في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (259)

258

وفي سياق الحديث عن سر الموت والحياة تجيء القصة الأخرى :

( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ، قال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ فأماته الله مائة عام ، ثم بعثه . قال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ! قال : بل لبثت مائة عام . فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ؛ وانظر إلى حمارك - ولنجعلك آية للناس - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما . فلما تبين له قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير ) . .

من هو ( الذي مر على قرية ) ؟ ما هذه القرية التي مر عليها وهي خاوية على عروشها ؟ إن القرآن لم يفصح عنهما شيئا ، ولو شاء الله لأفصح ، ولو كانت حكمة النص لا تتحقق إلا بهذا الإفصاح ما أهمله في القرآن . فلنقف نحن - على طريقتنا في هذه الظلال - عند تلك الظلال . إن المشهد ليرتسم للحس قويا واضحا موحيا . مشهد الموت والبلى والخواء . . يرتسم بالوصف : ( وهي خاوية على عروشها ) . . محطمة على قواعدها . ويرتسم من خلال مشاعر الرجل الذي مر على القرية . هذه المشاعر التي ينضح بها تعبيره : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ ) . .

إن القائل ليعرف أن الله هناك . ولكن مشهد البلى والخواء ووقعه العنيف في حسه جعله يحار : كيف يحيي هذه الله بعد موتها ؟ وهذا أقصى ما يبلغه مشهد من العنف والعمق في الإيحاء . . وهكذا يلقي التعبير القرآني ظلاله وإيحاءاته ، فيرسم المشهد كأنما هو اللحظة شاخص تجاه الأبصار والمشاعر .

( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ ) . .

كيف تدب الحياة في هذا الموات ؟

( فأماته الله مائة عام . ثم بعثه ) . .

لم يقل له كيف . إنما أراه في عالم الواقع كيف ! فالمشاعر والتأثرات تكون أحيانا من العنف والعمق بحيث لا تعالج بالبرهان العقلي ، ولا حتى بالمنطق الوجداني ؛ ولا تعالج كذلك بالواقع العام الذي يراه العيان . . إنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة ، التي يمتلىء بها الحس ، ويطمئن بها القلب ، دون كلام !

( قال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ! ) . .

وما يدريه كم لبث والإحساس بالزمن لا يكون إلا مع الحياة والوعي ؟ على أن الحس الإنساني ليس هو المقياس الدقيق للحقيقة ؛ فهو يخدع ويضل ؛ فيرى الزمن الطويل المديد قصيرا لملابسة طارئة ؛ كما يرى اللحظة الصغيرة دهرا طويلا لملابسة طارئة كذلك !

( قال : بل لبثت مائة عام ) . .

وتبعا لطبيعة التجربة ، وكونها تجربة حسية واقعية ، نتصور أنه لا بد كانت هنالك آثار محسوسة تصور فعل مائة عام . . هذه الآثار المحسوسة لم تكن في طعام الرجل ولا شرابه ، فلم يكونا آسنين متعفنين :

( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) . .

وإذن فلا بد أن هذه الآثار المحسوسة كانت متمثلة في شخصه أو في حماره :

( وانظر إلى حمارك - ولنجعلك آية للناس - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) أية عظام ؟ عظامه هو ؟ لو كان الأمر كذلك - كما يقول بعض المفسرين إن عظامه هي التي تعرت من اللحم - للفت هذا نظره عندما استيقظ ، ووخز حسه كذلك ، ولما كانت إجابته : ( لبثت يوما أو بعض يوم ) .

لذلك نرجح أن الحمار هو الذي تعرت عظامه وتفسخت . ثم كانت الآية هي ضم هذه العظام بعضها إلى بعض وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة ، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسه البلى ، ولم يصب طعامه ولا شرابه التعفن . ليكون هذا التباين في المصائر والجميع في مكان واحد ، معرضون لمؤثرات جوية وبيئية واحدة ، آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء ، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد ؛ وليدرك الرجل كيف يحيي هذه الله بعد موتها !

أما كيف وقعت الخارقة ؟ فكما تقع كل خارقة ! كما وقعت خارقة الحياة الأولى . الخارقة التي ننسى كثيرا أنها وقعت ، وأننا لا ندري كيف وقعت ! ولا ندري كذلك كيف جاءت إلا أنها جاءت من عند الله بالطريق التي أرادها الله . . وهذا " دارون " أكبر علماء الحياة يظل ينزل في نظريته بالحياة درجة درجة ، ويتعمق أغوارها قاعا قاعا ، حتى يردها إلى الخلية الأولى . . ثم يقف بها هناك . إنه يجهل مصدر الحياة في هذه الخلية الأولى . ولكنه لا يريد أن يسلم بما ينبغي أن يسلم به الإدراك البشري ، والذي يلح على المنطق الفطري إلحاحا شديدا . وهو أنه لا بد من واهب وهب الحياة لهذه الخلية الأولى . لا يريد أن يسلم لأسباب ليست علمية وإنما هي تاريخية في صراعه مع الكنيسة ! فإذا به يقول : " أن تفسير شؤون الحياة بوجود خالق يكون بمثابة ادخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت ! " . .

أي وضع ميكانيكي ! إن الميكانيكية هي أبعد شيء عن هذا الأمر الذي يفرض على الإدراك فرضا أن يبحث عن مصدر لهذا السر القائم تجاه الأبصار والبصائر !

وإنه - هو نفسه - ليجفل من ضغط المنطق الفطري ، الذي يلجيء الإدراك البشري إلجاء إلى الاعتراف بما وراء الخلية الأولى ، فيرجع كل شيء إلى " السبب الأول " ! ولا يقول : ما هو هذا السبب الأول ؟ ما هو هذا السبب الذي يملك إيجاد الحياة أول مرة ، ثم يملك - حسب نظريته هو وهي محل نظر طويل - توجيه الخلية الأولى في طريقها الذي افترض هو أنها سارت فيه صعدا ، دون أي طريق آخر غير الذي كان ! إنه الهروب والمراء والمحال ! ! !

ونعود إلى خارقة القرية لنسأل : وما الذي يفسر أن ينال البلى شيئا ويترك شيئا في مكان واحد وفي ظروف واحدة ؟ إن خارقة خلق الحياة أول مرة أو خارقة رجعها كذلك لا تفسر هذا الاختلاف في مصائر أشياء ذات ظروف واحدة .

إن الذي يفسر هذه الظاهرة هو طلاقة المشيئة . . طلاقتها من التقيد بما نحسبه نحن قانونا كليا لازما ملزما لا سبيل إلى مخالفته أو الاستثناء منه ! وحسباننا هذا خطأ بالقياس إلى المشيئة المطلقة : خطأ منشؤه أننا نفرض تقديراتنا نحن ومقرراتنا العقلية أو " العلمية ! " على الله سبحانه ! وهو خطأ يتمثل في أخطاء كثيرة :

فأولا : ما لنا نحن نحاكم القدرة المطلقة إلى قانون نحن قائلوه ؟ قانون مستمد من تجاربنا المحدودة الوسائل ، ومن تفسيرنا لهذه التجارب ونحن محدودو الإدراك ؟

وثانيا : فهبه قانونا من قوانين الكون أدركناه . فمن ذا الذي قال لنا : إنه قانون نهائي كلي مطلق ، وأن ليس وراءه قانون سواه ؟

وثالثا : هبه كان قانونا نهائيا مطلقا . فالمشيئة الطليقة تنشىء القانون ولكنها ليست مقيدة به . . إنما هو الاختيار في كل حال .

وكذلك تمضي هذه التجربة ، فتضاف إلى رصيد أصحاب الدعوة الجدد ، وإلى رصيد التصور الإيماني الصحيح . وتقرر - إلى جانب حقيقة الموت والحياة وردهما إلى الله - حقيقة أخرى هي التي أشرنا إليها قريبا . حقيقة طلاقة المشيئة ، التي يعنى القرآن عناية فائقة بتقريرها في ضمائر المؤمنين به ، لتتعلق بالله مباشرة ، من وراء الأسباب الظاهرة ، والمقدمات المنظورة . فالله فعال لما يريد . وهكذا قال الرجل الذي مرت به التجربة :

( فلما تبين له ، قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير ) . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (259)

ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر سبحانه وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة ، وتارة بإشهاد{[12518]} المستبعد{[12519]} في نفسه وغيره بفعل ربه{[12520]} ، وتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه معبراً في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله ، فعبر في الكافر{[12521]} بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صلى الله عليه وسلم ، وفي المتعجب{[12522]} بإسقاطها إسقاطاً لذلك البعد{[12523]} ، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج التعجيب أيضاً من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية . ولما كان معنى { ألم تر } هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضى وغيره تختص مع كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها { إلا } قصداً للايجاب كقوله سبحانه تعالى{ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان{[12524]} }[ الرحمن : 60 ] وقوله سبحانه وتعالى{ هل هذا إلا بشر مثلكم{[12525]} }[ الأنبياء : 3 ] كان كأنه قيل : هل رأيت الذي حاج إبراهيم { أو } هل رأيت { كالذي } ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار{[12526]} الأولين إنما{[12527]} هي مواعظ لنا : أقومك كهذا{[12528]} المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون : إن الإحياء ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت ، أو هم كالذي { مر } قال الحرالي : من المرور{[12529]} وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه{[12530]} في{[12531]} سبيله { على قرية } وهي التي خرج منها الألوف أو بيت المقدس { وهي خاوية } أي متهدمة ساقطة جدرانها{[12532]} { على عروشها } أي سقوفها ، أو خالية على بقاء سقوفها . قال الحرالي : من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حساً أو معنىً ، والعروش{[12533]} جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء على{[12534]} حالة{[12535]} عجالة يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد ، فكان المشيد في الحقيقة عريشاً لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار{[12536]} - انتهى .

ولما كان كأنه قيل : ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه ؟ قيل : { قال أنى يحيي هذه } أي القرية { الله } {[12537]}أي الذي له الأمر كله{[12538]} { بعد موتها } أي بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة . قال الحرالي : وفي لفظة " أنى " لشمول معناها لمعنى{[12539]} كيف وحيث ومتى استبعاده{[12540]} الإحياء في الكيف والمكان والزمان ، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق{[12541]} النفس من طلبها لمعرفة تكييف{[12542]} ما لا يصل إليه علمها - انتهى .

ولما كان هذا المستبعد قاصراً عن رتبة الخليل عليه الصلاة والسلام في التهيئ للطمأنينة بل{[12543]} كان إيقانه على الكيفية متوقفاً{[12544]} في الحكمة على تركه في عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتاً ليكون ذلك كالتخمير في الطين لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال : { فأماته } أي فتسبب عن ذلك أن أماته { الله } {[12545]}أي الذي لا كفوء له فمهما أراد{[12546]} كان لإيقانه على علم ذلك عناية من الله به{[12547]} { مائة } ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون{[12548]} قد بلي فيها فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده{[12549]} العرب وأن ذلك الزمان كان حسناً طيباً لقبوله{[12550]} الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على السعة فقال : { عام } حتى بلي حماره{[12551]} وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني .

قال الحرالي : و{[12552]}خص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد و{[12553]}العشرات وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكراراً يجزىء عنه الثلاث { ثم بعثه } في بيانه إشعار بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال

{ ثم إذا شاء أنشره{[12554]} }[ عبس : 22 ] - انتهى .

ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيهاً له ولكل سامع على ما في قصته من الخوارق : { قال } أي له الله سبحانه وتعالى أو من{[12555]} شاء ممن{[12556]} خطابه{[12557]} ناشىء عنه { كم لبثت } أي في رقدتك هذه { قال } لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه { لبثت يوماً } ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال : { أو بعض يوم } وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره { قال } أي الذي خاطبه مضرباً عن جوابه بياناً لأنه غلط ظاهر { بل لبثت مائة عام } معبراً عن الحول بلفظ يدور على معنى{[12558]} السعة والامتداد والطول ودله{[12559]} على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله : { فانظر إلى طعامك وشرابك } أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فساداً تين{[12560]} وعصير { لم يتسنه } {[12561]}من السنة{[12562]} أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها ، ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك{[12563]} أمر جازم مقنع{[12564]} لا مرية فيه ولا تردد أصلاً { وانظر إلى } { حمارك } بالياً رميماً ، فجمع الله له{[12565]} سبحانه {[12566]}وتعالى{[12567]} بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه .

ولما كان التقدير : فعلنا ذلك لنجعله آية لك{[12568]} على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا ، عطف عليه قوله : { ولنجعلك } أي في مجموع خبرك { آية للناس } أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتاً آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة قيام ساعة وبعثاً ونشوراً - قاله الحرالي .

ولما{[12569]} أمره{[12570]} بالنظر إلى ما جعله له{[12571]} آية {[12572]}على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية{[12573]} على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال{[12574]} : { وانظر إلى العظام } أي من حمارك وهي{[12575]} جمع عظم وهو عماد البدن{[12576]} الذي عليه مقوم صورته { كيف ننشزها } قال الحرالي : بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه ، وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه ، من نشز{[12577]} الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى .

وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله { ثم نكسوها لحماً } قال الحرالي : جعل حياته بعثاً وحياة حماره نشوراً وأراه النشر{[12578]} ، واللحم الذي لحم بين{[12579]} العظام حتى صارت صورة واحدة ليتبين{[12580]} أمر الساعة عياناً فيكون حجة على الكافر والمستبعد { فلما تبين له } أي هذا الأمر الخارق الباهر الدال على ما وصف{[12581]} سبحانه وتعالى به{[12582]} نفسه المقدسة في آية الكرسي . قال الحرالي : وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره { قال أعلم } بصيغة الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى . ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم يزل متصفاً بهذا العلم{[12583]} من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذاراً عن تعبيره في التعجيب{[12584]} بما دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله{[12585]} استبعاداً لتعليق القدرة بذلك لا{[12586]} للقدرة عليه { أن الله } أي لما أعلم من عظمته { على كل شيء } أي من هذا وغيره { قدير * } قال الحرالي : في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار إلحاقاً لما دون{[12587]} آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في العلم أن محييك{[12588]} هو مصرفك ، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك بقدرته{[12589]} فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء{[12590]} الحفظ بالله والعظمة لله ، فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله سبحانه وتعالى بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى . وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر لمن استخفه{[12591]} من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية{[12592]} هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية عمن استحق القتل .


[12518]:في الأصل: بإشهار، والتصحيح من م ومد وظ.
[12519]:في الأصل: المستعيد، والتصحيح من م وظ ومد.
[12520]:في ظ: به ـ كذا.
[12521]:في الأصل: بالكافر، والتصحيح من م وظ ومد.
[12522]:في م: التعجب.
[12523]:في مد: للبعد.
[12524]:سورة 55 آية 60.
[12525]:سورة 21 آية 3.
[12526]:في الأصل: أخيار، والتصحيح من م ومد وظ.
[12527]:في مدك أفما.
[12528]:من م وظ ومد، وفي الأصل: لهذا.
[12529]:زيد من م وظ ومد.
[12530]:من م ومد وظ، وفي الأصل: إلى.
[12531]:زيدت من م وظ ومد.
[12532]:من م ومد وظ، وفي الأصل: جدا.
[12533]:في م: للعروش.
[12534]:في الأصل: من، والتصحيح من م وظ ومد.
[12535]:من م ومد، وفي الأصل: حاله، وفي ظ: حال.
[12536]:في ظ: الاستعبار.
[12537]:ليست في ظ.
[12538]:ليست في ظ.
[12539]:في م: بمعنى.
[12540]:في ظ: استيعاده.
[12541]:من م ومد، وفي الأصل وظ: يطرق.
[12542]:في م: فكيف.
[12543]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بالايقان.
[12544]:في مد: موافقا.
[12545]:ليست في ظ.
[12546]:ليست في ظ.
[12547]:زيد من م ومد وظ.
[12548]:في الأصل: فيكون، والتصحيح من م وظ ومد.
[12549]:في م وظ: يستبعده، وفي مد: استبعده.
[12550]:في م ومد: لقوله.
[12551]:من مد وظ، وفي الأصل وم: حمارة.
[12552]:في م: أو.
[12553]:زيد من م ومد وظ.
[12554]:سورة 80 آية 22.
[12555]:في الأصل: ممن، والتصحيح من م ومد وظ.
[12556]:من م ومد وظ، وفي الأصل: من.
[12557]:في م: خاطبه.
[12558]:ليس في م.
[12559]:زيد من ظ ومد.
[12560]:من ظ، وفي م: أبين، وفي الأصل: بين.
[12561]:ليس في م.
[12562]:ليس في م.
[12563]:زيد من م ومد وظ.
[12564]:من م ومد وظ، وفي الأصل: مفتع.
[12565]:زيد من م ومد وظ.
[12566]:ليس في مد.
[12567]:ليس في مد.
[12568]:من م وظ ومد، وفي الأصل: له.
[12569]:زيد في م: كان.
[12570]:في مد: أمر.
[12571]:سقط من ظ.
[12572]:ليست في ظ.
[12573]:ليست في ظ.
[12574]:سقط من م.
[12575]:في ظ: هو.
[12576]:في الأصل: الدين، والتصحيح من م ومد وظ.
[12577]:من مد، وفي الأصل وم وظ: نشر.
[12578]:زيد من م وظ ومد.
[12579]:في مد: أبين.
[12580]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تبين.
[12581]:في م وظ: به سبحانه.
[12582]:في مد: عن.
[12583]:زيد من م وظ ومد.
[12584]:في م ومد وظ: التعجب.
[12585]:في م: قال.
[12586]:في الأصل: إلا، والتصحيح من م ومد وظ.
[12587]:في الأصل: دونه، والتصحيح من م وظ ومد.
[12588]:من م ومد وظ، وفي الأصل: محيتك ـ كذا.
[12589]:زيدت من م وظ ومد غير أن في ظ: علمك ـ مكان: عملك.
[12590]:في م: أبد.
[12591]:في الأصل: استحقه، والتصحيح من م وظ ومد.
[12592]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الالهية.