( أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل ) . .
حركات كلها عنف وكلها خشونة . . قذف في التابوت بالطفل . وقذف في اليم بالتابوت . وإلقاء للتابوت على الساحل . . ثم ماذا ? أين يذهب التابوت المقذوف فيه بالطفل المقذوف في اليم الملقى به على الساحل . من يتسلمه ? ( عدو لي وعدو له ) .
وفي زحمة هذه المخاوف كلها . وبعد تلك الصدمات كلها . ماذا ? ما الذي حدث للطفل الضعيف المجرد من كل قوة ? ما الذي جرى للتابوت الصغير المجرد من كل وقاية ?
( وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني ) ! ! !
يا للقدرة القادرة التي تجعل من المحبة الهينة اللينة درعا تتكسر عليها الضربات وتتحطم عليه الأمواج . وتعجز قوى الشر والطغيان كلها أن تمس حاملها بسوء ؛ ولو كان طفلا رضيعا لا يصول ولا يجول بل لا يملك أن يقول . .
إنها مقابلة عجيبة في تصوير المشهد . مقابلة بين القوى الجبارة الطاغية التي تتربص بالطفل الصغير ، والخشونة القاسية فيما يحيط به من ملابسات وظروف . . والرحمة اللينة اللطيفة تحرسه من المخاوف ، وتقيه من الشدائد وتلفه من الخشونة ، ممثلة في المحبة لا في صيال أو نزال : ( ولتصنع على عيني ) . . وما من شرح يمكن أن يضيف شيئا إلى ذلك الظل الرفيق اللطيف العميق الذي يلقيه التعبير القرآني العجيب : ( ولتصنع على عيني )وكيف يصف لسان بشري ، خلقا يصنع على عين الله ? إن قصارى أي بشري أن يتأمله ويتملاه . . إنها منزلة وإنها كرامة أن ينال إنسان لحظة من العناية . فكيف بمن يصنع صنعا على عين الله ? إنه بسبب من هذا أطاق موسى أن يتلقى ذلك العنصر العلوي الذي تلقاه .
ولتصنع على عيني . تحت عين فرعون - عدوك وعدوي - وفي متناول يده بلا حارس ولا مانع ولا مدافع . ولكن عينه لا تمتد إليك بالشر لأني ألقيت عليك محبة مني . ويده لا تنالك بالضر وأنت تصنع على عيني .
ثم فسره بقوله : { أن اقذفيه } أي ألقي ابنك { في التابوت } وهو الصندوق ، فعلوت من التوب {[49151]}الذي معناه تفاؤلاً به{[49152]} ، وقال الحرالي : هو وعاء ما يعز قدره ، والقذف مجاز عن المسارعة إلى وضعه{[49153]} من غير تمهل لشيء أصلاً ، إشارة إلى أنه فعل مضمون السلامة كيف ما كان ، {[49154]}والتعريف لأنه نوع من الصناديق أشد الناس معرفة به بنو إسرائيل{[49155]} { فاقذفيه } أي موسى عليه السلام{[49156]} عقب ذلك بتابوته ، {[49157]}أو التابوت الذي فيه موسى عليه السلام{[49158]} { في اليم } أي البحر وهو النيل .
ولما كانت سلامته في البحر من العجائب ، لتعرضه للغرق بقلب الريح للتابوت ، أو بكسره في بعض الجدر أو غيرها ، أو بجريه مستقيماً مع أقوى جرية من الماء إلى البحر الملح وغير ذلك من الآفات ، أشار إلى تحتم تنجيته بلام الأمر{[49159]} عبارة عن معنى الخبر{[49160]} في قوله ، {[49161]}جاعلاً البحر كأنه ذو تمييز ليطيع الأمر{[49162]} : { فليلقه } {[49163]}أي التابوت الذي فيه موسى عليه السلام أو موسى بتابوته{[49164]} { اليم بالساحل } {[49165]}أي شاطىء النيل ، سمي بذلك لأن الماء يسحله ، أي ينشره{[49166]} إلى جانب البيت الذي الفعل كله هرباً من شر صاحبه ، وهو فرعون ، وهو المراد بقوله : { يأخذه }{[49167]} {[49168]}جواباً للأمر ، أي موسى{[49169]} { عدو لي } ونبه على محل العجب بإعادة لفظ العدو في قوله : { وعدو له } فإنه ما عادى بني إسرائيل بالتذبيح إلا من أجله { وألقيت عليك محبة } أي عظيمة ؛ ثم زاد الأمر في تعظيمها إيضاحاً بقوله : { مني } أي{[49170]} ليحبك كل من{[49171]} رآك لما جبلتك عليه من الخلال الحميدة ، والشيم السديدة ، لتكون أهلاً لما أريدك له { ولتصنع } أي تربى{[49172]} بأيسر أمر تربية بمن هو ملازم لك لا ينفك عن الاعتناء بمصالحك عناية شديدة{[49173]} { على عيني* } أي مستعلياً على حافظيك غير مستخفى في تربيتك{[49174]} من أحد ولا مخوف عليك منه ، وأنا حافظ لك حفظ من يلاحظ الشيء بعينه{[49175]} لا يغيب عنها ، فكان كل ما أردته{[49176]} ، فلما رآك هذا العدو أحبك {[49177]}وطلب{[49178]} لك المراضع ، فلما لم{[49179]} تقبل واحدة منهن بالغ في الطلب ، كل ذلك إمضاء لأمري وإيقافاً لأمره به نفسه لا بغيره ليزداد العجب من إحكام السبب ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.