في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ} (88)

59

ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من الناس لا تدين للطاغوت . . إن وجود جماعة مسلمة في الأرض ، لا تدين إلا للّه ، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه ، ولا تحكم في حياتها شرعاً إلا شرعه ، ولا تتبع في حياتها منهجاً إلا منهجه . . إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت - حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها ، وتركت الطواغيت لحكم اللّه حين يأتي موعده .

إن الطاغوت يفرض المعركة فرضاً على الجماعة المسلمة - حتى لو آثرت هي ألا تخوض معه المعركة - إن وجود الحق في ذاته يزعج الباطل . وهذا الوجود ذاته هو الذي يفرض عليه المعركة مع الباطل . . إنها سنة اللّه لا بد أن تجري . .

( قال الملأ الذين استكبروا من قومه : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا ، أو لتعودن في ملتنا ) .

هكذا في تبجح سافر ، وفي إصرار على المعركة لا يقبل المهادنة والتعايش !

إلا أن قوة العقيدة لا تتلعثم ولا تتزعزع أمام التهديد والوعيد . . لقد وقف شعيب عليه السلام عند النقطة التي لا يملك أن يتزحزح وراءها خطوة . . نقطة المسالمة والتعايش - على أن يترك لمن شاء أن يدخل في العقيدة التي يشاء ؛ وأن يدين للسلطان الذي يشاء : في انتظار فتح اللّه وحكمه بين الفريقين - وما يملك صاحب دعوة أن يتراجع خطوة واحدة وراء هذه النقطة ، تحت أي ضغط أو أي تهديد من الطواغيت . . وإلا تنازل كلية عن الحق الذي يمثله وخانه . . فلما أن تلقى الملأ المستكبرون عرضه هذا بالتهديد بالإخراج من قريتهم أو العودة في ملتهم ، صدع شعيب بالحق ، مستمسكاً بملته ، كارهاً أن يعود في الملة الخاسرة التي أنجاه اللّه منها ، واتجه إلى ربه وملجئه ومولاه يدعوه ويستنصره ويسأله وعده بنصرة الحق وأهله :

قال : أو لو كنا كارهين ؟ قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها . وما يكون لنا أن نعود فيها - إلا أن يشاء اللّه ربنا ، وسع ربنا كل شيء علماً - على اللّه توكلنا . ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ، وأنت خير الفاتحين . .

وفي هذه الكلمات القلائل تتجلى طبيعة الإيمان ، ومذاقه في نفوس أهله ، كما تتجلى طبيعة الجاهلية ومذاقها الكريه . كذلك نشهد في قلب الرسول ذلك المشهد الرائع . . مشهد الحقيقة الإلهية في ذلك القلب وكيف تتجلى فيه .

قال : أو لو كنا كارهين ؟

يستنكر تلك القولة الفاجرة : ( لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) . . يقول لهم : أتجبروننا على ما نكره من ملتكم التي نجانا اللّه منها ؟ !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ} (88)

ولما انتهى كلامه عليه السلام على هذا الوجه البديع ، أخبر سبحانه بما أفهم أن قومه لم يجدوا عنه جواباً أصلاً لأنهم انتقلوا إلى الدفاع{[32715]} بالفعل ، وهو أمارة الانقطاع ، فقال مستأنفاً : { قال الملأ } أي الأشراف { الذين استكبروا } أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له بغاية الرغبة ، وخصهم ليحصل تمام التسلية بقوله : { من قومه لنخرجنك } وبين غلظتهم وجفاءهم بقولهم : { يا شعيب } من غير استعطاف ولا إجلال { والذين آمنوا } ويجوز أن يتعلق قوله : { معك } ب " آمنوا " وب " نخرج " { من قريتنا } أي من المكان الجامع لنا لمفارقتكم إيانا { أو لتعودن } أي إلا أن تعودوا ، أي ليكونن آخر الأمرين : إما الإخراج وإما العود { في ملتنا{[32716]} } أي بالسكوت عنا كما كنتم ، ولم يريدوا منه العود إلى الكفر لأنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظاً قبل النبوة كإخوانه من الأنبياء عليهم السلام ، بل كانوا يعدون سكوته عليه السلام - قبل إرساله إليهم من{[32717]} دعائهم وسب آلهتهم وعيب دينهم - كوناً في ملتهم ، ومرادهم الآن رجوعه عليه السلام إلى تلك الحالة والقناعة ممن اتبعه{[32718]} بذلك ، فيكون مرادهم بالعود حقيقة{[32719]} في الجميع{[32720]} .

ولما كان من الإخراج والرد مستعظماً ، أخبر تعالى أنه أنكره بقوله : { قال أولو } أي أتخرجوننا أو تعيدوننا لو كنا راضين للإخراج والعود ولو { كنا كارهين* } .


[32715]:من ظ، وفي الأصل: الرقاع.
[32716]:- من ظ، وفي الأصل: إلى.
[32717]:- في ظ: عن.
[32718]:- في ظ: تبعه.
[32719]:- من ظ، وفي الأصل: حقيقته
[32720]:- في ظ: الجمع.