في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ} (285)

285

فلننظر في هذه النصوص بشيء من التفصيل :

أركان الإيمان 285

( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون . كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله . لا نفرق بين أحد من رسله . وقالوا : سمعنا وأطعنا . غفرانك ربنا وإليك المصير )

إنها صورة للمؤمنين ، للجماعة المختارة التي تمثلت فيها حقيقة الإيمان فعلا . ولكل جماعة تتمثل فيها هذه الحقيقة الضخمة . . ومن ثم كرمها الله - سبحانه - وهو يجمعها - في حقيقة الإيمان الرفيعة - مع الرسول - [ ص ] وهو تكريم تدرك الجماعة المؤمنة حقيقته ؛ لأنها تدرك حقيقة الرسول الكبيرة ؛ وتعرف أي مرتقى رفعها الله إليه عنده ، وهو يجمع بينها وبين الرسول [ ص ] في صفة واحدة ، في آية واحدة ، من كلامه الجليل :

( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ) . .

وإيمان الرسول بما أنزل إليه من ربه هو إيمان التلقي المباشر . تلقي قلبه النقي للوحي العلي . واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة . الحقيقة التي تتمثل في كيانه بذاتها من غير كد ولا محاولة ؛ وبلا أداة أو واسطة . وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها فلا يصفها إلا من ذاقها ، ولا يدركها من الوصف - على حقيقتها - إلا من ذاقها كذلك ! فهذا الإيمان - إيمان الرسول [ ص ] هو الذي يكرم الله عباده المؤمنين فيجمعهم في الوصف مع الرسول الكريم . على فارق ما بين مذاقه في كيان الرسول [ ص ] بطبيعة الحال وكيان أي سواه ممن لم يتلق الحقيقة المباشرة من مولاه .

فما هي طبيعة هذا الإيمان وحدوده ؟

( كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله . لا نفرق بين أحد من رسله . وقالوا : سمعنا وأطعنا . غفرانك ربنا وإليك المصير ) . .

إنه الإيمان الشامل الذي جاء به هذا الدين . الإيمان الذي يليق بهذه الأمة الوارثة لدين الله ، القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة ، الضاربة الجذور في أعماق الزمان ، السائرة في موكب الدعوة وموكبالرسول وموكب الإيمان الممتد في شعاب التاريخ البشري ، الإيمان الذي يتمثل البشرية كلها منذ نشأتها إلى نهايتها صفين اثنين : صف المؤمنين وصف الكافرين . حزب الله وحزب الشيطان . فليس هنالك صف ثالث على مدار الزمان .

( كل آمن بالله ) . .

والإيمان بالله في الإسلام قاعدة التصور . وقاعدة المنهج الذي يحكم الحياة . وقاعدة الخلق وقاعدة الاقتصاد . وقاعدة كل حركة يتحركها المؤمن هنا أو هناك .

الإيمان بالله معناه إفراده - سبحانه - بالألوهية والربوبية والعبادة . ومن ثم إفراده بالسيادة على ضمير الإنسان وسلوكه في كل أمر من أمور الحياة .

ليس هناك شركاء - إذن - في الألوهية أو الربوبية . فلا شريك له في الخلق . ولا شريك له في تصريف الأمور . ولا يتدخل في تصريفه للكون والحياة أحد . ولا يرزق الناس معه أحد . ولا يضر أو ينفع غيره أحد . ولا يتم شيء في هذا الوجود صغيرا كان أو كبيرا إلا ما يأذن به ويرضاه .

وليس هناك شركاء في العبادة يتجه إليهم الناس . لا عبادة الشعائر ولا عبادة الخضوع والدينونة . فلا عبادة إلا لله . ولا طاعة إلا لله ولمن يعمل بأمره وشرعه ، فيتلقى سلطانه من هذا المصدر الذي لا سلطان إلا منه . فالسيادة على ضمائر الناس وعلى سلوكهم لله وحده بحكم هذا الإيمان . ومن ثم فالتشريع وقواعد الخلق ، ونظم الاجتماع والاقتصاد لا تتلقى إلا من صاحب السيادة الواحد الأحد . . من الله . . فهذا هو معنى الإيمان بالله . . ومن ثم ينطلق الإنسان حرا إزاء كل من عدا الله ، طليقا من كل قيد إلا من الحدود التي شرعها الله ، عزيزا على كل أحد إلا بسلطان من الله .

( وملائكته ) .

والإيمان بملائكة الله طرف من الإيمان بالغيب ، الذي تحدثنا عن قيمته في حياة الإنسان في مطلع السورة - في الجزء الأول من الظلال - وهو يخرج الإنسان من نطاق الحواس المضروب على الحيوان ؛ ويطلقه يتلقى المعرفة مما وراء هذا النطاق الحيواني ؛ وبذلك يعلن " إنسانيته " بخصائصها المميزة . . ذلك بينما هو يلبي فطرة الإنسان وشوقه إلى المجاهيل التي لا تحيط بها حواسه ، ولكنه يحس وجودها بفطرته . فإذا لم تلب هذه الأشواق الفطرية بحقائق الغيب - كما منحها الله له - اشتطت وراء الأساطير والخرافات لتشبع هذه الجوعة ؛ أو أصيب الكيان الإنساني بالخلخلة والاضطراب .

والإيمان بالملائكة : إيمان بحقيقة غيبية ، لا سبيل للإدراك البشري أن يعرفها بذاته ، بوسائله الحسية والعقلية المهيأة له . . بينما كيانه مفطور على الشوق إلى معرفة شيء من تلك الحقائق الغيبية . ومن ثم شاءت رحمة الله بالإنسان - وهو فاطره وهو العليم بتكوينه وأشواقه وما يصلح له ويصلحه - أن يمده بطرف من الحقائق الغيبية هذه ، ويعينه على تمثلها - ولو كانت أدواته الذاتية قاصرة عن الوصول إليها - وبذلك يريحه من العناء ومن تبديد الطاقة في محاولة الوصول إلى تلك الحقائق التي لا يصلح كيانه وفطرته بدون معرفتها ، ولا يطمئن باله ولا يقر قراره قبل الحصول عليها ! بدليل أن الذين أرادوا أن يتمردوا على فطرتهم ، فينفوا حقائق الغيبمن حياتهم ، استبدت ببعضهم خرافات وأوهام مضحكة ؛ أو اضطربت عقولهم واعصابهم وامتلأت بالعقد والانحرافات !

وفضلا على ذلك كله فإن الإيمان بحقيقة الملائكة - شأنه شأن الإيمان بالحقائق الغيبية المستيقنة التي جاءت من عند الله - يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود ، فلا تنكمش صورة الكون في تصور المؤمن حتى تقتصر على ما تدركه حواسه - وهو ضئيل - كما أنه يؤنس قلبه بهذه الأرواح المؤمنة من حوله ؛ تشاركه إيمانه بربه ، وتستغفر له ، وتكون في عونه على الخير - بإذن الله - وهو شعور لطيف ندي مؤنس ولا شك . . ثم هنالك المعرفة : المعرفة بهذه الحقيقة وهي في ذاتها فضل يمنحه الله للمؤمنين به وبملائكته . .

( وكتبه ورسله ) . . ( لا نفرق بين أحد من رسله ) .

والإيمان بكتب الله ورسله بدون تفرقة بين أحد من رسله هو المقتضى الطبيعي الذي ينبثق من الإيمان بالله في الصورة التي يرسمها الإسلام . فالإيمان بالله يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله ، وصدق كل الرسل الذين يبعثهم الله ، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم ، وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم . . ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم . فكلهم جاء من عند الله بالإسلام في صورة من صوره المناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم ؛ حتى انتهى الأمر إلى خاتم النبيين محمد [ ص ] فجاء بالصورة الأخيرة للدين الواحد ، لدعوة البشرية كلها إلى يوم القيامة .

وهكذا تتلقى الأمة المسلمة تراث الرسالة كله ؛ وتقوم على دين الله في الأرض ، وهي الوارثة له كله ؛ ويشعر المسلمون - من ثم - بضخامة دورهم في هذه الأرض إلى يوم القيامة . فهم الحراس على أعز رصيد عرفته البشرية في تاريخها الطويل . وهم المختارون لحمل راية الله - وراية الله وحدها - في الأرض ، يواجهون بها رايات الجاهلية المختلفة الشارات ، من قومية ووطنية وجنسية وعنصرية وصهيونية وصليبية واستعمارية وإلحادية . . إلى آخر شارات الجاهلية التي يرفعها الجاهليون في الأرض ، على اختلاف الأسماء والمصطلحات واختلاف الزمان والمكان .

إن رصيد الإيمان الذي تقوم الأمة المسلمة حارسة عليه في الأرض ، ووارثة له منذ أقدم الرسالات ، هو أكرم رصيد وأقومه في حياة البشرية . إنه رصيد من الهدى والنور ، ومن الثقة والطمأنينة ، ومن الرضى والسعادة ، ومن المعرفة واليقين . . وما يخلو قلب بشري من هذا الرصيد حتى يجتاحه القلق والظلام ، وتعمره الوساوس والشكوك ، ويستبد به الأسى والشقاء . ثم يروح بتخبط في ظلماء طاخية ، لا يعرف أين يضع قدميه في التيه الكئيب !

وصرخات القلوب التي حرمت هذا الزاد ، وحرمت هذا الأنس ، وحرمت هذا النور ، صرخات موجعة في جميع العصور . . هذا إذا كان في هذه القلوب حساسية وحيوية ورغبة في المعرفة ولهفة على اليقين . فأما القلوب البليدة الميتة الجاسية الغليظة ، فقد لا تحس هذه اللهفة ولا يؤرقها الشوق إلى المعرفة . . ومن ثم تمضيفي الأرض كالبهيمة تأكل وتستمتع كما تأكل الأنعام وتستمتع . وقد تنطح وترفس كالبهيمة ، أو تفترس وتنهش كالوحش ؛ وتزاول الطغيان والجبروت والبغي والبطش ، وتنشر الفساد في الأرض . . ثم تمضي ملعونة من الله ملعونة من الناس !

والمجتمعات المحرومة من تلك النعمة مجتمعات بائسة - ولو غرقت في الرغد المادي - خاوية - ولو تراكم فيها الإنتاج - قلقة - ولو توافرت لها الحريات والأمن والسلام الخارجي - وأمامنا في أمم الأرض شواهد على هذه الظاهرة لا ينكرها إلا مراوغ يتنكر للحس والعيان !

والمؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله ، يتوجهون إلى ربهم بالطاعة والتسليم ، ويعرفون أنهم صائرون إليه ، فيطلبون مغفرته من التقصير :

( وقالوا : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا ، وإليك المصير ) .

ويتجلى في هذه الكلمات أثر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله . يتجلى في السمع والطاعة ، السمع لكل ما جاءهم من عند الله ، والطاعة لكل ما أمر به الله . فهو إفراد الله بالسيادة كما ذكرنا من قبل ، والتلقي منه في كل أمر . فلا إسلام بلا طاعة لأمر الله ، وإنفاذ لنهجه في الحياة . ولا إيمان حيث يعرض الناس عن أمر الله في الكبيرة والصغيرة من شؤون حياتهم ؛ أو حيث لا ينفذون شريعته ، أو حيث يتلقون تصوراتهم عن الخلق والسلوك والاجتماع والاقتصاد والسياسة من مصدر غير مصدره . فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل .

ومع السمع والطاعة . . الشعور بالتقصير والعجز عن توفية آلاء الله حق شكرها ؛ وفرائض الله حق أدائها . والالتجاء إلى رحمة الله لتتدارك تقصيرهم وعجزهم بسماحتها :

( غفرانك ربنا ) . .

ولكن طلب الغفران إنما يجيء بعد تقديم الاستسلام وإعلان السمع والطاعة ابتداء بلا عناد أو نكران . . وإنما يعقبه كذلك اليقين بأن المصير إلى الله . المصير إليه في الدنيا والآخرة . المصير إليه في كل أمر وكلعمل . فلا ملجأ من الله إلا إليه ؛ ولا عاصم من قدره ، ولا مرد لقضائه ولا نجوة من عقابه إلا برحمته وغفرانه :

( وإليك المصير ) .

وهذا القول يتضمن الإيمان باليوم الآخر - كما رأينا - والإيمان باليوم الآخر هو أحد مقتضيات الإيمان بالله وفق التصور الإسلامي ، الذي يقوم على أساس أن الله خلق الإنسان ليستخلفه في الأرض بعهد منه وشرط ، يتناول كل صغيرة وكبيرة من نشاطه في هذه الأرض ؛ وأنه خلقه واستخلفه ليبتليه في حياته الدنيا ، ثم ينال جزاءه بعد نهاية الابتلاء . . فاليوم الآخر والجزاء فيه حتمية من حتميات الإيمان وفق التصور الإسلامي . . وهذا الإيمان على هذا النحو هو الذي يكيف ضمير المسلم وسلوكه ، وتقديره للقيم والنتائج في هذه العاجلة . فهو يمضي في طريق الطاعة ، وتحقيق الخير ، والقيام على الحق والاتجاه إلى البر سواء كانت ثمرة ذلك - في الأرض - راحة له أم تعبا . كسبا له أم خسارة . نصرا له أم هزيمة . وجدانا له أو حرمانا . حياة له أو استشهادا . لأن جزاءه هناك في الدار الآخرة بعد نجاحه في الابتلاء ، واجتيازه للامتحان . . لا يزحزحه عن الطاعة والحق والخير والبر أن تقف له الدنيا كلها بالمعارضة والأذى والشر والقتل . . فهو إنما يتعامل مع الله ؛ وينفذ عهده وشرطه ؛ وينتظر الجزاء هناك !

إنها الوحدة الكبرى . طابع العقيدة الإسلامية . ترسمه هذه الآية القصيرة : الإيمان بالله وملائكته . والإيمان بجميع كتبه ورسله ، بلا تفريق بين الرسل ، والسمع والطاعة ، والإنابة إلى الله . واليقين بيوم الحساب .

إنه الإسلام . العقيدة اللائقة بأن تكون ختام العقائد ، وآخر الرسالات . العقيدة التي تصور موكب الإيمان الواصب من مبتدى الخليقة إلى منتهاها . وخط الهداية المتصل الموصول بأيدي رسل الله جميعا . المتدرج بالبشرية في مراقي الصعود . الكاشف لها عن الناموس الواحد بقدر ما تطيق : حتى يجيء الإسلام ، فيعلن وحدة الناموس كاملة ، ويدع للعقل البشري التفصيل والتطبيق .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ} (285)

فقد تبين من هذا تناسب هذه الآيات ، وأما مناسبتها لأول السورة رداً للمقطع{[14011]} على المطلع فهو أنه لما ابتدأ السورة بوصف المؤمنين بالكتاب الذي لا ريب فيه على الوجه الذي تقدم ختمها بذلك بعد تفصيل الإنفاق الذي وصفهم به أولها على وجه يتصل بما قبله من الأوامر والنواهي والاتصاف بأوصاف الكمال أشد اتصال{[14012]} ، وجعل رأسهم الرسول عليه أفضل {[14013]}الصلاة وأزكى{[14014]} السلام تعظيماً للمدح وترغيباً في ذلك الوصف {[14015]}فأخبر بإيمانهم{[14016]} بما أنزل إليه بخصوصه وبجميع الكتب وجميع الرسل وبقولهم الدال على كمال الرغبة وغاية الضراعة والخضوع فقال استئنافاً لجواب من كأنه قال : ما فعل{[14017]} من أنزلت عليه هذه الأوامر والنواهي وغيرها{[14018]} ؟ { آمن الرسول } أي بما ظهر{[14019]} له من المعجزة{[14020]} القائمة على أن الآتي إليه{[14021]} بهذا الوحي ملك من عند الله سبحانه وتعالى كما آمن الملك به بما ظهر{[14022]} له من المعجزة الدالة على أن الذي أتى به كلام الله أمره الله سبحانه وتعالى بإنزاله فعرفه إشارة إلى أنه أكمل الرسل في هذا الوصف باعتبار إرساله إلى جميع الخلائق الذين هم لله سبحانه وتعالى ، وأنه الجامع لما تفرق{[14023]} فيهم من الكمال ، وأنه المخصوص بما لم يعطه أحد منهم من المزايا والأفضال { بما أنزل إليه } أي من أن الله سبحانه وتعالى يحاسب بما ذكر وغير ذلك مما أمر بتبليغه ومما اختص {[14024]}هو به{[14025]} ورغب في الإيمان بما{[14026]} آمن به بقوله : { من ربه } أي المحسن إليه بجليل التربية المزكي له{[14027]} بجميل{[14028]} التزكية فهو لا ينزل{[14029]} إليه إلا ما هو غاية في الخير{[14030]} ومنه ما حصل له في دنياه من المشقة .

قال الحرالي : فقبل{[14031]} الرسول هذا الحساب الأول العاجل الميسر ليستوفي أمره منه وحظه في دنياه ، قال صلى الله عليه وسلم لما قالت له{[14032]} فاطمة رضي الله تعالى عنها عند موته : واكرباه ! : " لا كرب{[14033]} على أبيك بعد اليوم " وقال صلى الله عليه وسلم{[14034]} فيما رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله تعالى عنه " ما أوذي أحد في الله ما أوذيت " فنال حظه من حكمة{[14035]} ربه في دنياه حتى كان يوعك كما يوعك عشرة{[14036]} رجال ، وما شبع من خبز بر ثلاثاً تباعاً عاجلاً حتى لقي الله ؛ وكذلك المؤمن لا راحة له دون لقاء ربه ولا سجن{[14037]} عليه بعد خروجه من دنياه ، " الحمى{[14038]} حظ كل مؤمن من النار " انتهى . ولما أخبر عن الرأس أخبر عمن يليه فقال : { والمؤمنون } معبراً بالوصف الدال على الرسوخ{[14039]} أي آمنوا بما ظهر لهم من المعجزة التي أثبتت أنه كلام الله سبحانه وتعالى بما دلت على أن الآتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولما أجمل فصل فقال مبتدئاً{[14040]} : { كل } أي منهم . قال الحرالي : فجمعهم في كلية كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا ، لأن القبول واحد والرد يقع مختلفاً - انتهى . ثم أخبر عن ذلك المبتدأ بقوله : { آمن بالله{[14041]} } أي لما يستحقه من ذلك لذاته {[14042]}لما له من الإحاطة بالكمال{[14043]} { وملائكته } {[14044]}الذين منهم النازلون بالكتب{[14045]} ، لأن الإيمان بالمنزل يستلزم ذلك { وكتبه } أي كلها { ورسله } كلهم ، من البشر كانوا أو من الملائكة ، فإن فيما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم الإخبار بذلك . {[14046]}قال الحرالي : انقياداً لامتثال من البشر{[14047]} .

ولما كان في الناس من يؤمن ببعض الأنبياء{[14048]} ويكفر ببعض قال مؤكداً لما أفهمته صيغة الجمع المضاف من الاستغراق{[14049]} أي قالوا : { لا نفرق } كما فعل أهل الكتاب و{[14050]}عبر بما يشمل الاثنين فما فوقهما فقال{[14051]} : { بين أحد } {[14052]}أي واحد وغيره{[14053]} { من رسله } {[14054]}أي لا نجعل أحداً منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه{[14055]} في ذلك بل نؤمن بكل واحد منهم ، والذي دل على تقدير " قالوا " دون غيره{[14056]} أنه{[14057]} لما أكمل قولهم في القوة النظرية الكفيلة{[14058]} باعتقاد المبدأ أتبعه قولهم في القوة العملية الكائنة في الوسط عطفاً عليها : { وقالوا سمعنا } أي بآذان عقولنا {[14059]}كل ما{[14060]} يمكن أن يسمع عنك وعلمناه وأذعنا{[14061]} له { وأطعنا } أي لكل ما فيه من أمرك .

قال الحرالي : فشاركوا أهل الكتاب في طليعة{[14062]} الإباء وخالفوهم في معاجلة التوبة والإقرار بالسمع والطاعة فكان لهؤلاء ما للتائب وعلى أولئك ما على المصر - انتهى .

ولما كان الإنسان محل الزلل والنقصان أشاروا إلى ذلك تواضعاً منهم كما هو الأولى بهم لمقام الألوهية فقالوا مع طاعتهم معترفين{[14063]} بالمعاد : { غفرانك } أي اغفر لنا أو نسألك غفرانك الذي يليق{[14064]} إضافته إليك لما له من الكمال والشرف والجلال ما قصرنا فيه ولا تؤاخذنا به فإنك إن فعلت ذلك هلكنا ، والحاصل{[14065]} أنهم طلبوا أن يعاملهم بما هو أهله لا بما هم أهله فجرى{[14066]} بما جراهم عليه في{[14067]} قوله : { فيغفر لمن يشاء } . قال الحرالي : فهذا القول من الرسول صلى الله عليه وسلم كشف عيان{[14068]} ، ومن المؤمنين{[14069]} نشء{[14070]} إيمان ، ومن القائلين للسمع والطاعة قول إذعان ، فهو شامل للجميع{[14071]} كل على رتبته - انتهى . وزادوا تملقاً بقولهم : { ربنا } ذاكرين وصف الإحسان في مقام طلب الغفران . قال الحرالي : وهو خطاب قرب{[14072]} من حيث لم يظهر{[14073]} فيه{[14074]} أداة نداء ، ولم يجر الله سبحانه وتعالى على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز نداء بُعد قط ؛ والغفران فعلان صيغة مبالغة تعطي الملء{[14075]} ليكون غفراً للظاهر والباطن وهو مصدر محيط المعنى{[14076]} نازل منزلة الاستغفار الجامع لما أحاط به الظاهر والباطن مما أودعته الأنفس التي هي مظهر حكمة الله سبحانه وتعالى التي وقع فيها{[14077]} مجموع الغفران والعذاب { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } ففي ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين ومن تبعهم بالقول لحال{[14078]} المغفرة ، لأن هذه الخواتيم مقبولة من العبد بمنزلة الفاتحة لاجتماعهما في كونهما من الكنز الذي تحت العرش ، وعلى ما ورد من قوله : " حمدني عبدي - إلى أن قال : ولعبدي ما سأل{[14079]} " وعلى ما ورد في دعاء هذا الختم في قوله : " قد فعلت قد فعلت " وبما ابتدأ تعالى به آية هذا الحساب وختمها به من سلب الأمر أولاً وسلب القدرة عما سواه آخراً ، وكان{[14080]} في الابتداء والختم إقامة عذر القائلين ، فوجب لهم تحقق الغفران كما كان لأبيهم آدم حيث تلقى الكلمات من ربه - انتهى .

ولما كان التقدير بما أرشد إليه { ربنا } : فإنه منك مبدأنا{[14081]} ، عطف عليه قوله حثاً على الاجتهاد في كل ما أمر به ونهى عنه على وجه الإخلاص : { وإليك } {[14082]}أي لا إلى غيرك{[14083]} { المصير } أي مطلقاً لنا ولغيرنا . وقال ابن{[14084]} الزبير : ولما بين سبحانه وتعالى أن الكتاب هو الصراط المستقيم ذكر افتراق الأمم كما يشاء{[14085]} وأحوال الزائغين والمتنكبين{[14086]} تحذيراً من حالهم ونهياً عن مرتكبهم وحصل {[14087]}قبيل النزول{[14088]} بجملته وانحصار{[14089]} التاركين وأعقب بذكر ملتزمات المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر{[14090]} والأحكام والحدود وأعقب{[14091]} ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال سبحانه وتعالى : { آمن الرسول بما أنزل } فأعلم أن هذا إيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه وأنهم قالوا : { سمعنا{[14092]} وأطعنا } لا كقول بني إسرائيل . { سمعنا{[14093]} وعصينا }[ البقرة : 93 ]و أنه أثابهم على إيمانهم رفع الإصر والمشقة والمؤاخذة بالخطأ والنسيان فقال : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } ، فحصل من هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال أخذاً وتركاً و{[14094]}بيان شرف من أخذ به وسوء حال من تنكب{[14095]} عنه . وكان العباد لما علموا{[14096]}{ اهدنا الصراط المستقيم }[ الفاتحة : 6 ] - إلى آخر السورة قيل لهم : عليكم بالكتاب - إجابة لسؤالهم ؛ ثم بين لهم حال من سلك ما طلبوا فكان{[14097]} قيل لهم : أهل{[14098]} الصراط المستقيم وسالكوه هم الذين بيّن{[14099]} شأنهم وأمرهم ، والمغضوب عليهم من المتنكبين هم اليهود الذين بين أمرهم وشأنهم ، والضالون هم النصارى الذين{[14100]} بيّن{[14101]} أمرهم وشأنهم ؛ فيجب على من رغب في{[14102]} سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك ، وأن يسلم الأمر لله الذي تطلب{[14103]} منه الهداية ، ويتضرع إليه بأن لا يؤاخذه بما يثمره{[14104]} الخطأ والنسيان ، وأن لا يحمله ما ليس في وسعه ، وأن يعفو عنه - إلى آخر{[14105]} السورة{[14106]} ؛ انتهى .


[14011]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: للقطع.
[14012]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: إقصاف.
[14013]:ليس في ظ ومد.
[14014]:ليس في ظ ومد.
[14015]:في الأصل: فأخبرنا بما بهم، والتصحيح من م ومد وظ.
[14016]:في الأصل: فأخبرنا بما بهم، والتصحيح من م ومد وظ.
[14017]:زيد في الأصل: بكما، ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[14018]:من مد وظ، وفي الأصل: غيرهما، وليس في م.
[14019]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: أظهر.
[14020]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: العجزة.
[14021]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: له.
[14022]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يظهر.
[14023]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يفرق.
[14024]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: به هو.
[14025]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: به هو.
[14026]:في الأصل: نجا، والتصحيح من م ومد وظ.
[14027]:زيد من م وظ.
[14028]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: لتجمل ـ كذا.
[14029]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: لا يترك.
[14030]:من م وظ، وفي الأصل ومد: الخبر.
[14031]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: فقيل.
[14032]:زيد من م وظ ومد.
[14033]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: أكرب.
[14034]:زيد في م وظ ومد: أي.
[14035]:في م: حكم.
[14036]:في الأصول: عشر ـ كذا.
[14037]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يسحن.
[14038]:في الأصل: الخير، والتصحيح من م ومد وظ.
[14039]:في الأصل: الرسول، والتصحيح من م ومد وظ.
[14040]:ليس في م.
[14041]:وهذا الترتيب في غاية الفصاحة، لأن الإيمان بالله هي المرتبة الأولى وهي التي يستبد بها العقل إذ وجود الصانع يقر به كل عاقل، والإيمان بملائكته هي المرتبة الثانية لأنهم كالوسائط بين الله وعباده، والإيمان بالكتب هو الوحي الذي يتلقنه الملك من الله يوصله إلى البشر هي المرتبة الثالثة، والإيمان بالرسل الذين يقتبسون أنوار الوحي فهم متأخرون في الدرجة عن الكتب هي المرتبة الرابعة ـ البحر المحيط 2/364.
[14042]:ليست في ظ.
[14043]:ليست في ظ.
[14044]:ليست في م.
[14045]:ليست في م.
[14046]:ليست في ظ، وفي م ومد: للامتثال ـ مكان: لامتثال.
[14047]:ليست في ظ، وفي م ومد: للامتثال ـ مكان: لامتثال.
[14048]:ليس في ظ.
[14049]:زيد في م وظ ومد: لا.
[14050]:ليست في مد وظ، وفي م: الآيتين مكان: الإثنين..
[14051]:ليست في مد وظ، وفي م: الآيتين مكان: الإثنين.
[14052]:ليست في مد و ظ.
[14053]:ليست في مد وظ.
[14054]:ليست في مد وظ، ولفظ "من صاحبه" ليس في م أيضا.
[14055]:ليست في مد وظ، ولفظ "من صاحبه" ليس في م أيضا.
[14056]:من ظ، وفي بقية الأصول: غيرها.
[14057]:في م: إنما هو، وفي ظ: أنها.
[14058]:في م: الكفيلة ـ كذا.
[14059]:في الأصل: كلما، والتصحيح من م ومد وظ.
[14060]:في الأصل: كلما، والتصحيح من م ومد وظ.
[14061]:من م ومد، وفي الأصل وظ: أدعنا.
[14062]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: طلعة.
[14063]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: معترض ـ كذا.
[14064]:في م وظ ومد: تليق.
[14065]:في م: الحال.
[14066]:ليس في م ومد وظ.
[14067]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: من.
[14068]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: عنان.
[14069]:في م: المؤمن.
[14070]:في م ومد: نشيء، وفي ظ: نشاء، وفي الأصل: نشر ـ كذا.
[14071]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: للجمع.
[14072]:زيد في الأصل "و" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[14073]:في م ومد وظ: لم تظهر.
[14074]:زيد من م وظ ومد.
[14075]:من مد، وفي الأصل: الملي، وفي ظ: الملأ، وفي م: الملاء.
[14076]:في م: لمعنى، والعبارة ساقطة من مد من هنا إلى "وأولئك هم وقود النار" ـ سورة 3 آية 10.
[14077]:في مد: فيه.
[14078]:من ظ، وفي الأصل: الحال، وفي م: للحال.
[14079]:في ظ: سا ـ كذا.
[14080]:في م: فكان.
[14081]:من م وظ، وفي الأصل: أوفا.
[14082]:ليست في ظ.
[14083]:ليست في ظ.
[14084]:ليس في م.
[14085]:في م وظ: شاء.
[14086]:من ظ، وفي م: المستنكبين، وفي الأصل: الميلتين ـ كذا.
[14087]:في الأصل: سد النزول ـ كذا، والتصحيح من م وظ.
[14088]:في الأصل: سد النزول ـ كذا، والتصحيح من م وظ.
[14089]:في الأصل: وأنصار، والتصحيح من م وظ.
[14090]:في ظ: الأموار ـ كذا.
[14091]:في م: أحكم.
[14092]:ليست في م.
[14093]:ليست في م.
[14094]:ليس في م.
[14095]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: ينكب.
[14096]:في م فقط: غنموا.
[14097]:زيد في م وظ: قد.
[14098]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: اهدنا.
[14099]:في الأصول: من.
[14100]:في م: الذي.
[14101]:في الأصول: من.
[14102]:ليس في م.
[14103]:في م: يطلب.
[14104]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يثمر.
[14105]:العبارة من هنا إلى "عللوا" ليست في م.
[14106]:في ظ: السوال.