وينتهز يوسف هذه الفرصة ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة ؛ فكونه سجينا لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة والأوضاع الفاسدة ، القائمة على إعطاء حق الربوبية للحكام الأرضيين ، وجعلهم بالخضوع لهم أربابا يزاولون خصائص الربوبية ، ويصبحون فراعين !
ويبدأ يوسف مع صاحبي السجن من موضوعهما الذي يشغل بالهما ، فيطمئنهما ابتداء إلى أنه سيؤول لهم الرؤى ، لأن ربه علمه علما لدنيا خاصا ، جزاء على تجرده لعبادته وحده ، وتخلصه من عبادة الشركاء . هو وآباؤه من قبله . . وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما ، كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه :
( قال : لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ، ذلكما مما علمني ربي ، إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ، وهم بالآخرة هم كافرون . واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء . ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) . .
ويبدو في طريقة تناول يوسف للحديث لطف مدخله إلى النفوس ، وكياسته وتنقله في الحديث في رفق لطيف . . وهي سمة هذه الشخصية البارزة في القصة بطولها . .
( قال : لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ، ذلكما مما علمني ربي ) . .
بهذا التوكيد الموحي بالثقة بأن الرجل على علم لدني ، يرى به مقبل الرزق وينبيء بما يرى . وهذا - فوق دلالته على هبة الله لعبده الصالح يوسف - وهي كذلك بطبيعة الفترة وشيوع النبوءات فيها والرؤى - وقوله : ( ذلكما مما علمني ربي )تجيء في اللحظة المناسبة من الناحية النفسية ليدخل بها إلى قلبيهما بدعوته إلى ربه ؛ وليعلل بها هذا العلم اللدني الذي سيؤول لهما رؤياهما عن طريقه .
( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ، وهم بالآخرة هم كافرون ) . .
مشيرا بهذا إلى القوم الذين ربي فيهم ، وهم بيت العزيز وحاشية الملك والملأ من القوم والشعب الذي يتبعهم . والفتيان على دين القوم ، ولكنه لا يواجههما بشخصيتهما ، إنما يواجه القوم عامة كي لا يحرجهما ولا ينفرهما - وهي كياسة وحكمة ولطافة حس وحسن مدخل .
وذكر الآخرة هنا في قول يوسف يقرر - كما قلنا من قبل - أن الإيمان بالآخرة كان عنصرا من عناصر العقيدة على لسان الرسل جميعا ؛ منذ فجر البشرية الأول ؛ ولم يكن الأمر كما يزعم علماء الأديان المقارنة أن تصور الآخرة جاء إلى العقيدة - بجملتها - متأخرا . . لقد جاء إلى العقائد الوثنية الجاهلية متأخرا فعلا ، ولكنه كان دائما عنصرا أصيلا في الرسالات السماوية الصحيحة . .
فلما رآهما بصيرين بالأمور { قال } إشارة إلى أنه يعرف ذلك وأدق منه ، ليقبلا نصحه فيما هو أهم{[41292]} المهم لكل أحد ، - وهو ما خلق العباد له من الاجتماع على الله - لتفريغهما للفهم لكلامه والقبول لكل ما يلقيه لاحتياجهما إلى إفتائهما ، مؤكداً ما وصفاه به من الإحسان بما اتبعه من وصف نفسه بالعلم ، انتهازاً لفرصة النصيحة عند هذا الإذعان بأعظم ما يكون النصح به من الأمر بالإخلاص في عبادة الخالق والإعراض عن الشرك ، فعلى كل ذي علم إذا احتاج إلى سؤاله أحد أن يقدم على جوابه نصحه بما هو الأهم له ، ويصف له نفسه بما يرغبه في قبول علمه إن كان الحال محتاجاً إلى ذلك ، ولا يكون ذلك من باب التزكية بل{[41293]} من{[41294]} الإرشاد إلى الإئتمام به بما يقرب إلى الله فيكون{[41295]} له مثل أجره : { لا يأتيكما } أي في اليقظة { طعام } وبين أنه خاص بهما{[41296]} دون أهل السجن بقوله : { ترزقانه } بناه للمفعول{[41297]} تعميماً { إلاّ نبأتكما } أي أخبرتكما إخباراً جليلاً عظيماً { بتأويله } أي{[41298]} به و{[41299]} بما يؤل ويرجع إليه أمره .
ولما كان البيان في جميع الوقت الذي بينه وبين الطعام الذي قبله ، نزع الخافض فقال : { قبل أن يأتيكما } أي أخبرتكما{[41300]} بأنه يأتيكما طعام كذا ، فيكون سبباً لكذا ، فإن المسبب{[41301]} الناشىء عن السبب هو المال .
ولما وصف نفسه من العلم بما{[41302]} يدعو كل ذي همة إلى السعي في الأسباب التي حصل له{[41303]} ذلك بها{[41304]} ليصير مثله أو يقرب منه ، وكان{[41305]} محل أن يقال : من علمك ذلك ؟ قال مرشداً إلى الله داعياً إليه أحسن دعاء بما تميل إليه النفوس من الطمع في{[41306]} الفضل : { ذلكما } أي الأمر العظيم ؛ ونبه على غزارة علمه بالتبعيض في قوله : { مما علمني ربي } أي الموجد لي والمربي لي{[41307]} والمحسن إليّ ، ولم أقله عن تكهن{[41308]} ولا تنجيم ، فكأنه قيل : ما لغيرك لا يعلّمه مثل ما{[41309]} علمك ؟ فقال معللاً له مطمعاً كل من فعل فعله في فضل الله ، مؤكداً إعلاماً بأن ذلك أمر عظيم يحق لمثله أن يفعل : { إني تركت ملة قوم } أي وإن كانوا أقوياء على محاولة{[41310]} ما يريدون ، فلذلك قدروا على أذاي وسجني بعد رؤية الآيات الشاهدة{[41311]} لي ، ونبه على أن ذلك لا يقدم عليه إلاّ من لا يحسب{[41312]} العاقبة بوجه ، فقال : { لا يؤمنون } أي يجددون الإيمان لما لهم من العراقة في الكفر { بالله } أي الملك الأعظم الذي لا يخفى أمره على ذي لب من أهل مصر وغيرهم ؛ ثم لوح إلى التحذير من يوم الجزاء الذي لا يغنى فيه أحد عن أحد ، منبهاً على أن الكفر به هو القاطع عن العلم وعن{[41313]} كل خير ، فقال مؤكداً تأكيداً عظيماً{[41314]} ، إشارة إلى أن أمرهم ينبغي أن ينكره كل من يسمعه ، ولا يصدقه ، لما على الآخرة من الدلائل الواضحة جداً الموجبة لئلا يكذب به أحد : { وهم بالآخرة } أي الدار التي لا بد من الجمع إليها ، لأنها محط الحكمة { هم } أي بضمائرهم كما هم{[41315]} بظواهرهم ، وفي تكرير الضمير تنبيه على أن هؤلاء اختصوا{[41316]} بهذا الجهل ، وأن غيرهم وقفوا على{[41317]} الهدى { كافرون } أي عريقون{[41318]} في التغطية لها ، فلذلك أظلمت قلوبهم فكانوا صوراً لا معاني لها ؛ والملة : مذهب جماعة يحمي{[41319]} بعضها لبعض في الديانة ، وأصله من المليلة ، وهي حمى تلحق الإنسان - قاله الرماني .
و{[41320]} في القاموس إن المليلة{[41321]} : الحر الكامن{[41322]} في العظم . وعبر ب { تركت{[41323]} } موضع " تجنبت " مثلاً مع كونه لم يلابس تلك الملة قط ، تأنيساً لهما واستدراجاً إلى تركهما ؛
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.