في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (53)

37

ثم إذا صوت البشر عامة يتوارى ، لينطق رب العزة والجلالة ، وصاحب الملك والحكم :

( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا . وما كانوا بآياتنا يجحدون . ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ، هدى ورحمة لقوم يؤمنون . هل ينظرون إلا تأويله ؟ يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل : قد جاءت رسل ربنا بالحق ، فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ، أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل . قد خسروا أنفسهم ، وضل عنهم ما كانوا يفترون ) . .

وهكذا تتوالى صفحات المشهد جيئة وذهوباً . . لمحة في الآخرة ولمحة في الدنيا . لمحة مع المعذبين في النار ، المنسيين كما نسوا لقاء يومهم هذا وكما جحدوا بآيات الله ، وقد جاءهم بها كتاب مفصل مبين . فصله الله - سبحانه - على علم - فتركوه واتبعوا الأهواء والأوهام والظنون . . ولمحة معهم - وهم بعد في الدنيا - ينتظرون مآل هذا الكتاب وعاقبة ما جاءهم فيه من النذير ؛ وهم يُحذّرون أن يجيئهم هذا المآل . فالمآل هو مايرون في هذا المشهد من واقع الحال !

إنها خفقات عجيبة في صفحات المشهد المعروض ؛ لا يجليها هكذا إلا هذا الكتاب العجيب !

وهكذا ينتهي ذلك الاستعراض الكبير ؛ ويجيء التعقيب عليه متناسقاً مع الابتداء . تذكيراً بهذا اليوم ومشاهده ، وتحذيراً من التكذيب بآيات الله ورسله ، ومن انتظار تأويل هذا الكتاب فهذا هو تأويله ، حيث لا فسحة لتوبة ، ولا شفاعة في الشدة ، ولا رجعة للعمل مرة أخرى .

نعم . . هكذا ينتهي الاستعراض العجيب . فنفيق منه كما نفيق من مشهد أخاذ كنا نراه .

ونعود منه إلى هذه الدنيا التي فيها نحن ! وقد قطعنا رحلة طويلة طويلة في الذهاب والمجيء !

إنها رحلة الحياة كلها ، ورحلة الحشر والحساب والجزاء بعدها . . ومن قبل كنا مع البشرية في نشأتها الأولى ، وفي هبوطها إلى الأرض وسيرها فيها !

وهكذا يرتاد القرآن الكريم بقلوب البشر هذه الآماد والأكوان والأزمان . يريها ما كان وما هو كائن وما سيكون . . كله في لمحات . . لعلها تتذكر ، ولعلها تسمع للنذير :

( كتاب أنزل إليك ، فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به وذكرى للمؤمنين . اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ، ولا تتبعوا من دونه أولياء ، قليلاً ما تذكرون ) . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (53)

ولما وصف الكتاب{[32316]} وذكر المنتفع به ، تشوفت النفس إلى السؤال عن حال من لا يؤمن به وهم الجاحدون ، فقال مشيراً إلى أن حالهم في وقوفهم عن{[32317]} المتابعة بعد العلم بصدقه بعجزهم عنه كحال من ينتظر أن يأتي مضمون وعيده : { هل ينظرون } أي ينتظرون ، ولكنه لما لم يكن لهم قصد في ذلك بغير ما يفهمه الحال ، جرد الفعل ولإفادة أنه بتحقيق{[32318]} إتيانه{[32319]} في غاية القرب حتى كأنه مشاهد لهم { إلا تأويله } أي تصيير{[32320]} ما فيه من وعد ووعيد إلى مقاره وعواقب أمره التي أخبر أنه يصير إليها .

ولما كان كأنه قيل : ما يكون حالهم{[32321]} حينئذ ؟ قال : التحسر والإذعان حيث لا ينفع ، والتصديق والإيمان حين لا يقبل ، وعبر عن ذلك{[32322]} بقوله : { يوم يأتي تأويله } أي بلوغ وعيده إلى مبلغه في الدنيا أو في الآخرة ؛ ولما قدم اليوم اهتماماً به ، أتبعه العامل فيه فقال : { يقول الذين نسوه } أي تركوه ترك المنسي ، ويجوز أن يكون عد ذلك نسياناً لأنه ركز في {[32323]}الطباع أن كل ملك لا بد له من عرض جنده ومحاسبتهم ، فلما أعرضوا عن ذلك فيما هو من جانب الله عده نسياناً منهم لما ركز في{[32324]} طباعهم .

ولما كان نسيانهم في بعض الزمان السابق ، أدخل الجار فقال { من قبل } أي قبل كشف الغطاء محققين للتصديق { قد جاءت } أي فيما سبق من الدنيا { رسل ربنا } أي المحسن إلينا { بالحق } أي المطابق لهذا الواقع الذي نراه مما كانوا يتوعدوننا به ، فما صدقوا حتى رأوا فلم يؤمنوا بالغيب ولا{[32325]} أوقعوا الإيمان في دار العمل فلذا لم ينفعهم .

ولما وصفوه سبحانه بالإحسان لما كشف الحال عنه من حلمه وطول أناته ، سببوا عن ذلك قولهم : { فهل لنا من شفعاء } أي في هذا اليوم ، وكأنهم جمعوا الشفعاء لدخولهم في جملة الناس في الشفاعة العظمى لفصل القضاء ؛ ثم سببوا عن ذلك تحقيق كونهم لهم أي بالخصوص فقالوا { فيشفعوا لنا } أي سواء كانوا من شركائنا الذين كنا نتوهم فيهم النفع أو من غيرهم ليغفر لنا ما قدمنا من الجرائم { أو نرد } أي إن لم يغفر لنا إلى الدنيا التي هي دار العمل ، والمعنى أنه لا سبيل لنا{[32326]} إلى الخلاص إلا أحد هذين السببين{[32327]} ؛ ثم سببوا عن جواب هذا الاستفهام الثاني قولهم : { فنعمل } أي في الدنيا { غير الذي كنا } أي بجبلاتنا من غير نظر عقلي { نعمل } .

ولما كان من المعلوم عند من صدق القرآن وعلم {[32328]}مواقع ما فيه{[32329]} من الأخبار أنه لا يكون لهم شيء من ذلك ، كانت نتيجته{[32330]} قوله : { قد خسروا أنفسهم } أي فلا احد أخسر منهم { وضل } أي غاب وبطل { عنهم ما كانوا } أي جبلة وطبعاً ، لا يمكنهم الرجوع{[32331]} عنه إلا عند رؤية البأس{[32332]} { يفترون* } أي يتعمدون في الدنيا من الكذب في أمره لقصد العناد للرسل من ادعاء أن الأصنام تشفع لهم و{[32333]}من غير ذلك من أكاذيبهم .


[32316]:- زيد من ظ.
[32317]:- من ظ، وفي الأصل: على.
[32318]:- في ظ: ليحقق.
[32319]:- من ظ، وفي الأصل: إثباته.
[32320]:- من ظ، وفي الأصل: يصير.
[32321]:- تكرر ما بين الرقمين في ظ.
[32322]:- تكرر ما بين الرقمين في ظ.
[32323]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32324]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32325]:- زيد من ظ.
[32326]:- سقط من ظ.
[32327]:- من ظ، وفي الأصل: الشيئين.
[32328]:- في ظ: ما وقع.
[32329]:- في ظ: ما وقع.
[32330]:- في ظ: نتيجة.
[32331]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32332]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32333]:- زيادة من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (53)

قوله : { هل ينظرون إلا تأويله } استفهام وعيد . و { ينظرون } من النظر وهو الانتظار ؛ أي هل ينتظر هؤلاء المنكرون الجاحدون الكفرة { إلا تأوليه } أي عاقبته . وهو تأويل ما يؤول إليه تكذيبهم مما توعدهم به القرآن من سوء الحساب والعذاب .

قوله : { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت الرسل ربنا بالحق } أي يوم القيامة يظهر عاقبة ما أخبروا به من العذاب ومصيرهم إلى النار ، فأدركوا أن ما جاءتهم به الرسل حق ، واعترفوا حينئذ بذنبهم العظيم وخطيئتهم الكبرى ، وأيقنوا أنهم كانوا سادرين في الضلال ؛ فهم الآن صائرون لا محالة إلى الشقوة والتعس .

قوله : { فهل لنا من شفعاء فيشعوا لنا } فيشفعوا ، منصوب بتقدير أن بعد فاء السببية{[1419]} الشفيع هو السائل لصاحبه إسقاط العقاب عن المشفع فيه والعفو عن خطيئته . وهو من تعريف الطبرسي{[1420]} يسأل الخاسرون التعساء يوم القيامة عن شفعاء يشفعوا لهم بدر العذاب عنهم وبتجنبهم مما عاينوه من العذاب المحيط المحدق . وهو استفهام اليائسين الخاسرين الذين أيقنوا أنهم أحيط بهم وأنهم صائرون إلى النار لا محالة . وهذا هو شأن اليائس المكروب الذي تملكه الحيرة ، وغشيه اليأس المطبق ، لا جرم أن يتشبث بما يظن أو يتمنى أنه منجاة له من النار . لكنه تشبث الحالمين الحياري الذين تقطعت بهم الآمال والسبل وعملوا أنه ليس حينئذ من شفيع ولا مجير إلا التداعي في النار والحرور .

قوله : { أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل } فنعمل منصوب على جواب التمني بالفاء بتقدير{[1421]} أن يتمنون كذلك أن يردوا إلى الدنيا لاستئناف العمل الصالح فيعملوا غير ما كانوا يعملونه إبان غفلتهم وعصيانهم ولا يعدو ذلك دائرة التمنيات الحائرة الشواطح يطلقها الخاسرون الهلكى لما طغى عليهم اليأس وعضتهم الندامة عضا لا يجديهم ولا يغنيهم من العذاب الواقع شيئا . ولذلك قال : { قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } خسروا أنفسهم ، بإهلاكها وإسقاطها في العذاب الأليم الدائم . وذلكم هم الخسران الكبير . وفوق خسرانهم هذا { صل عنهم ما كانوا يفترون } أي بطل ما كانوا يلفقون من الأكاذيب والافتراءات على الله . أو غاب عنهم ما كانوا يتخذونهم شركاء مع الله فيعبونهم معه أو من دونه . وهذا شأن المشركين الضالين في كل زمان ؛ إذ يتخذون مع الله أربابا من دونه سواء كانت الأرباب من الجوامد الصم كالأصنام ، أو البهائم التي لا تعي ولا تنطق كمن يقدس البقر ويتخذها مع الله شركاء ، أو كان المعبود من البشر كالرؤساء الطواغيت أو الساسة والملوك الجبابرة المتسلطين الذين يستعبدون الناس استعبادا ويستخفونهم لطاعتهم استخفافا .

والرعاع وعامة الناس –وهم أكثر البشرية- يخفون في همة بالغة ونشاط ليس له نظير ، لطاعة هؤلاء الجبابرة العتاة في كل ما يأمرونهم به . ولا يتردد المستخفون الرعاع يبادرون الطاعة لأسيادهم ، ولو كلفهم ذلك الخروج عن منهج الله ، وعصيان الله فيما أمرهم به . وذلك ضروب من ضروب الإشراك بالله يهوي فيه الضالون الخائرون{[1422]} .


[1419]:البيان الابن الأنباري جـ 1 ص 364.
[1420]:التبيان للطبرسي جـ 4 ص 402.
[1421]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 364.
[1422]:تفسير البغوي جـ 2ص 164 وتفسير البحر المحيط جـ 4 ص 306.