ويمضي السياق بالقصة ، فإذا نحن أمام مشهد جديد . المشهد الثاني عشر . مشهد موسى وسبعين من قومه مختارين للقاء ربه :
( واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا . فلما أخذتهم الرجفة قال : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي . أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء . أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا ، وأنت خير الغافرين . واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ، إنا هدنا إليك . قال : عذابي أصيب به من أشاء ، ورحمتي وسعت كل شيء ، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون . الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم . فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) . .
وتختلف الروايات في سبب هذا الميقات . وربما كان لإعلان التوبة ، وطلب المغفرة لبني إسرائيل مما وقعوا فيه من الكفر والخطيئة - وفي سورة البقرة أن التكفير الذي فرض على بني إسرائيل هو : أن يقتلوا أنفسهم ، فيقتل المطيع منهم من عصى ؛ وقد فعلوا حتى أذن لهم الله بالكف عن ذلك ؛ وقبل كفارتهم - وهؤلاء السبعون كانوا من شيوخهم ومن خيرتهم . أو كانوا هم خلاصتهم التي تمثلهم ، فصيغة العبارة : ( واختار موسى قومه سبعين رجلاً . . لميقاتنا ) . تجعلهم بدلاً من القوم جميعاً في الاختيار . .
ومع هذا فما الذي كان من هؤلاء المختارين ؟ لقد أخذتهم الرجفة فصعقوا . ذلك أنهم - كما ورد في السورة الأخرى طلبوا إلى موسى أن يروا الله جهرة ، ليصدقوه فيما جاءهم به من الفرائض في الألواح . . وهي شاهدة بطبيعة بني إسرائيل ، التي تشمل خيارهم وشرارهم ، ولا يتفاوتون فيها إلا بمقدار . وأعجب شيء أن يقولوها وهم في مقام التوبة والاستغفار !
فأما موسى - عليه السلام - فقد توجه الى ربه ، يتوسل اليه ، ويطلب المغفرة والرحمة ، ويعلن الخضوع والاعتراف بالقدرة :
( فلما أخذتهم الرجفة قال : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ) . .
فهو التسليم المطلق للقدرة المطلقة من قبل ومن بعد ، يقدمه موسى بين يدي دعائه لربه أن يكشف عن القوم غضبه ؛ وأن يرد عنهم فتنته ، وألا يهلكهم بفعلة السفهاء منهم :
( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ ) . .
وقد جاء الرجاء بصيغة الاستفهام . زيادة في طلب استبعاد الهلاك . . أي : رب إنه لمستبعد على رحمتك أن تهلكنا بما فعل السفهاء منا .
( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) . .
يعلن موسى - عليه السلام - إدراكه لطبيعة ما يقع ؛ ومعرفته أنها الفتنة والابتلاء ؛ فما هو بغافل عن مشيئة ربه وفعله كالغافلين ! . وهذا هو الشأن في كل فتنة : أن يهدي الله بها من يدركون طبيعتها ويأخذونها على أنها ابتلاء من ربهم وامتحان يجتازونه صاحين عارفين . وأن يضل بها من لا يدركون هذه الحقيقة ومن يمرون بها غافلين ، ويخرجون منها ضالين . . وموسى - عليه السلام - يقرر هذا الأصل تمهيداً لطلب العون من الله على اجتياز الابتلاء :
ولما فرغ سبحانه من ذكر الوعد بالميقات المقصود به سعي الكليم عليه السلام فيما يهديهم إلى صراط الله ، وذكر سعيهم هم فيما أضلهم عن الطريق باتخاذهم العجل ، وكان ختام ذلك ما بدا من موسى عليه السلام من الشفقة على أخيه ثم على الكافة بأخذ الألواح عند الفراغ مما يجب من الغضب لله ، رد الكلام على ذكر شيء فعله في الميقات مرادٍ به عصمتُهم في صراط الله بنقلهم - بمشاركته{[33521]} في سماعهم لكلام الله - من علم اليقين إلى عين اليقين بل حق اليقين شفقة عليهم ورحمة لهم ، ليكون إخبارهم عما رأوا مؤيداً لما يخبر به ، فيكون ذلك سبباً{[33522]} لحفظهم من مثل ما وقعوا فيه من عبادة العجل ، ومع ذلك وقع منهم العصيان بطلب ما لا ينبغي لهم من الرؤية على وجه التعنت ، فقال : { واختار } أي اجتهد في أخذ الخيار { موسى قومه } ثم أبدل منهم قوله : { سبعين رجلاً } إشارة إلى أن من عداهم عدم ، لا يطلق عليهم اسم القوم في المعنى الذي أراده ، وهو نحو ما{[33523]} قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما " الناس كالإبل المائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة " ثم ذكر علة الاختيار فقال : { لميقاتنا } أي{[33524]} فما أختار إلا من رأى أنه يصلح لما نريد من عظمتنا في الوقت الذي حددناه{[33525]} له ، ودنا بهم من الحضرة الخطابية في الجبل{[33526]} هو وهارون عليهما السلام ، واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون عليه السلام ، كل ذلك عن أمر الله له ، وفي{[33527]} هذا الكلام عطف على قوله{ وواعدنا{[33528]} موسى ثلاثين ليلة }[ الأعراف : 142 ] فيكون الميقات هو الأول وهو ظاهر التوراة كما مر بيانه في البقرة ، ويجوز أن يكون عطفاً على قوله{ واتخذ قوم موسى }[ الأعراف : 148 ] أو على قوله{ أخذ الألواح }[ الأعراف : 154 ] وحينئذ يكون هذا الميقات غير الميقات الأول ، ويؤيده ما نقل من أن هارون عليه السلام كان معهم ، وكأنهم لما سمعوا كلام الله طلب بعضهم الرؤية جاعليها شرطاً لإيمانهم فقالوا :{ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }{[33529]} كما فعل النقباء الاثنا عشر حين أرسلهم لجس أحوال الجبارين فنقض{[33530]} أكثرهم ، فأخذتهم الرجفة فماتوا ، فخشي موسى عليه السلام أن يتهمه بنو إسرائيل في موتهم كنفس{[33531]} واحدة { فلما أخذتهم } أي أخذ قهر وغلبة { الرجفة } أي التي سببتها الصاعقة التي تقدمت في البقرة ، فزلزلت قلوبهم فأماتتهم ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هؤلاء غير السبعين الذين قالوا{ أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة }{[33532]} وأن أولئك كانوا قبل هؤلاء ، فالظاهر أن سبب الرجفة ما رأوا عند سماع الكلام من جلال الله وعظيم هيبته من الغمام{[33533]} الذي تغشى الجبل والقتار والبروق وأصوات القرون وغير ذلك بحيث كادت الرجفة - وهي رعدة{[33534]} - تفرق أوصالهم بعضها من بعض { قال } أي موسى تملقاً لربه سبحانه { رب } أي أيها{[33535]} المحسن إليّ { لو شئت أهلكتهم } أي أمتّهم .
ولما لم يكن إهلاكهم مستغرقاً للماضي ، أدخل الجارفقال : { من قبل وإياي } أي قدرتك عليّ وعليهم قبل أن نقترب{[33536]} من هذه الحضرة المقدسة ونحن بحضرة قومنا كقدرتك علينا حين تشرفنا بها ، وقد أسبلت علينا ذيل عفوك وأسبغت علينا نعمتك ونحن في غير هذه الحضرة فلم تهلكنا ، فإنعامك علينا ونحن في حضرة القدس وبساط القرب والأنس أولى .
ثم لما كان الحال مقتضياً لأن يقال : ألم تر إلى ما اجترؤوا عليه ، وكان كأنه قال : إنما قال ذلك قوم منهم سفهاء ، دل على{[33537]} ذلك بقوله استعطافاً : { أتهلكنا } وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجفتهم كانت بسبب أنهم لم ينهوا عن عبادة العجل مع أنهم لم يرضوا بذلك . وكأن موسى عليه السلام عبر بهذه العبارة المقتضية لإهلاك الجميع لأنه جوز{[33538]} أنه كما أهلك هؤلاء يهلك غيرهم لتقصير آخر بسبب ذلك كعدم الجهاد مثلاً حتى يعمهم الهلاك { بما فعل السفهاء منا } فكأنه صلى الله عليه وسلم رضي أنه إن لم يشملهم العفو أن يخص العفو بمن لم يذنب بالفعل ويعفو{[33539]} عمن قصر بالسكوت ، وعلى تقدير كون الميقات غير الأول يجوز أن يكون بعد اتخاذهم العجل كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فيكون موسى عليه السلام خاف أن يكون إهلاكهم فتنة لبني إسرائيل وسبباً لكفرهم كما كان إبطاؤه عنهم بزيادة عشرة أيام على الثلاثين في الميقات الأول سبباً لاتخاذهم العجل ، ويجوز حينئذ أن يراد بفعل السفهاء اتخاذ العجل ، ويؤيده التعبير بالفعل دون القول وقد تقدم نقله{[33540]} عن ابن عباس رضي الله عنهما .
ولما كان قوله هذا ربما أفهم رضاه بهلاك المذنبين{[33541]} ، قال معرضاً بالسؤال في العفو عن الجميع : { إن هي } أي الفتنة التي أوقعها{[33542]} السفهاء { إلا فتنتك } أي ابتلاؤك واختبارك { تضل بها من تشاء } أي تظهر في عالم الشهادة من ضلاله{[33543]} ما كان معلوماً لك في عالم الغيب { وتهدي من تشاء } أي تظهر{[33544]} ما في علمك من ذلك .
ولما أثبت أن الكل بيده ، استأنف سؤاله في أن يفعل لهم الأصلح فقال : { أنت } أي وحدك{[33545]} { ولينا } أي نعتقد أنه لا يقدر{[33546]} على عمل مصالحنا غيرك ، وأنت لا نفع لك في شيء من الأمرين ولا ضر ، بل الكل بالنسبة إليك على حد سواء ، ونحن على بصيرة{[33547]} من أن أفعالك لا تعلل بالأغراض ، وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك منا يضرنا ، ونحن في حضرتك قد انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا لديك .
ولما اثبت أنه الفعال لما يشاء وأنه لا ولي لهم غيره ، وكان من شأن الولي جلب النفع ودفع الضر ، سبب عن كونه الولي وحده قوله بادئاً بدفع الضرر : { فاغفر لنا } أي امح ذنوبنا { وارحمنا } أي ارفعنا ؛ ولما كان التقدير : فأنت خير الراحمين ، عطف عليه قوله : { وأنت خير الغافرين* } أي لأن غيرك يتجاوز عن الذنب للثناء أو الثواب أو دفعاً للصفة الخسيسة وهي صفة الحقد ونحوه ، وأنت منزه عن ذلك ،