( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) . .
هذا هو المبدأ العام الذي يريد تقريره . فالكتابة أمر مفروض بالنص ، غير متروك للاختيار في حالة الدين إلى أجل . لحكمة سيأتي بيانها في نهاية النص .
( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) . .
وهذا تعيين للشخص الذي يقوم بكتابة الدين فهو كاتب . وليس أحد المتعاقدين . وحكمة استدعاء ثالث - ليس أحد الطرفين في التعاقد - هي الاحتياط والحيدة المطلقة . وهذا الكاتب مأمور أن يكتب بالعدل ، فلا يميل مع أحد الطرفين ، ولا ينقص أو يزيد في النصوص . .
( ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ) . .
فالتكليف هنا من الله - بالقياس إلى الكاتب - كي لا يتأخر ولا يأبى ولا يثقل العمل على نفسه . فتلك فريضة من الله بنص التشريع ، حسابه فيها على الله . وهي وفاء لفضل الله عليه إذ علمه كيف يكتب . . ( فليكتب )كما علمه الله .
وهنا يكون الشارع قد انتهى من تقرير مبدأ الكتابة في الدين إلى أجل . ومن تعيين من يتولى الكتابة . ومن تكليفه بأن يكتب . ومع التكليف ذلك التذكير اللطيف بنعمة الله عليه ، وذلك الإيحاء بأن يلتزم العدل . .
وهنا ينتقل إلى فقرة تالية يبين فيها كيف يكتب . .
( وليملل الذي عليه الحق . وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا . فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ) . .
إن المدين - الذي عليه الحق - هو الذي يملي على الكاتب اعترافه بالدين ، ومقدار الدين ، وشرطه وأجله . . ذلك خيفة أن يقع الغبن على المدين لو أملى الدائن ، فزاد في الدين ، أو قرب الأجل ، أو ذكر شروطا معينة في مصلحته . والمدين في موقف ضعيف قد لا يملك معه إعلان المعارضة رغبة في اتمام الصفقة لحاجته إليها ، فيقع عليه الغبن . فإذا كان المدين هو الذي يملي لم يمل إلا ما يريد الارتباط به عن طيب خاطر . ثم ليكون إقراره بالدين أقوى وأثبت ، وهو الذي يملي . . وفي الوقت ذاته يناشد ضمير المدين - وهو يملي - أن يتقي الله ربه ولا يبخس شيئا من الدين الذي يقر به ولا من سائر أركان الإقرار الأخرى . . فإن كان المدين سفيها لا يحسن تدبير أموره . أو ضعيفا - أي صغيرا أو ضعيف العقل - أو لا يستطيع أن يمل هو إما لعي أو جهل أو آفة في لسانه أو لأي سبب من الأسباب المختلفة الحسية أو العقلية . . فليملل ولي أمره القيم عليه . ( بالعدل ) . . والعدل يذكر هنا لزيادة الدقة . فربما تهاون الولي - ولو قليلا - لأن الدين لا يخصه شخصيا . كي تتوافر الضمانات كلها لسلامة التعاقد .
وبهذا ينتهي الكلام عن الكتابة من جميع نواحيها ، فينتقل الشارع إلى نقطة أخرى في العقد ، نقطة الشهادة :
( واستشهدوا شهيدين من رجالكم . فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان - ممن ترضون من الشهداء - أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) . .
إنه لا بد من شاهدين على العقد - ( ممن ترضون من الشهداء )- والرضى يشمل معنيين : الأول أن يكون الشاهدان عدلين مرضيين في الجماعة . والثاني أن يرضى بشهادتهما طرفا التعاقد . . ولكن ظروفا معينة قد لا تجعل وجود شاهدين أمرا ميسورا . فهنا ييسر التشريع فيستدعي النساء للشهادة ، وهو إنما دعا الرجال لأنهم هم الذين يزاولون الأعمال عادة في المجتمع المسلم السوي ، الذي لا تحتاج المرأة فيه أن تعمل لتعيش ، فتجوربذلك على أمومتها وأنوثتها وواجبها في رعاية أثمن الأرصدة الإنسانية وهي الطفولة الناشئة الممثلة لجيل المستقبل ، في مقابل لقيمات أو دريهمات تنالها من العمل ، كما تضطر إلى ذلك المرأة في المجتمع النكد المنحرف الذي نعيش فيه اليوم ! فأما حين لا يوجد رجلان فليكن رجل واحد وامرأتان . . ولكن لماذا امرأتان ؟ إن النص لا يدعنا نحدس ! ففي مجال التشريع يكون كل نص محددا واضحا معللا : ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) . . والضلال هنا ينشأ من أسباب كثيرة . فقد ينشأ من قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد ، مما يجعلها لا تستوعب كل دقائقه وملابساته ومن ثم لا يكون من الوضوح في عقلها بحيث تؤدي عنه شهادة دقيقة عند الاقتضاء ، فتذكرها الأخرى بالتعاون معا على تذكر ملابسات الموضوع كله . وقد ينشأ من طبيعة المرأة الانفعالية . فإن وظيفة الأمومة العضوية البيولوجية تستدعي مقابلا نفسيا في المرأة حتما . تستدعي أن تكون المرأة شديدة الاستجابة الوجدانية الانفعالية لتلبية مطالب طفلها بسرعة وحيوية لا ترجع فيهما إلى التفكير البطيء . . وذلك من فضل الله على المرأة وعلى الطفولة . . وهذه الطبيعة لا تتجزأ ، فالمرأة شخصية موحدة هذا طابعها - حين تكون امرأة سوية - بينما الشهادة على التعاقد في مثل هذه المعاملات في حاجة إلى تجرد كبير من الانفعال ، ووقوف عند الوقائع بلا تأثر ولا إيحاء . ووجود امرأتين فيه ضمانة أن تذكر إحداهما الأخرى - إذا انحرفت مع أي انفعال - فتتذكر وتفيء إلى الوقائع المجردة .
وكما وجه الخطاب في أول النص إلى الكتاب ألا يأبوا الكتابة ، يوجهه هنا إلى الشهداء ألا يأبوا الشهادة :
( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) .
فتلبية الدعوة للشهادة إذن فريضة وليست تطوعا . فهي وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحق . والله هو الذي يفرضها كي يلبيها الشهداء عن طواعيه تلبية وجدانية ، بدون تضرر أو تلكؤ . وبدون تفضل كذلك على المتعاقدين أو على أحدهما ، إذا كانت الدعوة من كليهما أو من أحدهما .
وهنا ينتهي الكلام عن الشهادة ، فينتقل الشارع إلى غرض آخر . غرض عام للتشريع . يؤكد ضرورة الكتابة - كبر الدين أم صغر - ويعالج ما قد يخطر للنفس من استثقال الكتابة وتكاليفها بحجة أن الدين صغير لا يستحق ، أو أنه لا ضرورة للكتابة بين صاحبيه لملابسة من الملابسات كالتجمل والحياء أو الكسل وقلة المبالاة ! ثم يعلل تشديده في وجوب الكتابة تعليلا وجدانيا وتعليلا عمليا :
( ولا تسأموا أن تكتبوه - صغيرا أو كبيرا - إلى أجله . ذلكم أقسط عند الله ، وأقوم للشهادة ، وأدنى ألا ترتابوا ) .
لا تسأموا . . فهو إدراك لانفعالات النفس الإنسانية حين تحس أن تكاليف العمل أضخم من قيمته . . ( ذلكم أقسط عند الله ) . . أعدل وأفضل . وهو إيحاء وجداني بأن الله يحب هذا ويؤثره . ( وأقوم للشهادة ) . فالشهادة على شيء مكتوب أقوم من الشهادة الشفوية التي تعتمد على الذاكرة وحدها . وشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أقوم كذلك للشهادة وأصح من شهادة الواحد ، أو الواحد والواحدة . ( وأدنى ألا ترتابوا ) :
أقرب لعدم الريبة . الريبة في صحة البيانات التي تضمنها العقد ، أو الريبة في أنفسكم وفي سواكم إذا ترك الأمر بلا قيد .
وهكذا تتكشف حكمة هذه الإجراءات كلها ؛ ويقتنع المتعاملون بضرورة هذا التشريع ، ودقة أهدافه ، وصحة إجراءاته . إنها الصحة والدقة والثقة والطمأنينة .
ذلك شأن الدين المسمى إلى أجل . أما التجارة الحاضرة فإن بيوعها مستثناة من قيد الكتابة . وتكفي فيهاشهادة الشهود تيسيرا للعمليات التجارية التي يعرقلها التعقيد ، والتي تتم في سرعة ، وتتكرر في أوقات قصيرة . ذلك أن الإسلام وهو يشرع للحياة كلها قد راعى كل ملابساتها ؛ وكان شريعة عملية واقعية لا تعقيد فيها ، ولا تعويق لجريان الحياة في مجراها :
تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم ، فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ) .
وظاهر النص أن الإعفاء من الكتابة رخصة لا جناح فيها . أما الإشهاد فموجب . وقد وردت بعض الروايات بأن الإشهاد كذلك للندب لا للوجوب . ولكن الأرجح هو ذاك .
والأن - وقد انتهى تشريع الدين المسمى ، والتجارة الحاضرة ، والتقى كلاهما عند شرطي الكتابة والشهادة - على الوجوب وعلى الرخصة - فإنه يقرر حقوق الكتاب والشهداء كما قرر واجباتهم من قبل . . لقد أوجب عليهم ألا يأبوا الكتابة أو الشهادة . فالأن يوجب لهم الحماية والرعاية ليتوازن الحق والواجب في أداء التكاليف العامة .
( ولا يضار كاتب ولا شهيد . وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم . واتقوا الله ويعلمكم الله . والله بكل شيء عليم ) .
لا يقع ضرر على كاتب أو شهيد ، بسبب أدائه لواجبه الذي فرضه الله عليه . وإذا وقع فإنه يكون خروجا منكم عن شريعة الله ومخالفة عن طريقه . وهو احتياط لا بد منه . لأن الكتاب والشهداء معرضون لسخط أحد الفريقين المتعاقدين في أحيان كثيرة . فلا بد من تمتعهم بالضمانات التي تطمئنهم على أنفسهم ، وتشجعهم على أداء واجبهم بالذمة والأمانة والنشاط في أداء الواجبات ، والحيدة في جميع الأحوال . ثم - وعلى عادة القرآن في إيقاظ الضمير ، واستجاشة الشعور كلما هم بالتكليف ، ليستمد التكليف دفعته من داخل النفس ، لا من مجرد ضغط النص - يدعو المؤمنين إلى تقوى الله في النهاية ؛ ويذكرهم بأن الله هو المتفضل عليهم ، وهو الذي يعلمهم ويرشدهم ، وأن تقواه تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيىء أرواحهم للتعليم ، ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة والرضى والإذعان :
ولما نهى سبحانه وتعالى عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من الدين مأذوناً فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله{[13755]} في المطالبة برؤوس الأموال عقب ذلك بآية الدين . وأيضاً فإنه سبحانه وتعالى لما ذكر في المال أمرين ينقصانه ظاهراً ويزكيانه باطناً : الصدقة{[13756]} وترك الربا ، و{[13757]}أذن في رؤوس الأموال وأمر بالإنظار{[13758]} في الإعسار وختم بالتهديد فكان ذلك{[13759]} ربما أطمع المدين في شيء من الدين ولو بدعوى الإعسار{[13760]} اقتضى حال الإنسان لما له من النقصان الإرشاد إلى حفظ المال الحلال{[13761]} وصونه عن الفساد والتنبيه{[13762]} على كيفية التوثق فقال : { يا أيها الذين آمنوا{[13763]} } كالذي تقدمه { إذا تداينتم } من التداين تفاعل بين اثنين من الدين ، والدين في الأمر الظاهر معاملة على تأخير{[13764]} كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى معاملة على تأخير - قاله الحرالي . أي أوقعتم{[13765]} بينكم ذلك{[13766]} . والدين {[13767]}مال مرسل في الذمة{[13768]} سواء كان مؤجلاً أو لا ، وهو خلاف الحاضر و{[13769]}العين{[13770]} ، و{[13771]}قال : { بدين } {[13772]}مع دلالة الفعل عليه{[13773]} ليخرج بيع الدين بالدين ، لأنه مداينة بدينين{[13774]} . قال الحرالي : فكان في إعلامه أي بالإتيان بصيغة إذا أنهم لا بد أن يتداينوا لأنها حين منتظر في أغلب معناها - انتهى . وأرشد{[13775]} إلى ضبطه بالوقت إشارة إلى أنه يجوز كونه حالاً{[13776]} وإلى أن الأجل و{[13777]}هو الوقت المحدود وأصله التأخير إن كان مجهولاً كان باطلاً بقوله : { إلى أجل مسمى } قال الحرالي : من التسمية وهي{[13778]} إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور -{[13779]} وهو إبداء الشيء بصورته في العين .
ولما كان الله سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير قد أجرى سنته في دينه بالكتابة فأمر ملائكته وهم الأمناء العدول بإثبات أعمال الخلق {[13780]}لحكم{[13781]} ومصالح لا تخفى وأنزل كتابه الشريف شهادة لهم وعليهم بما يوفونه{[13782]} في يوم الدين من ثواب وعقاب قطعاً لحججهم أمرهم أن يكون عملهم في الدين{[13783]} كما كان فعله في الدين فأرشدهم إلى إثبات ما يكون دينهم{[13784]} من المعاملات لئلا{[13785]} يجر{[13786]} ذلك إلى{[13787]} المخاصمات {[13788]}فقال سبحانه{[13789]} وتعالى{[13790]} أمراً للإرشاد{[13791]} لا للإيجاب{[13792]} { فاكتبوه } وفي ذكر الأجل إشارة إلى البعث الذي وقع الوعد بالوفاء فيه{[13793]}{ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون {[13794]}* }[ المؤمنون : 115 ] { ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده{[13795]} }[ الأنعام : 2 ] ولما{[13796]} أمر بالكتابة وكان المراد تحصيلها في الجملة لا من أحد بعينه لأن أغلب الناس {[13797]}لا يحسنها{[13798]} أتبعها الإرشاد إلى تخير{[13799]} الكاتب بقوله : { وليكتب بينكم } أي الدين المذكور { كاتب } وإن كان صبياً أو عبداً كتابة مصحوبة { بالعدل } {[13800]}استناناً به{[13801]} سبحانه وتعالى في ملائكته
( وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين{[13802]} * }[ الانفطار : 10 ] { بأيدي سفرة * كرام بررة{[13803]} * }[ عبس :15 ] .
ولما أرشد إلى تخير{[13804]} الكاتب تقدم إليه بالنهي تقديماً لدرء المفاسد ثم الأمر فقال : { ولا يأب كاتب أن يكتب } أي ما ندب إليه من ذلك { كما علمه الله } أي لأجل{[13805]} الذي هو غني عنه وعن غيره{[13806]} من خلقه شكراً له{[13807]} على تلك النعمة وكتابة مثل الكتابة التي{[13808]} علمها الله{[13809]} سبحانه وتعالى لا ينقص{[13810]} عنها{[13811]} شيئاً { فليكتب } وفي ذلك تنبيه على ما في بذل الجهد في النصيحة من المشقة .
ولما كان ذلك وكان لا بد فيه من ممل بين من يصح إملاؤه للمكتوب فقال : { وليملل } من الإملال{[13812]} وهو إلقاء ما تشتمل{[13813]} عليه الضمائر على اللسان قولاً وعلى الكتاب رسماً - قاله الحرالي { الذي عليه الحق } ليشهد عليه المستملي{[13814]} ومن يحضره .
ولما كانت الأنفس مجبولة على محبة الاستئثار{[13815]} على الغير حذرها مما{[13816]} لا يحل من ذلك فقال : { وليتق الله } فعبر بالاسم الأعظم ليكون أزجر للمأمور ثم قال : { ربه } تذكيراً بأنه لإحسانه لا يأمر إلا بخير ، و{[13817]}ترجية للعوض{[13818]} في ذلك إذا أدى فيه الأمانة في الكم والكيف من الأجل وغيره ؛ وأكد ذلك بقوله : { ولا يبخس } من البخس وهو أسوأ النقص الذي لا تسمح به الأنفس لبعده عن محل السماح{[13819]} إلى وقوعه في حد الضيم { منه شيئاً } .
ولما كان هذا المملي قد يكون لاغي العبارة وكان الإملاء لا يقدر عليه كل أحد قال سبحانه وتعالى : { فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً } فلا يعتبر إقراره لضعف رأيه ونظره ونقص حظه من حكمة الدنيا { أو ضعيفاً } عن الإملاء في ذلك الوقت لمرض أو غيره من صبا أو جنون أو هرم{[13820]} من الضعف وهو وهن{[13821]} القوى حساً أو معنى { أو لا يستطيع أن يمل هو } كعيّ{[13822]} أو حياء أو عجمة ونحوه { فليملل وليه } القائم لمصالحه من أب أو وصي أو حاكم أو ترجمان أو وكيل { بالعدل } فلا يحيف عليه{[13823]} ولا على{[13824]} ذي الحق . قال الحرالي : فجعل لسان الولي لسان المولى عليه ، فكان فيه{[13825]} مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام الله سبحانه وتعالى على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من{[13826]} قوله :{ إياك نعبد وإياك نستعين }[ الفاتحة : 5 ] وما تفصل{[13827]} منها{ الله ولي الذين آمنوا }[ البقرة : 257 ] أمل{[13828]} ما عليهم من الحقوق له فجعل كلاماً من كلامه يتلونه ، فكان الإملال{[13829]} منه لهم لتقاصرهم عن واجب حقه تقاصر السفيه ومن معه عن إملال{[13830]} وليه عنه لرشده وقوته وتمكن{[13831]} استطاعته - انتهى .
ولما لم يكن بين الكتابة والشهادة ملازمة نص عليها وبين أهلها فقال : { واستشهدوا } أي اطلبوا الشهادة وأوجدوها مع الكتابة ودونها { شهيدين{[13832]} } قال الحرالي فجعل شهادة الدين باثنين كما جعل الشاهد{[13833]} في الدين اثنين : شاهد التفكر{[13834]} في الآيات المرئية{[13835]} وشاهد التدبر{[13836]} للآيات المسموعة ، و{[13837]}في صيغة فعيل{[13838]} مبالغة في المعنى في تحقق الوصف بالاستبصار والخبرة{[13839]} - انتهى .
ولما بيّن عدد الشاهد بيّن نوعه فقال : { من رجالكم } وأعلم بالإضافة اشتراط كونه مسلماً وإطلاق هذا {[13840]}الذي ينصرف{[13841]} إلى الكامل مع ما يؤيده في الآية {[13842]}يفهم الحريّة كقوله{[13843]} { ولا يأب الشهداء } والإتيان بصيغة المبالغة في الشاهد وتقييده مع ذلك بالرضى{[13844]} وتعريف الشهداء و{[13845]}نحوه . قال الحرالي : ولكثرة المداينة وعمومها وسع فيها الشهادة فقال : { فإن لم يكونا } أي الشاهدان{[13846]} { رجلين }{[13847]} أي على صفة الرجولية كلاهما{[13848]} { فرجل وامرأتان } وفي عموم معنى الكون إشعار بتطرق{[13849]} شهادة{[13850]} المرأتين مع إمكان طلب الرجل بوجه ما من حيث لم يكن ، فإن لم تجدوا ففيه تهدف للخلاف بوجه ما من حيث إن شمول الكتاب توسعة في العلم سواء كان على تساو أو على ترتب ؛ ولما كنّ ناقصات عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان رجل - انتهى . ولما بيّن العدد بيّن الوصف فقال : { ممن ترضون } أي في العدالة { من الشهداء } هذا في الديون ونحوها . قال الحرالي : وفي مفهوم الشهادة استبصار نظر الشاهد لما في الشهود من إدراك معنى خفي في صورة ظاهر{[13851]} يهدي إليها النظر النافذ{[13852]} - انتهى .
ولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال العدد من النساء علله بما يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال : { أن تضل إحداهما } أي تغيب عنها الشهادة {[13853]}فتنساها أو شيئاً منها{[13854]} { فتذكر إحداهما الأخرى } {[13855]}فتهتدي إلى ما ضلت عنه بواسطة الذاكرة{[13856]} . قال الحرالي : بما هي أعرف بمداخل الضلال عليها ، لأن المتقاربين أقرب في التعاون ، وفي قراءتي التخفيف والتثقيل إشعار بتصنيف النساء صنفين في رتبة هذه الشهادة من يلحقها الضلال عن بعض ما شهدت فيه حتى تذكر بالتخفيف ولا يتكرر عليها ذلك ومن شأنها أن يتكرر عليها ذلك ، وفي إبهامه بلفظ إحدى {[13857]}أي من غير اقتصار على الضمير الذي يعين ما يرجع إليه إشعار أن ذلك يقع بينهما متناوباً حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر فأذكرت كل واحدة منهما صاحبتها فلذلك يقوم بهما معاً شاهد واحد حافظ - انتهى . وفي ذكر الإذكار منع من الشهادة بدون الذكر ، {[13858]}والآية من الاحتباك{[13859]} . ولما أفهم ذلك الحث على الشهادة صرح به في قوله : { ولا يأب الشهداء } أي تحمل الشهادة وأدائها بعد التحمل { إذا ما دعوا } دعاء جازماً بما أفهمته زيادة ما .
ولما تمّ ذلك وكان صغير الحق وكبيره ربما تُركت كتابته تهاوناً بالصغير ومللاً للكبير حذر من ذلك ولم يجعله في صلب الأمر قبل الإشهاد بل أفرده بالذكر تعظيماً لشأنه فقال : { ولا تسئموا } من السآمة . قال الحرالي : بناء مبالغة وهو أشد الملالة { أن تكتبوه } أي لا تفعلوا فعل السئيم فتتركوا كتابته { صغيراً } كان الدين { أو كبيراً } طالت الكتابة أو قصرت .
قال الحرالي : ولم يكن قليلاً أو كثيراً ، لأن الكثرة والقلة واقعة بالنسبة إلى الشيء المعدود في ذاته ، والصغير والكبير يقع بالنسبة إلى المداين ، فربما كان الكثير{[13860]} في العدد صغير القدر عند الرجل الجليل المقدار ، وربما كان القليل العدد كثيراً{[13861]} بالنسبة إلى الرجل المشاحح فيه ، فكان الصغر والكبر أشمل وأرجع إلى حال المداين الذي هو المخاطب بأن يكتب انتهى . { إلى أجله } أي الذي توافقتم وتواثقتم عليه .
ولما كان كأنه قيل : ما فائدة ذلك ؟ فقيل : { ذلكم{[13862]} } إشارة بأداة البعد وميم الجمع إلى عظم جدواه . قال الحرالي : ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن إقبالاً على النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - انتهى . { أقسط } أي أعدل فقد نقل عن ابن السيد{[13863]} أنه قال في كتابه الاقتضاب : إن قسط بمعنى جار وبمعنى عدل . وقال الحرالي : { أقسط } من الإقساط وهو وضع القسط وهو حفظ الموازنة حتى لا تخرج{[13864]} إلى تطفيف{[13865]} . ثم زاد تعظيمه بقوله : { عند الله } أي الذي هو محيط بصفات الكمال بالنسبة إلى كل صفة من صفاته ، لأنه يحمل على العدل بمنع{[13866]} المغالطة والتلون في شيء من أحوال ذلك الدين { وأقوم للشهادة } أي وأعدل في قيام الشهادة إذا طلب من الشاهد أن يقيمها بما هو مضبوط له وعليه { وأدنى } أي أقرب في { ألاّ ترتابوا } أي تشكوا في شيء من الأمر الذي وقع . قال الحرالي : ففي إشعاره أنه ربما داخل الرجل{[13867]} والرجلين نحو ما داخل المرأتين فيكون الكتاب مقيماً لشهادتهما ، فنفى عن الرجال الريبة{[13868]} بالكتاب كما نفى عن النساء الضلال بالذكر{[13869]} - انتهى .
ولما كان الدين المؤجل أعم من أن يكون قرضاً أو تجارة ينمي{[13870]} بها المال المأمور بالإنفاق منه في وجوه الخير النافعة يوم الدين وكان قد أكد في أمر الكتابة تأكيداً ربما ظن معه الحث عليها ولو لم يكن أجل نبه على أن العلة فيها الأجل{[13871]} الذي هو مظنة النسيان المستولي على الإنسان بقوله : { إلا أن تكون } أي المداينة { تجارة حاضرة } هذا على قراءة عاصم ، وكان في قراءة غيره{[13872]} تامة { تديرونها بينكم } أي يداً بيد ، من الإدارة . قال الحرالي : من أصل{[13873]} الدور وهو رجوع الشيء عوداً على بدئه{[13874]} { فليس عليكم } حينئذ{[13875]} { جناح } أي اعتراض في { ألاّ تكتبوها } أي لأنها مناجزة{[13876]} وهي عرض زائل لا يكاد يستقر في يد أحد لأن القصد به المتجر{[13877]} لا{[13878]} الاستبقاء{[13879]} فبعد ما يخشى{[13880]} من التجاحد .
ولما كان البيع أعم من أن يقصد به المتجر أو{[13881]} غير ذلك من وجوه الانتفاع قال : { وأشهدوا } سواء كانت كتابة أو لا { إذا تبايعتم } أي على وجه المتجر عاجلاً أو آجلاً أو لا للمتجر ، لأن الإشهاد أبعد من الخلاف وأقرب إلى التصادق{[13882]} {[13883]}بما فيه من الإنصاف{[13884]} ، والأمر للإرشاد فلا يجب{[13885]} .
ولما ألزم في صدر الخطاب الكاتب أن يكتب والشهيد{[13886]} أن يجيب{[13887]} ولا يأبى{[13888]} وأكد ذلك بصيغة تشمل المستكتب والمستشهد فقال ناهياً{[13889]} : { ولا يضار } يصح أن يكون للفاعل والمفعول{[13890]} وهو صحيح المعنى على كل منهما { كاتب ولا شهيد } أي لا يحصل ضرر منهم{[13891]} ولا عليهم . قال الحرالي : ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده ويعينه على الائتمار لأمر ربه بما يدفع عنه من ضرر عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه ، ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي{[13892]} عنه - انتهى . { وإن تفعلوا } أي ما نهيتم عنه من الضرار{[13893]} وغيره { فإنه فسوق } أي خروج { بكم } عن الشرع{[13894]} الذي نهجه الله لكم . قال الحرالي : وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى .
وختم آيات هذه المعاملات بصفة{[13895]} العلم بعد الأمر بالتقوى في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من الحيل التي{[13896]} يجتلب{[13897]} كل منهم بها الحظ لنفسه ، والترغيب في امتثال ما أمرهم{[13898]} به في هذه الجمل بأنه{[13899]} من علمه وتعليمه فقال تعالى - عاطفاً على ما تقدم من أمر ونهي ، أو على ما تقديره : فافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه- : { واتقوا الله } أي خافوا {[13900]}الذي له العظمة كلها{[13901]} فيما أمركم به{[13902]} ونهاكم من هذا و{[13903]}غيره . ولما كان التقدير استئنافاً لبيان فخامة هذه التنبيهات{[13904]} يرشدكم الله إلى مثل هذه المراشد لإصلاح ذات بينكم ، عطف عليه قوله : { ويعلمكم الله } أي يدريكم{[13905]} الذي له الكمال كله{[13906]} بذلك على العلم . وقال الحرالي{[13907]} : وفي قوله : { يعلم } بصيغة الدوام إيذان بما يستمر به التعليم من دون هذا{[13908]} المنال{[13909]} انتهى{[13910]} .
{[13911]}وأظهر الاسم الشريف هنا وفي الذي بعده تعظيماً للمقام وتعميماً للتعليم فقال{[13912]} : { والله } {[13913]}أي الذي له الإحاطة الكاملة { بكل شيء عليم * } وهذا الختم جامع لبشرى التعليم ونذارة{[13914]} التهديد .