في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ} (49)

40

بعدئذ يمضي يعدد آلاء الله عليهم ، وكيف استقبلوا هذه الآلاء ، وكيف جحدوا وكفروا وحادوا عن الطريق . وفي مقدمة هذه النعم كانت نجاتهم من آل فرعون ومن العذاب الأليم :

( وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ، يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم . وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) . .

إنه يعيد على خيالهم ويستحيي في مشاعرهم صورة الكرب الذي كانوا فيه - باعتبار أنهم أبناء هذا الأصل البعيد - ويرسم أمامهم مشهد النجاة كما رسم أمامهم مشاهد العذاب .

يقول لهم : واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون حالة ما كانوا يديمون عذابكم ، [ من سام الماشية أي جعلها سائمة ترعى دائما ] وكأن العذاب كان هو الغذاء الدائم الذي يطعمونهم إياه ! ! ثم يذكر لونا من هذا العذاب . هو تذبيح الذكور واستيحاء الإناث . كي يضعف ساعد بني إسرائيل وتثقل تبعاتهم !

وقبل أن يعرض مشهد النجاة يعقب بأن ذلك التعذيب كان فيه بلاء من ربهم عظيم . ليلقي في حسهم - وحس كل من يصادف شدة - أن إصابة العباد بالشدة هي امتحان وبلاء ، واختبار وفتنة . وأن الذي يستيقظ لهذه الحقيقة يفيد من الشدة ، ويعتبر بالبلاء ، ويكسب من ورائهما حين يستيقظ . والألم لا يذهب ضياعا إذا أدرك صاحبه أنه يمر بفترة امتحان لها ما بعدها إن أحسن الانتفاع بها . والألم يهون على النفس حين تعيش بهذا التصور وحين تدخر ما في التجربة المؤلمة من زاد للدنيا بالخبرة والمعرفة والصبر والاحتمال ، ومن زاد للآخرة باحتسابها عند الله ، وبالتضرع لله وبانتظار الفرج من عنده وعدم اليأس من رحمته . . ومن ثم هذا التعقيب الموحى : ( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم )

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ} (49)

{ فِرْعَوْنَ } لقب لكل من ملك مصر في ذلك العهد . وفرعون الذي ولد موسى في زمنه ، وربى في بيته ، وكان يسومهم سوء العذاب ، هو رعمسيس الثاني من الأسرة التاسعة عشرة . أما فرعون الذي اغرق فهو ابنه منفتاح ، على ما نقله صاحب الأنبياء{[26]} عن علماء الآثار .

{ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ } يبغون لكم أشد العذاب وأفظعه . من السوم ، وهو مطلق الذهاب أو الذهاب في ابتغاء الشيء . يقال : سامت الإبل فهي سائمة ، أي ذهبت إلى المراعى . وسام السلعة : إذا طلبها وابتغاها . والسوء-بالضم- كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي أو أخروي . وهو في الأصل مصدر ، ويؤنث بالألف فيقال : السوءى .

{ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } يستبقون بناتكم ولا يقتلون ليستخدموهن . يقال : استحياه ، أي استبقاه . وأصله : طلب له الحياة والبقاء .

{ لاء } اختبار وامتحان بالمحن المقتضية للصبر ، أو المنح المقتضية للشكر ، أولهما للترغيب والترهيب يقال : بلونه بلوا وبلاء ، اختبرته وامتحنته . والاسم البلوي والبلية والبلوة .


[26]:هو الأستاذ العلامة الشيخ عبد الوهاب النجار رحمه الله