباع الهوى الذي هو أدوأ أدواء{[29731]} ، {[29732]} وأنه{[29733]} صلى الله عليه وسلم أبصر البصراء وأحكم الحكماء لاتباعه علام الغيوب ، وكان موضع أن يقال : ما يوحى إليك في هذا المقام ؟ قال على وجه التبكيت لهم : { قل } أي لكل من يسمع{[29734]} قولك بعد هذا البيان الفائت لقوى الإنسان { هل يستوي } أي يكون سواء من غير مرية { الأعمى والبصير } فإن قالوا : نعم ، كابروا الحس ، وإن قالوا : لا ، قيل : فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ، ومن أعرض عنها فهو العمى ، ومن سوى بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو أعمى العمى ؛ ثم أمره بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله : { أفلا تتفكرون * } أي فيردكم فكركم{[29735]} عن هذه الضلالات{[29736]} .
قوله تعالى : { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ( 50 ) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ( 51 ) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظلمين ( 52 ) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ( 53 ) وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ( 54 ) وكذلك نفصل الأيت ولتستبين سبيل المجرمين } .
الخزائن جمع خزينة أو خزانة . وهي في الأصل ما يحفظ فيه من الأشياء النفائس . والمراد بالخزائن هنا رزق الله ومقدوراته . وذلك جواب لاقتراحات المشركين أن يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من ربه إنزال الآيات أو أن يقلب الجبال ذهبا أو أن يوسع عليهم منافع الدنيا وخيراتها ويفتح عليهم أبواب سعادتها . فخاطب الله نبيه أن يجيبهم { قل لا أقول لكم عندي خزئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك } أي لا أدعي أن خزائن الله مفوضة إلي فأتصرف فيها كيفما أشاء حتى تقترحوا علي فعل الخوارق من الأعمال فمثل ذلك ليس من شأني بل هو بيد الله القادر القاهر . وكذلك قال لهم : { ولا أعلم الغيب } وذلك أن القوم كانوا يظنون أن الذي يكون رسولا سيكون مطلعا على الغيب ومكتشفا لخوافي الأمور مما هو خفي مستور . فكانوا يقولون له : إن كنت رسولا من عند الله فأخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ودفع تلك المضار . فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم الغيب بل إن الغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تسألوني ما ليس من شأني وما لا أملك .
وكذلك أمره ربه أن يقول لهم : { ولا أقول لكم إني ملك } ، لأنه لا ينبغي للملك أن يظهر بصورته لأنظار البشر في هذه الدنيا . وقد كانوا يتوهمون أن النبي ما ينبغي له أن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق . ويفعل ما يفعله البشر ، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بملك ولكنه بشر بطبعه وصورته وأصله .
قوله : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } يعني ما أتبع فيما أقوله لكم وأدعوكم إليه إلا ما أوحى إلي من ربي . فأنا لما جاءني من الله وحيا فأمضي لوحيه وأئتمر بأمره وأنزجر عن نواهيه . وتعرض في هذا الصدد مسألة وهي اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم . فقد اختلف العلماء في جواز اجتهاده عليه الصلاة والسلام وثمة مذاهب ثلاثة في هذه المسألة .
المذهب الأول : جواز الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم . وهو قول الجمهور . إذ ذهبوا إلى جواز الاجتهاد منه عليه السلام فيما فيه نص ، واحتجوا لذلك بعدة أدلة منها :
أولا : عموم قوله تعالى : { فاعتبروا يأولي الأبصار } والنبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى الناس بصيرة وأعلمهم بالقياس . فهو بذلك حقيق أن يكون في جملة المأمورين هنا بالاعتبار .
ثانيا : الاجتهاد أكثر ثوابا لما فيه المشقة وبذل الجهد . وفي الحديث " أفضل العبادات أحمزها " {[1168]} أي أشقها . وقال . وقال عليه السلام : " ثوابك على قدر نصبك " {[1169]} أي تعبك . والأكثر ثوابا أولى وأفضل . وعلو درجته صلى الله عليه وسلم توجب أن لا يسقط عنه ذلك ، تحصيلا لمزيد الثواب . وكيلا يختص غيره بفضيلة ليست له .
ثالثا : العمل بالاجتهاد أدل على الفطانة وكمال البصيرة من العمل بالنص . وذلك لتوقف الاجتهاد على النظر الدقيق والقريحة المستجاشة . فلا يتركه النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه فضيلة .
المذهب الثاني : عدم جواز الاجتهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم . وهو قول الأشاعرة ، وهم التابعون لأبي الحسن الأشعري ، إذ منعوه شرعا وكذلك منعه أكثر المعتزلة عقلا . واحتجوا لذلك بعدة أدلة منها قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى ( 3 ) إن هو إلا وحي يوحى } وكذلك هذه الآية التي نحن بصددها وهي { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } وهذا ظاهر في العموم وأن كل ما ينطق به فهو وحي وهو ينفي الاجتهاد ، لأنه قوله بالرأي . وأجيب عن ذلك بأن الظاهر من قوله : { وما ينطق } أنه رد لما كانوا يقولونه في القرآن من أنه مفترى ، فيختص بما بلغه وينتفي العموم .
ومنها : أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما أخر جوابا عما سئل عنه . وقد أخر كثيرا كما في الظهار واللعان . وفي هذا الاستدلال نظر . فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخر الجواب في الظهار واللعان . بل أجاب في اللعان بقوله : " البينة أو الحد في ظهرك " وهو من رواية ابن ماجه عن ابن عباس . وكذلك قوله في الظهار " ما أرى إلا أنها قد بانت منك " ثم نسخ الحكمان بنزول آيتيهما .
المذهب الثالث : الوقف عن القطع بشيء من ذلك . هو أبي بكر الباقلاني والغزالي . وقال الشوكاني في رد ذلك : لا وجه للوقف في هذه المسألة لما قدمناه من الأدلة الدالة على الوقوع .
ويدل على علة وقوع الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } فقد عاتبه ربه على ما وقع منه . ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه . وكذلك معاتبه صلى الله عليه وسلم على أخذ الفداء من أسرى بدر بقوله : { ما كان لبني أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } إلى غير ذلك مما يدل على جواز الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم{[1170]} .
قوله : { قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون } الأعمى يراد به المشرك الظالم لنفسه ، والذي فسق عن دين الله وكذب رسله وجحد وشريعته .
وعمي عما الله من الأدلة والبراهين التي تكتشف عن وجه الحق . ويراد بالبصير ، المؤمن الذي وعى البينات والحجج وصدق رسل الله الكرام جميعا وأيقن أن القرآن حق . فهل يستوي هذان الاثنان ؟ لا جرم أنهما لا يستويان . كعدم استواء الحق والباطل ، أو كل متضادين متناقضين .
قوله : { أفلا تتفكرون } الاستفهام هنا للتقرير والتوبيخ . والمعنى : أفلا تمنعون التفكير والنظر فيما بيناه لكم من الدلائل والمعجزات التي تكشف عن حقيقة هذا الدين وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به من ربه ؟ أفلا تفرقون بين الحق القائم على التوحيد والذي جاء به الإسلام هداية للناس . والباطل القائم على الشرك والضلال والهوى ؟