ثم يستمر السياق في توكيد هذه الإشارة ، واستجاشة القلب للخوف من مالك السماوات والأرض وما فيهما ، العليم بمكنونات الضمائر خفيت أم ظهرت ، المجازي عليها ، المتصرف في مصائر العباد بما يشاء من الرحمة والعذاب ، القدير على كل شيء تتعلق به مشيئته بلا تعقيب !
( لله ما في السماوات وما في الأرض . وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، والله على كل شيء قدير ) .
وهكذا يعقب على التشريع المدني البحت بهذا التوجيه الوجداني البحت ؛ ويربط بين التشريعات للحياة وخالق الحياة ، بذلك الرباط الوثيق ، المؤلف من الخوف والرجاء في مالك الأرض والسماء . فيضيف إلى ضمانات التشريع القانونية ضمانات القلب الوجدانية . . وهي الضمان الوثيق المميز لشرائع الإسلام في قلوب المسلمين في المجتمع المسلم . . وهي والتشريع في الإسلام متكاملان . فالإسلام يصنع القلوب التي يشرع لها ؛ ويصنع المجتمع الذي يقنن له . صنعة إلهية متكاملة متناسقة . تربية وتشريع . وتقوى وسلطان . . ومنهج للإنسان من صنع خالق الإنسان . فأنى تذهب شرائع الأرض ، وقوانين الأرض ، ومناهج الأرض ؟ أنى تذهب نظرة إنسان قاصر ، محدود العمر ، محدود المعرفة ، محدود الرؤية ، يتقلب هواه هنا وهناك ، فلا يستقر على حال ، ولا يكاد يجتمع اثنان منه على رأي ، ولا على رؤية ، ولا على إدراك ؟ وأنى تذهب البشرية شاردة عن ربها . ربها الذي خلق ، والذي يعلم من خلق ، والذي يعلم ما يصلح لخلقه ، في كل حالة وفي كل آن ؟
ألا إنها الشقوة للبشرية في هذا الشرود عن منهج الله وشرعه . الشقوة التي بدأت في الغرب هربا من الكنيسة الطاغية الباغية هناك ؛ ومن إلهها الذي كانت تزعم أنها تنطق باسمه وتحرم على الناس أن يتفكروا وأن يتدبروا ؛ وتفرض عليهم باسمه الإتاوات الباهظة والاستبداد المنفر . . فلما هم الناس أن يتخلصوا من هذا الكابوس ، تخلصوا من الكنيسة وسلطانها . ولكنهم لم يقفوا عند حد الاعتدال ، فتخلصوا كذلك من إله الكنيسة وسلطانه ! ثم تخلصوا من كل دين يقودهم في حياتهم الأرضية بمنهج الله . . وكانت الشقوة وكان البلاء ! !
فأما نحن - نحن الذين نزعم الإسلام - فما بالنا ؟ ما بالنا نشرد عن الله ومنهجه وشريعته وقانونه ؟ ما بالنا وديننا السمح القويم لم يفرض علينا إلا كل ما يرفع عنا الأغلال ، ويحط عنا الأثقال ، ويفيض علينا الرحمة والهدى واليسر والاستقامة على الطريق المؤدي إليه وإلى الرقي والفلاح ؟ !
ولما أخبر عن سعة علمه دل عليه بسعة ملكه المستلزم لسعة{[13953]} قدرته ليدل{[13954]} ذلك على جميع الكمال لأنه قد ثبت كما قال الأصبهاني{[13955]} إن الصفات التي هي كمالات حقيقة ليست إلا القدرة والعلم المحيط فقال واعداً للمطيع متوعداً للعاصي مصرحاً بأن أفعال العباد وغيرها مخلوق له : - وقال الحرالي : ولما كان أول السورة إظهار كتاب التقدير في الذكر الأول كان ختمها إبداء أثر ذلك الكتاب الأول{[13956]} في الأعمال والجزاء التي هي الغاية في ابتداء أمر التقدير فوقع الختم{[13957]} بأنه سلب الخلق ما{[13958]} في أيديهم مما أبدوه وما أخفوه من أهل السماوات و الأرض ؛ انتهى - فقال{[13959]} : { لله } أي الملك الأعظم . ولما كانت ما ترد لمن{[13960]} يغفل وكان{[13961]} أغلب الموجودات والجمادات{[13962]} عبر بها فقال{[13963]} : { ما في السماوات } أي كله على علوها واتساعها من ملك وغيره { وما في الأرض } مما تنفقونه وغيره من عاقل وغيره ، يأمر فيهما ومنهما{[13964]} بما يشاء وينهى عما يشاء ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويضاعف{[13965]} لمن{[13966]} يشاء .
ولما كان التقدير : فهو يعلم جميع ما فيهما{[13967]} من{[13968]} كتمانكم وغيره ويتصرف{[13969]} فيه بما يريد ، عطف عليه محذراً من يكتم الشهادة أو {[13970]}يضمر سوءاً{[13971]} غيرها أو{[13972]} يظهره{[13973]} قوله تعالى : { وإن تبدوا } أي تظهروا { ما في أنفسكم } من شهادة أو غيرها { أو تخفوه } مما{[13974]} وطنتموه في النفس وعزمتم عليه وليس هو من الخواطر{[13975]} التي كرهتموها ولم تعزموا{[13976]} عليها . قال الحرالي : من الإخفاء وهو تغييب الشيء وأن لا يجعل عليه علم يهتدي إليه من جهته { يحاسبكم } من المحاسبة مفاعلة من الحساب والحسب{[13977]} ، وهو استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة يعني{[13978]} ليجازي بها { به الله } أي بذكره لكم وأنتم تعلمون ما له من صفات الكمال . قال الحرالي : وفي ضمن هذا الخطاب لأولي الفهم إنباء{[13979]} بأن الله سبحانه وتعالى إذا عاجل العبد بالحساب بحكم{[13980]} ما يفهمه ترتيب الحساب على وقوع العمل حيث لم يكن فيحاسبكم مثلاً فقد أعظم اللطف به ، لأن من حوسب بعمله عاجلاً في الدنيا خف{[13981]} جزاؤه عليه حيث يكفر عنه بالشوكة يُشاكها{[13982]} حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب ، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من ذنوبه وفراغ من حسابه{[13983]} كالذي يتعاهد بدنه وثوبه بالتنظيف فلا يتسخ ولا يدرن{[13984]} ولا يزال نظيفاً - انتهى وفيه تصرف .
ولما كان{[13985]} حقيقة المحاسبة ذكر الشيء والجزاء عليه وكان المراد بها هنا العرض{[13986]} وهو الذكر فقط بدلالة التضمن دل عليه بقوله {[13987]}مقدماً الترجئة معادلة لما أفهمه صدر الآية من التخويف{[13988]} : { فيغفر لمن يشاء } أي فلا يجازيه على ذلك كبيرة كان أو لا { ويعذب من يشاء } بتكفير أو جزاء .
ولما أخبر سبحانه وتعالى بهذا أنه مطلق التصرف ختم الكلام دلالة على ذلك بقوله مصرحاً بما لزم تمام{[13989]} علمه من كمال قدرته : { والله } أي{[13990]} الذي لا أمر لأحد معه{[13991]} { على كل شيء قدير * } أي ليس هو{[13992]} كملوك الدنيا يحال بينهم وبين بعض ما يريدون بالشفاعة{[13993]} وغيرها . قال الحرالي : فسلب بهذه الآية القدرة عن جميع الخلق - انتهى . وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية خاصة بأمر{[13994]} الشهادة ، وقال الأكثرون{[13995]} : هي عامة كما فهمها الصحابة رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم في الوسوسة وحديث النفس المعزوم عليه وغيره ثم خففت بما بعدها ، روى مسلم في{[13996]} صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { لله ما في السماوات{[13997]} } الآية إلى { قدير } اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا{[13998]} على الركب فقالوا : يا{[13999]} رسول الله ! كُلّفنا من الأعمال{[14000]} ما{[14001]} نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك{[14002]} هذه الآية ولا نطيقها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أترون{[14003]} أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : { سمعنا وعصينا } [ البقرة : 93 ] ، قولوا : { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } قالوا : { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير{[14004]} } .
فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها { آمن الرسول بما أنزل إليه } {[14005]}إلى { المصير } فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى {[14006]}وأنزل{[14007]} { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } إلى { أو أخطأنا } قال : نعم " قال البغوي : وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما : قد فعلت{[14008]} ، واستمر إلى آخر السورة كلما{[14009]} قرؤوا جملة{[14010]} قال : نعم .