ثم هي العقيدة التي تعترف بالإنسان إنسانا ، لا حيوانا ولا حجرا ، ولا ملكا ولا شيطانا . تعترف به كما هو ، بما فيه من ضعف وما فيه من قوة ، وتأخذه وحدة شاملة مؤلفة من جسد ذي نوازع ، وعقل ذي تقدير ، وروح ذي أشواق . . وتفرض عليه من التكاليف ما يطيق ؛ وتراعي التنسيق بين التكليف والطاقة بلا مشقة ولا إعنات ؛ وتلبي كل حاجات الجسد والعقل والروح في تناسق يمثل الفطرة . . ثم تحمل الإنسان - بعد ذلك - تبعة اختياره للطريق الذي يختار :
( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) .
وهكذا يتصور المسلم رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته للأرض ؛ وفي ابتلائه في أثناء الخلافة ؛ وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف . ويطمئن إلى رحمة الله وعدله في هذا كله ؛ فلا يتبرم بتكاليفه ، ولا يضيق بها صدرا ، ولا يستثقلها كذلك ، وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته ، ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه . ومن شأن هذا التصور - فضلا عما يسكبه في القلب من راحة وطمأنينة وأنس - أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه ، وهو يحس أنها داخلة في طوقه ؛ ولو لم تكن داخلة في طوقه ما كتبها الله عليه ؛ فإذا ضعف مرة أو تعب مرة أو ثقل العبء عليه ، أدرك أنه الضعف لا فداحة العبء ! واستجاش عزيمته ونفض الضعف عن نفسه وهم همة جديدة للوفاء ، ما دام داخلا في مقدروه ! وهو إيحاء كريم لاستنهاض الهمة كلما ضعفت على طول الطريق ! فهي التربية كذلك لروح المؤمن وهمته وإرادته ؛ فوق تزويد تصوره بحقيقة إرادة الله به في كل ما يكلفه .
ثم الشطر الثاني من هذا التصور :
( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) .
فردية التبعة ، فلا تنال نفس إلا ما كسبت ؛ ولا تحمل نفس إلا ما اكتسبت . . فردية التبعة ، ورجعة كل إنسان إلى ربه بصحيفته الخاصة ، وما قيد فيها له أو عليه . فلا يحيل على أحد ، ولا ينتظر عون أحد . . ورجعة الناس إلى ربهم فرادى من شأنها - حين يستيقنها القلب - أن تجعل كل فرد وحدة إيجابية لا تنزل عن حق الله فيها لأحد من عباده إلا بالحق . وتقف كل إنسان مدافعا عن حق الله فيه تجاه كل إغراء ، وكل طغيان ، وكل إضلال ، وكل إفساد . فهو مسؤول عن نفسه هذه وعن حق الله فيها - وحق الله فيها هو طاعته في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه ، وعبوديتها له وحده شعورا وسلوكا - فإذا فرط في هذا الحق لأحد من العبيد تحت الإغراء والإضلال ، أو تحت القهر والطغيان - إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان - فما أحد من تلك العبيد بدافع عنه يوم القيامة ولا شافع له ؛ وما أحد من تلك العبيد بحامل عنه شيئا من وزره ولا ناصر له من الله واليوم الآخر . . ومن ثم يستأسد كل إنسان في الدفع عن نفسه والدفاع عن حق الله فيها ، ما دام هو الذي سيلقى جزاءه مفردا وحيدا ! ولا خوف من هذه الفردية - في هذا المقام - فمن مقتضيات الإيمان أن ينهض كل فرد في الجماعة بحق الجماعة عليه ، بوصفه طرفا من حق الله في نفسه . فهو مأمور أن يتكافل مع الجماعة في ماله وكسبه ، وفي جهده ونصحه ، وفي إحقاق الحق في المجتمع وإزهاق الباطل ، وفي تثبيت الخير والبر وإزاحة الشر والنكر . . وكل أولئك يحسب له أو عليه في صحيفته يوم يلقى الله فردا فيتلقى هنالك جزاءه !
وكأنما سمع المؤمنون هذه الحقيقة وأدركوها . . فها هو ذا ينطلق من قلوبهم دعاء خافق واجف ، يذكره النص القرآني بطريقة القرآن التصويرية ؛ فكأنما نحن أمام مشهد الدعاء ، وصفوف المؤمنين قائمة تردده في خشوع ؛ عقب إعلان حقيقة التكاليف وحقيقة الجزاء :
( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا . ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا . ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به . واعف عنا ، واغفر لنا ، وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) . .
وهو دعاء يصور حال المؤمنين مع ربهم ؛ وإدراكهم لضعفهم وعجزهم ، وحاجتهم إلى رحمته وعفوه ، وإلى مدده وعونه ؛ وإلصاق ظهورهم إلى ركنه ، والتجائهم إلى كنفه ، وانتسابهم إليه وتجردهم من كل من عداه ؛ واستعدادهم للجهاد في سبيله واستمدادهم النصر منه . . كل أولئك في نغمة وادعة واجفة تصور بإيقاعاتها وجيب القلب ورفرفة الروح . .
( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) .
فدائرة الخطأ والنسيان هي التي تحكم تصرف المسلم حين ينتابه الضعف البشري الذي لا حيلة له فيه . وفي مجالها يتوجه إلى ربه يطلب العفو والسماح . وليس هو التبجح إذن بالخطيئة أو الإعراض ابتداء عن الأمر ، أو التعالي عن الطاعة والتسليم ؛ أو الزيغ عن عمد وقصد . . ليس في شيء من هذا يكون حال المؤمن مع ربه ؛ وليس في شيء من هذا يطمع في عفوه أو سماحته . . إلا أن يتوب ويرجع إلى الله وينيب . . وقد استجاب الله لدعاء عباده المؤمنين في هذا ، فقال رسول الله [ ص ] : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه " .
( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) . .
وهو دعاء ينبعث من وراثة الأمة المسلمة لتراث الرسالة كله ، ومعرفتهم - كما علمهم ربهم في هذا القرآن - بما كان من سلوك الأمم التي جاءتها الرسالات قبلهم ؛ وما حملهم الله من الآصار والأثقال عقوبة لهم على بعض ما كان منهم . فقد حرم على بني إسرائيل بعض الطيبات بعملهم . وفي آية الأنعام : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ) . . وكتب عليهم قتل أنفسهم تكفيرا عن عبادتهم للعجل كما سبق في أول هذه السورة . وحرم عليهم( السبت )أن يبتغوا فيه تجارة أو صيدا . . وهكذا فالمؤمنون يدعون ربهم ألا يحمل عليهم أثقالا كالتي حملها على الذين من قبلهم ، وقد بعث الله النبي الأمي يضع عن المؤمنين به من البشر كافة : ( إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) . . فجاءت هذه العقيدة سمحة ميسرة ، هينة لينة ، تنبع من الفطرة وتتبع خط الفطرة ، وقيل للرسول [ ص ]( ونيسرك لليسرى ) .
على أن الإصر الأكبر الذي رفعه الله عن كاهل الأمة المسلمة ، والذي حمله الله على عاتق الأمم التي استخلفها في الأرض قبلهم فنقضت عهد الاستخلاف وحادت عنه . . هذا الإصر الأكبر هو إصر العبودية للبشر . عبودية العبد للعبد . ممثلة في تشريع العبد للعبد . وفي خضوع العبد للعبد لذاته أو لطبقته أو لجنسه . . فهذا هو الإصر الأكبر الذي أطلق الله عباده المؤمنين منه ، فردهم إلى عبادته وحده وطاعته وحده ، وتلقي الشريعة منه وحده . وحرر بهذه العبودية لله الواحد الأحد أرواحهم وعقولهم وحياتهم كلها من العبودية للعبيد !
إن العبودية لله وحده - متمثلة في تلقي الشرائع والقوانين والقيم والموازين منه وحده - هي نقطة الانطلاق والتحرر البشري . الانطلاق والتحرر من سلطان الجبارين والطغاة ، ومن سلطان السدنة والكهنة ، ومن سلطان الأوهام والخرافات ، ومن سلطان العرف والعادة ، ومن سلطان الهوى والشهوة . ومن كل سلطان زائف يمثل الإصر الذي يلوي اعناق البشر ويخفض جباههم لغير الواحد القهار .
ودعاء المؤمنون : ( ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) : يمثل شعورهم بنعمة الانطلاق والتحرر من العبودية للعبيد ؛ كما يمثل خوفهم من الارتداد إلى ذلك الدرك السحيق .
( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) . .
وهو دعاء يشي بحقيقة الاستسلام . فالمؤمنون لا ينوون نكولا عن تكليف الله أيا كان . ولكنهم فقط يتوجهون إليه راجين متطلعين أن يرحم ضعفهم فلا يكلفهم ما لا يطيقون . كي لا يعجزوا عنه ويقصروا فيه . . وإلا فهي الطاعة المطلقة والتسليم . . إنه طمع الصغير في رحمة الكبير . ورجاء العبد الضعيف في سماحة المالك المتصرف . وطلب ما هو من شأن الله في معاملته لعباده من كرم وبر وود وتيسير .
ثم الاعتراف بالضعف بعد ذلك والتوجس من التقصير ، الذي لا يمحو آثاره إلا فضل الله العفو الغفور :
( واعف عنا ، واغفر لنا وارحمنا ) .
فهذا هو الضمان الحقيقي لاجتياز الامتحان ، ونيل الرضوان . فالعبد مقصر مهما يحاول من الوفاء . ومنرحمة الله به أن يعامله بالعفو والمرحمة والغفران . . عن عائشة رضي الله عنها ، قال رسول الله [ ص ] : " لا يدخل أحدكم الجنة بعمله " . . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا . إلا أن يتغمدني الله برحمته " .
وهذا هو قوام الأمر في حس المؤمن : عمل بكل ما في الوسع . وشعور مع ذلك بالتقصير والعجز . . ورجاء - بعد ذلك - في الله لا ينقطع . وتطلع إلى العفو والمغفرة والسماح .
وأخيرا يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله ، وهم يهمون بالجهاد في سبيله ، لإحقاق الحق الذي إراده ، وتمكين دينه في الأرض ومنهجه ، ( حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) . يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله الركين ؛ ويرفعون رايته على رؤوسهم فينتسبون إليه وحده . إذا انتسبت الجاهلية إلى شتى الشعارات والعنوانات ؛ ويطلبون نصره لأوليائه بما أنه هو مولاهم الوحيد ؛ وهم باسمه يقاتلون الكفار الخارجين :
( أنت مولانا ، فانصرنا على القوم الكافرين ) . .
إنه الختام الذي يلخص السورة . ويلخص العقيدة . ويلخص تصور المؤمنين ، وحالهم مع ربهم في كل حين . .
ولما مُنّوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال بقولهم : { لا يكلف الله{[14107]} } أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع صفات الكمال { نفساً إلا وسعها } أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه ، وذلك هو الممكن لذاته الذي {[14108]}يتعلق اختيار العبد بفعله{[14109]} ، ولم يخبر الله تعالى بأنه لا يقع لا المحال لذاته ولا الممكن لذاته سواء كان مما لا مدخل للإنسان في اختياره كالنوم أو كان له مدخل فيه وقد تعلق{[14110]} العلم الأزلي بعدم وقوعه وأخبر سبحانه وتعالى بعدم وقوعه معيناً لصاحبه ، فهذا لا يقع التكليف{[14111]} به ويجوز{[14112]} التكليف به{[14113]} ؛ وهذا{[14114]} الكلام من جملة دعائهم {[14115]}على وجه الثناء طلباً{[14116]} للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه وتعالى{[14117]} خوفاً من أن يكلفوا بما لله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآية وقول المؤمنين عند نزولها وجواب النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس{[14118]} التي لا يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه فهو من باب :
إذا أثنى عليك المرء يوماً *** كفاه من تعرضه الثناء
ولعل العدول عن{[14119]} الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم ومن صفات الحلم والرحمة والرأفة ما يرفه عنهم ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله سبحانه وتعالى{[14120]} جزاء لهم على قولهم { سمعنا وأطعنا } - الآية ، فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس الذي لا عزم فيه ؛ فانتفى ما شق عليهم من قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم{[14121]} } - الآية ، بخلاف ما أفاد{[14122]} بني إسرائيل قولهم { سمعنا وعصينا }[ البقرة : 93 ] من الآصار في الدنيا والآخرة ، فيكون حينئذ استئنافاً جواباً{[14123]} لمن كأنه قال : هل أجاب دعاءهم ؟ ويكون شرح قوله أول السورة :{ أولئك على هدى من ربهم }[ البقرة : 5 ] ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف {[14124]}أو الاستفتاح{[14125]} بقوله : { لها } أي خاصاً بها { ما كسبت } وذكر الفعل مجرداً في الخير إيماء إلى أنه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ولو مع الكسل بل ومجرد نيته . قال الحرالي : وصيغة فعل مجردة تعرب{[14126]} عن أدنى الكسب فلذلك من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة{[14127]} - انتهى . { وعليها } أي بخصوصها { ما اكتسبت } فشرط في الشر صيغة الافتعال الدالة على الاعتمال إشارة إلى أن من{[14128]} طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها وإلى أن الإثم لا يكتب إلاّ مع التصميم والعزم القوي{[14129]} الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان {[14130]}بجد ونشاط{[14131]} ورغبة وانبساط ، فلذلك من همّ بسيئة{[14132]} فلم يعملها لم تكتب{[14133]} عليه ، وربما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى{[14134]} في ذلك السياق اقتضاه المقام .
ولما بشرهم بذلك عرفهم مواقع نعمه في دعاء رتبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلي إعلاماً بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسياناً ولا بما قارفوه{[14135]} خطأ ولا حمل عليهم ثقلاً بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاً ولا حملهم فوق طاقتهم مع أن له جميع ذلك ، وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم{[14136]} يخجلهم بذكر سيئاتهم ، ثم رحمهم{[14137]} بأن أحلهم محل القرب فجعلهم أهلاً للخلافة ؛ فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر ويظهر دينهم على كل دين ، إذ{[14138]} كان سبحانه وتعالى هو الداعي عنهم ، وليكون الدعاء كله محمولاً{[14139]} على الإصابة ومشمولاً{[14140]} بالإجابة فقال{[14141]} سبحانه وتعالى : { ربنا{[14142]} لا تؤاخذنا } أي لا تفعل معنا فعل من يناظر خصماً فهو يناقشه على كل صغير وكبير { إن نسينآ } أي{[14143]} ففعلنا ما نهيتنا عنه { أو أخطأنا } أي فعلناه ذاكرين له لكنا لم نتعمد سوءاً . قال الحرالي : والخطأ هو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ودّ أن لا يخطىء ، وفي إجرائه من كلام الله سبحانه وتعالى على لسان عباده قبوله{[14144]} - انتهى{[14145]} . وإعادة ربنا في صدر كل جملة من هذا الطراز{[14146]} كما{[14147]} تقدمت الإشارة إليه في التذكير بعظم المقام في حسن التربية ولطف{[14148]} الإحسان والرأفة .
ولما كان ذلك قد يكون فإن له أن يكلف بما يشاء مع تحميل ما تعظم{[14149]} مشقته من{[14150]} التكاليف فإنه{[14151]} لا يسأل عما يفعل قال : { ربنا ولا تحمل علينا إصراً } أي ثقلاً{[14152]} .
قال الحرالي : هو العهد الثقيل أي{[14153]} الذي في تحمله أشد المشقة - انتهى . ثم عظم المنة بقوله : { كما حملته على الذين من قبلنا } إشارة إلى أنه كان حمل على من سبق من الأحكام ما يهدّ الأركان تأكيداً لما يحمل على الشكر على تخفيف ذلك عنا ، وأصل{[14154]} الإصر العاطف ، أصره الشيء يأصره : عطفه ، ويلزمه الثقل {[14155]}لأن الغصن إذا ثقل مال وانعطف{[14156]} وهو المقصود هنا ؛ وتلك الآصار المشار إليها كثيرة{[14157]} جداً ، منها ما في السفر الثاني من التوراة في القربان أنه ينضح{[14158]} من دم الذبيحة{[14159]} على زوايا المذبح{[14160]} ، ثم قال : ومن تقرب بذبح ثور أو غيره في مكان غير باب{[14161]} قبة الزمان بيت الرب يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلاً لأنه سفك دماً ويهلك ذلك الرجل من شعبه ، ومن أكل دماً نزل به الغضب وهلك لأن أنفس البهائم هي الدم{[14162]} ، وإنما أمروا أن يقربوه على المذبح لغفران خطاياهم وتطهير أنفسهم لأنه إنما يغفر للنفس بالدم ، ومن قرب قرباناً أكل منه يوم ذبحه وثانيه{[14163]} ، وما بقي في الثالث أحرق بالنار ، ومن أكل منه هلك من شعبه ؛ ومن ذلك في{[14164]} ذوي العاهات أن من برص من الآدميين{[14165]} يجلس وحده و{[14166]}لا يختلط مع الناس ويكون سكنه خارجاً من محلة بني إسرائيل - حتى ذكر البرص في الثياب{[14167]} والبيوت{[14168]} وغيرها ، فما{[14169]} برص {[14170]}من الجلود والثياب{[14171]} يقطع موضع البرص منه ، فإن ظهر فيه بعد القطع أحرق كله{[14172]} بالنار ، وإن ظهر في بيت برص يهدم وتجمع حجارته وخشبه وترابه خارجاً من القرية ويحرق بالنار ؛ وكذا مرض السلس فيه تشديدات{[14173]} كثيرة ، منها أن من جلس على ثوب{[14174]} عليه مسلوس يغسل ثيابه{[14175]} ويستحم بالماء ويكون نجساً إلى الليل - ونحو هذا ؛ ثم قال : وكلم الرب موسى وقال له{[14176]} : هذه سنة الأبرص{[14177]} الذي يتطهر : يقدم{[14178]} إلى الكاهن ويخرجه{[14179]} خارجاً من العسكر وينظر الحبر{[14180]} إن كانت{[14181]} ضربة البرص قد برأت وتطهر منها{[14182]} يأمر الحبر فيقدم{[14183]} ، ويؤتى بعصفورين حيين زكيين ، وعود من خشب الأرز{[14184]} ، وعهنة{[14185]} حمراء - وعد أشياء أخرى ؛ وقرباناً على كيفية مخصوصة صعبة{[14186]} على عين{[14187]} ماء ، ويغسل ثيابه وبدنه ، ويحلق شعر {[14188]}رأسه ولحيته{[14189]} وحاجبيه{[14190]} وكل شعر جسده ، وأنه يمكث خارجاً من بيته سبعة أيام ، وفي اليوم الثامن يأتي بقربان آخر فيقرب{[14191]} على كيفية مخصوصة ، وينضح الكاهن من دمه على {[14192]}ثياب و{[14193]}بدن هذا الذي تطهر{[14194]} من البرص ، وكذا من زيت{[14195]} قربانه ، ويصب بقيته على رأسه . وكذا في مرض السلس إذا برأ المسلوس يمكث{[14196]} سبعة أيام ، ثم{[14197]} يتطهر ويغسل ثيابه ، ويقرب قرباناً في باب قبة الزمان . وقال : وأي{[14198]} رجل أمذى{[14199]} أو خرج منه منيه{[14200]} يغسل جسده كله بالماء ، ويكون نجساً إلى الليل ؛ ومن دنا{[14201]} من الحائض يكون نجساً إلى الليل{[14202]} وأي ثوب أو فراش وقعت عليه جنابة يغسل بالماء ويكون نجساً إلى الليل{[14203]} وأي ثوب رقدت عليه وهي حائض كان نجساً ، ومن دنا من فراشها يغسل ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجساً إلى الليل ، وكذا المستحاضة .
وفيه أيضاً : وكلم الرب موسى وقال له : كلم بني إسرائيل وقل لهم : المرأة إذا حبلت وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة{[14204]} أيام كما تكون في أيام حيضها ، وفي اليوم الثامن يختن{[14205]} الصبي ، وتكون نجسة وتجلس مكانها ثلاثة{[14206]} وثلاثين يوماً ، لا تدنو من شيء مقدس ، ولا تدخل بيت الله سبحانه وتعالى لأن الصلاة محرمة عليها حتى تتم أيام تطهيرها{[14207]} ؛ فإن ولدت جارية تكون مثل{[14208]} نجاستها في أيام حيضها أربعة عشر{[14209]} يوماً وتجلس مكانها على الدم الزكي{[14210]} ستة وستين يوماً ، فإذا كملت أيام تطهيرها{[14211]} {[14212]}ابناً ولدت{[14213]} أو بنتاً تجيء بحمل حول{[14214]} - فذكر قرباناً في قبة الزمان على يد الكاهن لتطهر{[14215]} مما كان يجري منها من الدم{[14216]} . ومن الآصار ما في السفر الثاني أيضاً من أنهم إذا حصدوا أرضاً أو قطفوا كرماً حرم عليهم الاستقصاء وأمروا أن يتركوا للمساكين ، ثم قال : ولا تلتقطوا ما ينتثر{[14217]} من زيتونكم{[14218]} بل دعوه للمساكين والذين يقبلون إليّ لأني أنا الله ربكم ، ثم قال : فإذا دخلتم الأرض وغرستم فيها كل شجر يثمر{[14219]} ثماراً تؤكل فدعوها {[14220]}ثلاث سنين{[14221]} ولا تأكلوا من ثمارها ، فإذا كان في السنة الرابعة صيروا جميع ثمار شجركم حرمة{[14222]} للرب ومجداً لإكرامه ، وفي السنة الخامسة كلوا ثمارها فإنها تنمو و{[14223]}تزداد لكم{[14224]} غلاتها ، أنا الله ربكم ! وقال في أواخر السفر الخامس وهو آخر أسفارها : لا تحيفوا على المسكين واليتيم والساكن{[14225]} بينكم في القضاء ، ولا تأخذوا ثوب الأرملة رهناً ، واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر وأنقذكم الرب {[14226]}من هناك ، لذلك آمركم{[14227]} وأقول لكم إنه{[14228]} واجب عليكم أن تفعلوا مثل هذا الفعل ، وإذا حصدتم حقل أرضكم ونسيتم حزمة لا ترجعوا في طلب أخذها بل تكون للساكن ولليتيم والأرملة ، ليبارك الله ربكم في جميع أعمال أيديكم ؛ وإذا نثرتم زيتونكم فلا تطلبوا ما نسيتم في حقلكم بل يكون لليتيم{[14229]} والساكن والأرملة ؛ وإذا قطعتم كرومكم لا تستقصوا ما فيها بل دعوها ما يعيش به الساكن واليتيم والأرملة ؛ واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر ، لذلك آمركم أن تفعلوا هذا الفعل - وأما ما على النصارى من ذلك فسيأتي كثير منه إن شاء الله تعالى في المائدة عند قوله تعالى{ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه{[14230]} }[ المائدة : 47 ] .
ولما دعوا بما تضمن الإيمان بما نزل إليهم مما حمل من كان{[14231]} قبلهم من الثقل أتبعوه ما يدل على اعتقادهم أن ذلك عدل منه{[14232]} في القضاء ، وأنه له أن يفعل فوق ذلك فيكلف بما ليس في الوسع ، لأنه المالك التام المِلك والمَلِك المنفرد بالمُلك ، وسألوا التخفيف برفع ذلك فقالوا : { ربنا ولا } وعبر بالتفعيل {[14233]}لما فيه{[14234]} بما يفهم من العلاج من مناسبة التكليف بما لا يطاق فقال : { تحملنا ما لا طاقة } أي قدرة { لنا به }
ولما كان الإنسان قد يتعمد الذنب لشهوة تدعوه إليه وغرض يحمله عليه أتبعوا ذلك دعاء عاماً فقالوا : { واعف عنا } أي ارفع عنا عقاب الذنوب كلها { واغفر لنا } أي ولا تذكرها لنا أصلاً ، فالأول العفو{[14235]} عن عقاب الجسم ، والثاني العفو عن عذاب الروح . وقال الحرالي : ولما كان قد يلحق من يعفى عنه ويغفر له قصور في الرتبة عن منال الحظ من الرحمة ألحق تعالى المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء بقوله : { وارحمنا } أي حتى يستوي المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال الرحمة .
ولما ضاعف لهم تعالى عفوه ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة العاصمة { لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من رحم{[14236]} }[ هود : 43 ] فلما صاروا خلفاء تحقق منهم الجهاد لأعداء الله والقيام بأمر الله ومنابذة من تولى غير الله ، فتحقق أنه لا بد أن يشاققهم أعداء وينابذوهم ، فعلمهم الذي رحمهم سبحانه إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلاً عنهم : { أنت مولانا } والمولى هو الولي اللازم الولاية القائم بها الدائم عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس هو بمستطيع له - انتهى بالمعنى . وكان حقيقته الفاعل لثمرة الولاية وهي القرب والإقبال ، وذلك أنهم لما سألوا العفو عن عذاب الجسم والروح سألوا ثوابهما ، فثواب الجسم الجنة وثواب الروح لذة الشهود وذلك ثمرة الولاية وهي الإقبال على الولي بالكلية ، ثم جعل ختام توجه المؤمنين إلى ربهم الدعاء بثمرة الولاية فقال{[14237]} : { فانصرنا } باللسان والسنان ، وأشار إلى قوة المخالفين حثاً على تصحيح الالتجاء والصدق في الرغبة بقوله : { على القوم } وأشار إلى أن الأدلة عليه سبحانه في غاية الظهور لكل عاقل بقوله : { الكافرين } أي الساترين للأدلة الدالة لهم على ربهم المذكورين أول السورة ، فتضمن ذلك وجوب قتالهم وأنهم أعدى الأعداء ، وأن قوله تعالى{ لا إكراه في الدّين }[ البقرة : 256 ] ليس ناهياً عن ذلك وإنما هو إشارة إلى أن الدّين صار في الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة فضلاً عن الإحواج{[14238]} إلى إرهاب ، فمن نصح نفسه دخل فيه بما دله عليه عقله ، ومن أبى أدخل فيه قهراً بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ السهام . ولما كان الختم بذلك مشيراً إلى أنه تعالى لما ضاعف لهم عفوه{[14239]} عن الذنب فلا يعاقب عليه ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم يكن فلا يذكره أصلاً ولا يعاقب عليه ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه المغفور له إلى المنازل العالية أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره والجهاد لأعدائه وإن جل أمرهم وأعنى حصرهم كان منبهاً على أن بداية هذه السورة هداية وخاتمتها خلافة ، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور{[14240]} الخلافة فكانت سناماً للقرآن ، وكان جماع ما في القرآن منضماً إلى معانيها إما لما صرحت{[14241]} به أو لما ألاحته وأفهمه{[14242]} إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى{[14243]} سورة الفاتحة فتكون{[14244]} أماً للجميع - أفاد{[14245]} ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي .
وقد بان بذكر المنزل{[14246]} والإيمان به والنصرة{[14247]} على الكفار بعد تفصيل أمر النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها ، ومن الجوامع العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين{[14248]} منزلاً حروفاً محيطة المعاني مخاطباً بها{[14249]} النبي والأئمة وتفصيل آيات{[14250]} مخاطباً به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين{[14251]} فافتتحت بالم حروفاً منبئة{[14252]} عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف وإحاطة المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة من معنى اللام ؛ ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة كتابية وإحاطة تفصيلية كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف التي{[14253]} افتتحت{[14254]} بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة ، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه أمر{[14255]} القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة من حيث هي أقرب للطرفين وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى ، فكان ما كان في القرآن من{ الم تلك آيات الكتاب الحكيم{[14256]} }[ لقمان : 26 ] ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة الكتاب{[14257]} التي أنزلت فيها سورة البقرة ، فكانت مشتملة على إحاطات{[14258]} الكتب الأربعة : كتاب التقدير الذي كتبه الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد و{[14259]}عدد ، ورد " أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء " ، و " أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق{[14260]} قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام " وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي عام - وكثير من ذلك مما ورد في الأخبار ؛ وفي مقابلة هذا الكتاب السابق{[14261]} بالتقدير الكتاب اللاحق بالجزاء الذي كتبه الله سبحانه وتعالى ويكتبه{[14262]} أثر تمام الإبداء{[14263]} باستبقاء{[14264]} الأعمال البادية على أيدي الخلق الذين{[14265]} ينالهم النعيم والجحيم والأمن{[14266]} والروع والكشف والحجاب ؛ وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان{[14267]} الأول ، ويبين{[14268]} بتطرقهما{[14269]} كتاب الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية والفتنة ، ثم كتاب الأعمال الذي كتبه الله سبحانه وتعالى في ذوات المكلفين من أفعالهم وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان أو طبع عليها أو ختم{[14270]} عليها بفجور أو طغيان ؛ فتطابقت الأوائل والأواخر واختلف كتاب الأحكام وكتاب الأعمال بما أبداه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب من معنى الهدى والفتنة والإقدام والإحجام ، فتضمنت سورة البقرة إحاطات{[14271]} جميع هذه الكتب واستوفت{[14272]} كتاب الأقدار بما في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين ، وكتاب الأفعال كما ذكر{[14273]} سبحانه وتعالى أمر الختم على الكافرين والمرض في قلوب المنافقين ، وما يفصل{[14274]} في جميع السورة من أحكام الدين وما يذكر معها مما{[14275]} يناسبها من الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان الذي انتهى إليه معنى{[14276]} السورة فيما بين الحق والخلق من أمر الدين ، وفيما بين الخلق والخلق من المعاملات والمقاومات{[14277]} ، وفيما بين المرء ونفسه من الأيمان والعهود ، إلى حد ختمها بما يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين{[14278]} ختم بذكرهم هذه السورة الذين قالوا : { غفرانك{[14279]} ربنا } إلى انتهائها ؛ ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم آياتها وكانت الإحاطة الإلهية{[14280]} القيومية إلاحتها ونور آياتها{[14281]} ، فكان ذلك في آية الكرسي تصريحاً وفي سائر آيها الإحة بحسب قرب الإحاطة الكتابية من الإحاطة الإلهية ، وفي بدء سابق أو ختم لاحق أو حكمة جامعة ، فلذلك{[14282]} انتظم بالسورة التي ذكرت فيها البقرة السورة التي يذكر فيها آل عمران ، لما نزل{[14283]} في سورة آل عمران{[14284]} من الإحاطة الإلهية حتى كان في مفتتحها اسم الله الأعظم ، فكان ما في البقرة إفصاحاً في سورة آل عمران إلاحة ، وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران{[14285]} إفصاحاً ، إلا ما اطلع في كل واحدة منهما من تصريح الأخرى ؛ فلذلك{[14286]} هما سورتان مرتبطتان وغيايتان{[14287]} وغمامتان تظلان{[14288]} صاحبهما{[14289]} يوم القيامة ، و{[14290]}بما هما{[14291]} من الذكر الأول وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية وبين الإحاطة الإلهية فلذلك كانت سورة البقرة سناماً{[14292]} له{[14293]} والسنام أعلى ما في{[14294]} الحيوان المنكب وأجمله جملة وهو البعير ، وكانت سورة آل عمران تاج القرآن والتاج هو أعلى ما في المخلوقات{[14295]} من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره{[14296]} وفي جميع المكون إحاطته ؛ فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي يتصل الإفصاح في الآية {[14297]}بإلاحة سابقتها{[14298]} كما تقدم التنبيه عليه في مواضع - انتهى .
وسر {[14299]}ترتيب سورة السنام على هذا النظام أنه لما افتتحها سبحانه وتعالى بتصنيف الناس الذين هم للدين كالقوائم الحاملة لذي السنام{[14300]} فاستوى وقام ابتداء المقصود بذكر أقرب السنام إلى أفهام أهل القيام فقال مخاطباً لجميع الأصناف التي قدمها{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم }[ البقرة : 21 ] واستمر إلى أن بان الأمر غاية البيان فأخذ يذكر مننه سبحانه{[14301]} على الناس المأمورين{[14302]} بالعبادة بما أنعم عليهم من {[14303]}خلق جميع ما في الوجود لهم بما أكرم به أباهم آدم عليه الصلاة والسلام ، ثم خص العرب ومن تبعهم{[14304]} ببيان المنة عليهم في مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم ، وهو سبحانه وتعالى يؤكد كل قليل أمر الربوبية والتوحيد{[14305]} بالعبادة{[14306]} من غير ذكر شيء من الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو إسرائيل ، فذكره على وجه الامتنان به على العرب وتبكيت بني إسرائيل بتركه{[14307]} لا على أنه مقصود بالذات ، فلما تزكوا{[14308]} فترقوا{[14309]} فتأهلوا لأنواع المعارف قال معلياً{[14310]} لهم من مصاعد الربوبية إلى معارج الإلهيةوإلهكم إله واحد لا إله إلا هو }[ البقرة : 163 ] فلما تسنموا{[14311]} هذا الشرف لقنهم{[14312]} العبادات المزكية ونقاهم أرواحها المصفية فذكر أمهات الأعمال أصولاً وفروعاً الدعائم الخمس والحظيرة وما تبع ذلك من الحدود{[14313]} في المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من المصالح {[14314]}فتهيؤوا بها{[14315]} وأنها المواردات الغر{[14316]} من ذي الجلال فقال مرقياً{[14317]} لهم إلى غيب حضرته الشماء ذاكراً{[14318]} مسمى جميع الأسماء{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم }[ البقرة : 255 ] ولما كان الواصل إلى أعلى مقام الحرية لا بد{[14319]} عند القوم من رجوعه إلى ربقة{[14320]} العبودية ذكر لهم بعض الأعمال اللائقة بهم ، فحث على أشياء أكثرها من وادي الإحسان الذي هو مقام أولي العرفان ، فذكر مثل النفقة التي هي أحد مباني السورة عقب ما ذكر مقام الطمأنينة إيذاناً بأن ذلك شأن المطمئن ، ورغب فيها إشارة إلى أنه لا مطمع في الوصول إلا بالانسلاخ من الدنيا كلها ، وأكثر من الحث على طيب المطعم الذي لا بقاء{[14321]} بحال من الأحوال بدونه ، ونهى عن الربا أشد نهي إشارة إلى التقنع بأقل الكفاف ونهياً عن مطلق{[14322]} الزيادة للخواص وعن كل حرام للعوام ، وأرشد إلى آداب الدين الموجب{[14323]} للثقة بما عند الله المقتضي بصدق التوكل المثمر للعون من الله سبحانه وتعالى والإرشاد{[14324]} إلى ذلك{[14325]} ، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو متلبس به ؛ وبنى سبحانه وتعالى كل ثلث{[14326]} من هذه الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره وتوجه بخاتمة في التحذير من التهاون به ، وزاد الثالث لكونه الختام وبه بركة التمام أن أكد عليهم بعد خاتمته في الإيمان بجميع{[14327]} ما في السورة ، وختم بالإشارة إلى أن عمدة ذلك الجهاد الذي لذوي الغي والعناد ، والاعتماد فيه على مالك الملك وملك العباد ، وذلك هو طريق أهل الرشاد{[14328]} ، والهداية والسداد{[14329]} {[14330]}والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب{[14331]} .
بداية هذه السورة هداية وخاتمتها خلافة ، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور الخلافة فكانت سناماً للقرآن ، وكان جماع ما في القرآن منضماً إلى معانيها إما لما صرحت به أو لما ألاحته وأفهمه إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى سورة الفاتحة فتكون أماً للجميع - أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي .
وقد بان بذكر المنزل والإيمان به والنصرة على الكفار بعد تفصيل أمر النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها ، ومن الجوامع العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين منزلاً حروفاً محيطة المعاني مخاطباً بها النبي والأئمة وتفصيل آيات مخاطباً به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين فافتتحت بالم حروفاً منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف وإحاطة المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة من معنى اللام ؛ ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة كتابية وإحاطة تفصيلية كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف التي افتتحت بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة ، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه أمر القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة من حيث هي أقرب للطرفين وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى ، فكان ما كان في القرآن من{ الم تلك آيات الكتاب الحكيم }[ لقمان : 26 ] ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة الكتاب التي أنزلت فيها سورة البقرة ، فكانت مشتملة على إحاطات الكتب الأربعة : كتاب التقدير الذي كتبه الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد وعدد ، ورد " أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء " ، و " أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام " وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي عام - وكثير من ذلك مما ورد في الأخبار ؛ وفي مقابلة هذا الكتاب السابق بالتقدير الكتاب اللاحق بالجزاء الذي كتبه الله سبحانه وتعالى ويكتبه أثر تمام الإبداء باستبقاء الأعمال البادية على أيدي الخلق الذين ينالهم النعيم والجحيم والأمن والروع والكشف والحجاب ؛ وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان الأول ، ويبين بتطرقهما كتاب الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية والفتنة ، ثم كتاب الأعمال الذي كتبه الله سبحانه وتعالى في ذوات المكلفين من أفعالهم وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان أو طبع عليها أو ختم عليها بفجور أو طغيان ؛ فتطابقت الأوائل والأواخر واختلف كتاب الأحكام وكتاب الأعمال بما أبداه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب من معنى الهدى والفتنة والإقدام والإحجام ، فتضمنت سورة البقرة إحاطات جميع هذه الكتب واستوفت كتاب الأقدار بما في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين ، وكتاب الأفعال كما ذكر سبحانه وتعالى أمر الختم على الكافرين والمرض في قلوب المنافقين ، وما يفصل في جميع السورة من أحكام الدين وما يذكر معها مما يناسبها من الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان الذي انتهى إليه معنى السورة فيما بين الحق والخلق من أمر الدين ، وفيما بين الخلق والخلق من المعاملات والمقاومات ، وفيما بين المرء ونفسه من الأيمان والعهود ، إلى حد ختمها بما يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين ختم بذكرهم هذه السورة الذين قالوا : { غفرانك ربنا } إلى انتهائها ؛ ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم آياتها وكانت الإحاطة الإلهية القيومية إلاحتها ونور آياتها ، فكان ذلك في آية الكرسي تصريحاً وفي سائر آيها الإحة بحسب قرب الإحاطة الكتابية من الإحاطة الإلهية ، وفي بدء سابق أو ختم لاحق أو حكمة جامعة ، فلذلك انتظم بالسورة التي ذكرت فيها البقرة السورة التي يذكر فيها آل عمران ، لما نزل في سورة آل عمران من الإحاطة الإلهية حتى كان في مفتتحها اسم الله الأعظم ، فكان ما في البقرة إفصاحاً في سورة آل عمران إلاحة ، وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران إفصاحاً ، إلا ما اطلع في كل واحدة منهما من تصريح الأخرى ؛ فلذلك هما سورتان مرتبطتان وغيايتان وغمامتان تظلان صاحبهما يوم القيامة ، وبما هما من الذكر الأول وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية وبين الإحاطة الإلهية فلذلك كانت سورة البقرة سناماً له والسنام أعلى ما في الحيوان المنكب وأجمله جملة وهو البعير ، وكانت سورة آل عمران تاج القرآن والتاج هو أعلى ما في المخلوقات من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره وفي جميع المكون إحاطته ؛ فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي يتصل الإفصاح في الآية بإلاحة سابقتها كما تقدم التنبيه عليه في مواضع - انتهى .
وسر ترتيب سورة السنام على هذا النظام أنه لما افتتحها سبحانه وتعالى بتصنيف الناس الذين هم للدين كالقوائم الحاملة لذي السنام فاستوى وقام ابتداء المقصود بذكر أقرب السنام إلى أفهام أهل القيام فقال مخاطباً لجميع الأصناف التي قدمها{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم }[ البقرة : 21 ] واستمر إلى أن بان الأمر غاية البيان فأخذ يذكر مننه سبحانه على الناس المأمورين بالعبادة بما أنعم عليهم من خلق جميع ما في الوجود لهم بما أكرم به أباهم آدم عليه الصلاة والسلام ، ثم خص العرب ومن تبعهم ببيان المنة عليهم في مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم ، وهو سبحانه وتعالى يؤكد كل قليل أمر الربوبية والتوحيد بالعبادة من غير ذكر شيء من الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو إسرائيل ، فذكره على وجه الامتنان به على العرب وتبكيت بني إسرائيل بتركه لا على أنه مقصود بالذات ، فلما تزكوا فترقوا فتأهلوا لأنواع المعارف قال معلياً لهم من مصاعد الربوبية إلى معارج الإلهية وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو }[ البقرة : 163 ] فلما تسنموا هذا الشرف لقنهم العبادات المزكية ونقاهم أرواحها المصفية فذكر أمهات الأعمال أصولاً وفروعاً الدعائم الخمس والحظيرة وما تبع ذلك من الحدود في المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من المصالح فتهيؤوا بها وأنها المواردات الغر من ذي الجلال فقال مرقياً لهم إلى غيب حضرته الشماء ذاكراً مسمى جميع الأسماء{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم }[ البقرة : 255 ] ولما كان الواصل إلى أعلى مقام الحرية لا بد عند القوم من رجوعه إلى ربقة العبودية ذكر لهم بعض الأعمال اللائقة بهم ، فحث على أشياء أكثرها من وادي الإحسان الذي هو مقام أولي العرفان ، فذكر مثل النفقة التي هي أحد مباني السورة عقب ما ذكر مقام الطمأنينة إيذاناً بأن ذلك شأن المطمئن ، ورغب فيها إشارة إلى أنه لا مطمع في الوصول إلا بالانسلاخ من الدنيا كلها ، وأكثر من الحث على طيب المطعم الذي لا بقاء بحال من الأحوال بدونه ، ونهى عن الربا أشد نهي إشارة إلى التقنع بأقل الكفاف ونهياً عن مطلق الزيادة للخواص وعن كل حرام للعوام ، وأرشد إلى آداب الدين الموجب للثقة بما عند الله المقتضي بصدق التوكل المثمر للعون من الله سبحانه وتعالى والإرشاد إلى ذلك ، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو متلبس به ؛ وبنى سبحانه وتعالى كل ثلث من هذه الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره وتوجه بخاتمة في التحذير من التهاون به ، وزاد الثالث لكونه الختام وبه بركة التمام أن أكد عليهم بعد خاتمته في الإيمان بجميع ما في السورة ، وختم بالإشارة إلى أن عمدة ذلك الجهاد الذي لذوي الغي والعناد ، والاعتماد فيه على مالك الملك وملك العباد ، وذلك هو طريق أهل الرشاد ، والهداية والسداد والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب .