ومن الميثاق الذي واثق الله به الأمة المسلمة ، القوامة على البشرية بالعدل . . العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنآن ؛ ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى في حال من الأحوال . العدل المنبثق من القيام لله وحده بمنجاة من سائر المؤثرات . . والشعور برقابة الله وعلمه بخفايا الصدور . . ومن ثم فهذا النداء :
( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ، شهداء بالقسط ، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون ) . .
لقد نهى الله الذين آمنوا من قبل أن يحملهم الشنآن لمن صدوهم عن المسجد الحرام ، على الاعتداء . وكانت هذه قمة في ضبط النفس والسماحة يرفعهم الله إليها بمنهجه التربوي الرباني القويم . فهاهم أولاء ينهون أن يحملهم الشنآن على أن يميلوا عن العدل . . وهي قمة أعلى مرتقى وأصعب على النفس وأشق . فهي مرحلة وراء عدم الاعتداء والوقوف عنده ؛ تتجاوزه إلى إقامة العدل مع الشعور بالكره والبغض ! إن التكليف الأول أيسر لأنه إجراء سلبي ينتهي عند الكف عن الاعتداء . فأما التكليف الثاني فأشق لأنه إجراء إيجابي يحمل النفس على مباشرة العدل والقسط مع المبغوضين المشنوئين !
والمنهج التربوي الحكيم يقدر ما في هذا المرتقى من صعوبة . فيقدم له بما يعين عليه :
( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله . . . )
ويعقب عليه بما يعين عليه أيضًا :
واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون . .
إن النفس البشرية لا ترتقي هذا المرتقى قط ، إلا حين تتعامل في هذا الأمر مباشرة مع الله . حين تقوم لله ، متجردة عن كل ما عداه . وحين تستشعر تقواه ، وتحس أن عينه على خفايا الضمير وذات الصدور .
وما من اعتبار من اعتبارات الأرض كلها يمكن أن يرفع النفس البشرية إلى هذا الأفق ، ويثبتها عليه . وما غير القيام لله ، والتعامل معه مباشرة ، والتجرد من كل اعتبار آخر ، يملك أن يستوي بهذه النفس على هذا المرتقى .
وما من عقيدة أو نظام في هذه الأرض يكفل العدل المطلق للأعداء المشنوئين ، كما يكفله لهم هذا الدين ؛ حين ينادي المؤمنين به أن يقوموا لله في هذا الأمر ؛ وأن يتعاملوا معه ، متجردين عن كل اعتبار .
وبهذه المقومات في هذا الدين كان الدين العالمي الإنساني الأخير ؛ الذي يتكفل نظامه للناس جميعا - معتنقيه وغير معتنقيه - أن يتمتعوا في ظله بالعدل ؛ وأن يكون هذا العدل فريضة غلى معتنقيه ، يتعاملون فيها مع ربهم ، مهما لاقوا من الناس من بغض وشنآن . .
وإنها لفريضة الأمة القوامة على البشرية . مهما يكن فيها من مشقة وجهاد .
ولقد قامت هذه الأمة بهذه القوامة ؛ وأدت تكاليفها هذه ؛ يوم استقامت على الإسلام . ولم تكن هذه في حياتها مجرد وصايا ، ولا مجرد مثل عليا ، ولكنها كانت واقعا من الواقع في حياتها اليومية ، واقعا لم تشهد البشرية مثله من قبل ولا من بعد ، ولم تعرفه في هذا المستوى إلا في الحقبة الإسلامية المنيرة . . والأمثلة التي وعاهاالتاريخ في هذا المجال كثيرة مستفيضة . تشهد كلها بأن هذه الوصايا والفرائض الربانية ، قد استحالت في حياة هذه الأمة منهجا في عالم الواقع يؤدي ببساطة ، ويتمثل في يوميات الأمة المألوفة . . إنها لم تكن مثلا عليا خيالية ، ولا نماذج كذلك فردية . إنما كانت طابع الحياة الذي لا يرى الناس أن هناك طريقا آخر سواه .
وحين نطل من هذه القمة السامقة على الجاهلية في كل أعصارها وكل ديارها - بما فيها جاهلية العصور الحديثة - ندرك المدى المتطاول بين منهج يصنعه الله للبشر ، ومناهج يصنعها الناس للناس . ونرى المسافة التي لا تعبر بين آثار هذه المناهج وآثار ذلك المنهج الفريد في الضمائر والحياة .
إن الناس قد يعرفون المبادى ء ؛ ويهتفون بها . . ولكن هذا شيء ، وتحقيقها في عالم الواقع شيء آخر . .
وهذه المبادى ء التي يهتف بها الناس للناس طبيعي ، ألا تتحقق في عالم الواقع . . فليس المهم أن يدعى الناس إلى المبادى ء ؛ ولكن المهم هو من يدعوهم إليها . . المهم هو الجهة التي تصدر منها الدعوة . . المهم هو سلطان هذه الدعوة على الضمائر والسرائر . . المهم هو المرجع الذي يرجع إليه الناس بحصيلة كدهم وكدحهم لتحقيق هذه المبادى ء . .
وقيمة الدعوة الدينية إلى المبادى ء التي تدعو إليها ، هو سلطان الدين المستمد من سلطان الله ، فما يقوله فلان وعلان علام يستند ؟ وأي سلطان له على النفوس والضمائر ؟ وماذا يملك للناس حين يعودون إليه بكدحهم وكدهم في تحقيق هذه المبادى ء ؟
يهتف ألف هاتف بالعدل . وبالتطهر . وبالتحرر . وبالتسامي . وبالسماحة . وبالحب . وبالتضحية . وبالإيثار . . . ولكن هتافهم لا يهز ضمائر الناس ؛ ولا يفرض نفسه على القلوب . لأنه دعاء ما أنزل الله به من سلطان !
ليس المهم هو الكلام . . ولكن المهم من وراء هذا الكلام !
ويسمع الناس الهتاف من ناس مثلهم بالمبادى ء والمثل والشعارات - مجردة من سلطان الله - ولكن ما أثرها ؟ إن فطرتهم تدرك أنها توجيهات من بشر مثلهم . تتسم بكل ما يتسم به البشر من جهل وعجز وهوى وقصور . فتتلقاها فطرة الناس على هذا الأساس . فلا يكون لها على فطرتهم من سلطان ! ولا يكون لها في كيانهم من هزة ، ولا يكون لها في حياتهم من أثر إلا أضعف الأثر !
ثم إن قيمة هذه " الوصايًا في الدين ، أنها تتكامل مع " الإجراءات " لتكييف الحياة . فهو لا يلقيها مجردة في الهواء . . فأما حين يتحول الدين إلى مجرد وصايا ؛ وإلى مجرد شعائر ؛ فإن وصاياه لا تنفذ ولا تتحقق ! كما نرى ذلك الآن في كل مكان . .
إنه لا بد من نظام للحياة كلها وفق منهج الدين ؛ وفي ظل هذا النظام ينفذ الدين وصاياه . ينفذها في أوضاع واقعية تتكامل فيها الوصايا والإجراءات ! . . وهذا هو " الدين " في المفهوم الإسلامي دون سواه . . الدين الذي يتمثل في نظام يحكم كل جوانب الحياة .
وحين تحقق " الدين " بمفهومه هذا في حياة الجماعة المسلمة أطلت على البشرية كلها من تلك القمة السامقة ؛ والتي ما تزال سامقة على سفوح الجاهلية الحديثة ؛ كما كانت سامقة على سفوح الجاهلية العربية وغيرها على السواء . . وحين تحول " الدين " إلى وصايا على المنابر ؛ وإلى شعائر في المساجد ؛ وتخلى عن نظام الحياة . . لم يعد لحقيقة الدين وجود في الحياة !
ولما تقدم القيام إلى الصلاة ، وتقدم ذكر الأزواج المأمور فيهن بالعدل في أول النساء وأثنائها ، وكان في الأزواج المذكورات هنا الكافرات ، ناسب تعقيب ذلك بعد الأمر بالتقوى بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان ، ولما كان العدل في غاية الصعوبة على الإنسان ، فكان لذلك يحتاج المتخلق به إلى تدريب كبير ليصير صفة راسخة ، عبر بالكون فقال تعالى : { كونوا قوّامين } أي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي أخذتموهن بعهد الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وعلى غيرهن في الصلاة وغيرها من جميع الطاعات التي{[24504]} عاهدتم على الوفاء بها .
ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق ، وكان الوفاء بذلك إنما يخف{[24505]} على النفوس ، ويصح النشاط فيه ، ويعظم العزم عليه بالتذكر{[24506]} بجلالة موثقه وعدم انتهاك حرمته ، لأن{[24507]} المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ حده ورسمه ، قدم قوله : { لله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء .
ولما كان من جملة المعاقد{[24508]} عليه ليلة العقبة " ليلة تواثقوا على الإسلام " أن يقولوا بالحق حيث ما كانوا ، لا يخافون في الله لومة لائم ، قال : { شهداء } أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار{[24509]} بحيث لا يسد عنها شيء مما تريدون{[24510]} الشهادة به { بالقسط } أي العدل ، وقال الإمام أبو حيان في نهره : إن التي جاءت{[24511]} في سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين ، فبدأ{[24512]} فيها بالقسط الذي هو العدل{[24513]} والسواء{[24514]} من غير محاباة نفس ولا والد{[24515]} ولا قرابة ، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاحن ، فبدىء{[24516]} فيها بالقيام لله إذ كان الأمر بالقيام لله أولاً أردع للمؤمنين{[24517]} ، ثم أردف بالشهادة بالعدل ، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط ، و{[24518]} التي في معرض العداواة والشنآن ، بدىء{[24519]} فيها بالقيام لله ، فناسب كل معرض ما جيء به إليه ، وأيضاً فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا{[24520]} }[ النساء : 129 ] وقوله
{ فلا جناح عليهما أن يصلحا{[24521]} }[ النساء : 128 ] فناسب ذكر{[24522]} تقديم القسط ، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط - انتهى .
ولما كان{[24523]} أمر بهذا الخبر ، نهى مما يحجب{[24524]} عنه فقال : { ولا يجرمنكم } أي يحملنكم { شنئان قوم } أي{[24525]} شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من المشركين ، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم { على ألا تعدلوا } أي أن{[24526]} تتركوا قصد العدل ، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ازدراؤها{[24527]} في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها ، فأمروا بالعدل حتى بين هذه{[24528]} المرأة الكافرة وضرّاتها المسلمات ، وإذا{[24529]} كان هذا شأن الأمر به في الكافر فما الظن به في المسلم ؟ ثم استأنف قوله آمراً بعد النهي تأكيداً{[24530]} لأمر العدل : { اعدلوا } أي تحروا العدل واقصدوه في كل شيء حتى في هذه الزوجات وفيمن يجاوز{[24531]} فيكم الحدود ، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه{[24532]} فيهم ، فإن الذي منعكم من التجاوز خوفه يريكم من النصرة وصلاح الحال ما يسركم .
ولما كان ترك{[24533]} قصد العدل{[24534]} قد يقع لصاحبه{[24535]} العدل اتفاقاً ، فيكون قريباً من التقوى ، قال مستأنفاً و{[24536]} معللاً : { هو } أي قصد العدل { أقرب } أي من ترك قصده { للتقوى } والإحسان الذي يتضمنه الصلح أقرب من العدل إليها ، وتعدية { أقرب } باللام دون إلى المقتضية لنوع بعد زيادة في الترغيب - كما مر{[24537]} في البقرة ؛ ولما كان الشيء لا يكون إلا بمقدماته ، وكان قد علم من هذا أن العدل مقدمة التقوى ، قال عاطفاً على النهي أو على نحو : فاعدلوا{[24538]} : { واتقوا الله }{[24539]} أي اجعلوا{[24540]} بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية بالإحسان{[24541]} فضلاً عن العدل ، ويؤيد كون الآية ناظرة إلى النكاح مع ما ذكر{[24542]} ختام آية الشقاق التي في أول النساء بقوله
{[24543]}إن الله{[24544]} كان عليماً خبيراً{[24545]} }[ النساء : 35 ] ، وختام قوله تعالى في أواخرها وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو اعراضاً بقوله { فإن{[24546]} الله كان بما تعملون خبيراً } وختام هذه بقوله معللاً{[24547]} لما قبله{[24548]} : { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { خبير بما تعملون* } لأن ما بين الزوجين ربما دق علمه عن إدراك غير العليم الخبير ؛ وقال أبو حيان : لما كان الشنآن محله القلب ، وهو الحامل على ترك العدل ، أمر بالتقوى وأتى بصفة { خبير } ومعناها عليم ولكنها مما تختص{[24549]} بما لطف إدراكه انتهى . { وشهداء } يمكن أن يكون من الشهادة{[24550]} التي هي حضور القلب - كما تقدم من قوله{ أو ألقى السمع وهو شهيد{[24551]} }[ ق : 37 ] وأن يكون من الشهادة المتعارفة ، ويوضح المناسبة فيها مع تأييد إرادتها كونها بعد قوله{ إن الله عليم بذات الصدور }[ آل عمران : 119 ] ومع قوله تعالى :{ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه{[24552]} }[ البقرة : 283 ] وختام آية النساء التي في الشهادة بقوله{[24553]} :{ وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً{[24554]} }[ النساء : 135 ] كما ختمت هذه بمثل ذلك .