في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا} (10)

1

( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً )

أما اللمسة الثانية ، فهي صورة مفزعة : صورة النار في البطون . . وصورة السعير في نهاية المطاف . . إن هذا المال . . نار . . وإنهم ليأكلون هذه النار . وإن مصيرهم لإلى النار فهي النار تشوي البطون وتشوي الجلود . هي النار من باطن وظاهر . هي النار مجسمة حتى لتكاد تحسها البطون والجلود ، وحتى لتكاد تراها العيون ، وهي تشوي البطون والجلود !

ولقد فعلت هذه النصوص القرآنية ، بإيحاءاتها العنيفة العميقة فعلها في نفوس المسلمين . خلصتها من رواسب الجاهلية . هزتها هزة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب . وأشاعت فيها الخوف والتحرج والتقوى والحذر من المساس - أي مساس - بأموال اليتامى . . كانوا يرون فيها النار التي حدثهم الله عنها في هذه النصوص القوية العميقة الإيحاء . فعادوا يجفلون أن يمسوها ويبالغون في هذا الإجفال !

من طريق عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لما نزلت : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) . . الآية . . انطلق من كان عنده يتيم ، فعزل طعامه من طعامه ، وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل الشيء ، فيحبس له ، حتى يأكله أو يفسد . فاشتد ذلك عليهم . فذكروا ذلك لرسول الله [ ص ] فأنزل الله : ( ويسألونك عن اليتامى . قل : إصلاح لهم خير ، وإن تخالطوهم فإخوانكم . والله يعلم المفسد من المصلح ، ولو شاء الله لأعنتكم . . )الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم ، وشرابهم بشرابهم . .

وكذلك رفع المنهج القرآني هذه الضمائر ، إلى ذلك الأفق الوضيء ؛ وطهرها من غبش الجاهلية ذلك التطهير العجيب . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا} (10)

ولما طال التحذير و{[20629]}الزجر{[20630]} والتهويل في شأن اليتامى ، وكان ذلك ربما أوجب النفرة من مخالطتهم رأساً فتضيع مصالحهم{[20631]} ؛ وصل بذلك{[20632]} ما بين أن ذلك خاص بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكداً {[20633]}لما كان{[20634]} قد رسخ في نفوسهم من الاستهانة بأموالهم : { إن الذين } ولما كان الأكل أعظم مقاصد الإنسان عبر به عن جميع الأغراض فقال : { يأكلون أموال اليتامى ظلماَ } أي أكلاً هو في غير موضعه بغير دليل يدل{[20635]} عليه ، فهو كفعل من يمشي في الظلام ، ثم أتبعه ما زاده تأكيداً بالتحذير في سياق الحصر فقال : { إنما يأكلون } أي في الحال ، وصور الأكل وحققه بقوله : { في بطونهم ناراً } أي تحرق المعاني الباطنية{[20636]} التي تكون بها قوام الإنسانية ، وبين أنها على حقيقتها في الدنيا ، ولكنا{[20637]} لا نحسها الآن لأنها غير النار المعهودة في الظاهر بقوله - مكرراً التحذير مبيناً بقراءة الجماعة بالبناء{[20638]} للفاعل أنهم يلجؤون إليها إلجاء يصيّرهم كأنهم يدخلونها بأنفسهم{[20639]} : { وسيصلون } أي في الآخرة - بوعيد حتم لا خلف فيه { سعيراً * } أي عظيماً هو نهاية في العظمة ، وذلك هو معنى قراءة{[20640]} ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول ، أي يلجئهم إلى صليها{[20641]} ملجىء قاهر لا يقدرون {[20642]}على نوع{[20643]} دفاع له .


[20629]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20630]:من مد، وفي ظ: الجزر.
[20631]:من مد، وفي ظ: مصلحتهم.
[20632]:في ظ: بذ ـ كذا مقطوعا.
[20633]:من ظ ومد، وفي الأصل: للمكان ـ كذا.
[20634]:من ظ ومد، وفي الأصل: للمكان ـ كذا.
[20635]:في ظ: تبدل.
[20636]:من ظ ومد، وفي الأصل: الباطنة.
[20637]:في ظ: لكنها.
[20638]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالياء.
[20639]:من ظ ومد، وفي الأصل: أنفسهم.
[20640]:في ظ: قرأ.
[20641]:من ظ ومد، وفي الأصل: جبلها.
[20642]:سقط من ظ.
[20643]:سقط من ظ.