في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ} (42)

35

وأحب يوسف السجين البريء ، الذي أمر الملك بسجنه دون تحر ودون بحث ، إلا ما نقله إليه بعض حاشيته من وشاية لعلهم صوروا له فيها حادث امرأة العزيز وحادث النسوة تصويرا مقلوبا ، كما يقع عادة في مثل هذه الأوساط . . أحب يوسف أن يبلغ أمره إلى الملك ليفحص عن الأمر :

( وقال للذي ظن أنه ناج منهما : اذكرني عند ربك ) . .

اذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك الذي تدين بشرعه وتخضع لحكمه ، فهو بهذا ربك . فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع . . وفي هذا توكيد لمعنى الربوبية في المصطلح الإسلامي . ومما يلاحظ أن ملوك الرعاة لم يكونوا يدعون الربوبية قولا كالفراعنة ، ولم يكونوا ينتسبون إلى الإله أو الآلهة كالفراعنة . ولم يكن لهم من مظاهر الربوبية إلا الحاكمية وهي نص في معنى الربوبية . .

وهنا يسقط السياق أن التأويل قد تحقق ، وأن الأمر قد قضي على ما أوله يوسف . ويترك هنا فجوة ، نعرف منها أن هذا كله قد كان . ولكن الذي ظن يوسف أنه ناج فنجا فعلا لم ينفذ الوصية ، ذلك أنه نسي الدرس الذي لقنه له يوسف ، ونسي ذكر ربه في زحمة حياة القصر وملهياتها وقد عاد إليها ، فنسي يوسف وأمره كله . .

( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) . .

( فلبث في السجن بضع سنين ) . .

والضمير الأخير في لبث عائد على يوسف . وقد شاء ربه أن يعلمه كيف يقطع الأسباب كلها ويستمسك بسببه وحده ، فلم يجعل قضاء حاجته على يد عبد ولا سبب يرتبط بعبد . وكان هذا من اصطفائه وإكرامه .

إن عباد الله المخلصين يتبغي أن يخلصوا له سبحانه ، وأن يدعوا له وحده قيادهم ، ويدعوا له سبحانه تنقيل خطاهم . وحين يعجزون بضعفهم البشري في أول الأمر عن اختيار هذا السلوك ، يتفضل الله سبحانه فيقهرهم عليه حتى يعرفوه ويتذوقوه ويلتزموه بعد ذلك طاعة ورضى وحبا وشوقا . . فيتم عليهم فضله بهذا كله . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ} (42)

شرح الكلمات :

{ ظن أنه ناج منهما } : أي أيقن إنه محكوم ببراءته .

{ اذكرني عند ربك } : أي أذكرني عند الملك بأني مسجون ظلما بدون جريمة .

{ فأنساه الشيطان ذكر ربه } : أي أنسى الشيطان يوسف ذكر ربّه تعالى .

المعنى :

ثم قال للذي ظن أنّه ناج منهما ما أخبر تعالى به عنه { اذكرني عند ربك } أي عند سيدك وكانوا يطلقون على السيد المالك لفظ الربّ . فأنساه الشيطان ذكر ربّه أي أنسى الشيطان يوسف عليه السلام ذكر ربّه تعالى حيث التفت بقلبه إلى الخادم والملك ونسى الله تعالى فعاقبه ربّه الحق فلبث في السجن بضع سنين أي سبع سنوات عداً .

الهداية :

من الهداية :

- غفلة يوسف عليه السلام بإِقباله على الفتى وقوله له اذكرني عند ربك ناسياً مولاه الحق ووليه الذي أنجاه من القتل وغيابة الجب ، وفتنة النساء جعلته يحبس في السجن سبع سنين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ} (42)

قوله تعالى : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } قال يوسف عليه السلام للفتى الذي أيقن ( يوسف ) أنه ناج وأنه سيسقي سيده الملك خمرا : { اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ } أي اذكر رأيته هنا وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك ، وأخبره أني مظلوم وأن ما اتهمتموني به افتراء وباطل . { فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } أي أنسى الشيطان الناجي وهو الساقي أن يذكر يوسف لربه وهو سيده الملك ، وقيل : الضمير في { فأنساه } عائد إلى يوسف ؛ أي أنساه الشيطان ذكر ربه ، وهو أن يشكو إلى الله وحده ويتغبث به دون غيره ؛ ويطلب منه العون والفرج ، لكنه بدلا من ذلك استغاث بمخلوق ، ومن أجل زلته هذه عوقب بالبث في السجن بضع سنين . قال ابن عباس في ذلك : عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لما قال للذي نجا منهما : { اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ } ولو ذكر يوسف ربه لخلصه .

والراجح القول الأول ، وهو عود الضمير على الناجي ؛ فهو الذي نسي أن يذكر للملك قصة يوسف . ويدل على صوب هذا القول : أن يوسف لا يستحق العقاب باللبث في السجن من أجل النسيان ، فغن الناسي غير مؤاخذ . ويستدل أيضا بقوله تعالى : { وقال الذي نج منهما وادكر بعد أمة } وهذا يدل على أن الناسي هو الساقي وليس يوسف . والله تعالى أعلم .

قوله : { فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } { بضع } ، في العدد ، بكسر الباء ، هو ما بين الثلاث إلى التسع . تقول : بضع سنين ، وبعضة عشر رجلا ، وبعض عشرة امرأة ، فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البعض ، فلا تقول : بضع وعشرون{[2248]} .


[2248]:مختار الصحاح ص 54.