وأخيرا فإن عباد الرحمن لا يكفيهم أنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما ؛ وأنهم يتسمون بتلك السمات العظيمة كلها ، بل يرجون أن تعقبهم ذرية تسير على نهجهم ، وأن تكون لهم أزواج من نوعهم ؛ فتقر بهم عيونهم ، وتطمئن بهم قلوبهم ، ويتضاعف بهم عدد ( عباد الرحمن )ويرجون أن يجعل الله منهم قدوة طيبة للذين يتقون الله ويخافونه :
( والذين يقولون : ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ، واجعلنا للمتقين إماما ) . .
وهذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق : شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى الله . وفي أولهم الذرية والأزواج ، فهم أقرب الناس تبعة وهم أول أمانة يسأل عنها الرجال . والرغبة كذلك في أن يحس المؤمن أنه قدوة للخير ، يأتم به الراغبون في الله . وليس في هذا من أثرة ولا استعلاء فالركب كله في الطريق إلى الله .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين} يقول: اجعلهم صالحين، فتقر أعيننا بذلك، {واجعلنا للمتقين إماما} يقول: واجعلنا أئمة يقتدي بنا في الخير.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم ومسألتهم بأن يقولوا:"رَبّنا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا" ما تقرّ به أعيننا من أن تريناهم يعملون بطاعتك... وقوله: "وَاجْعَلْنا للْمُتّقِينَ إماما "اختلف أهل التأويل في تأويله؛
فقال بعضهم: معناه: اجعلنا أئمة يَقتَدِي بنا من بعدنا... وقال آخرون: بل معناه: واجعلنا للمتقين إماما: نأتمّ بهم، ويأتمّ بنا من بعدنا... عن مجاهد، في قوله: "وَاجْعَلْنا للْمُتّقِين إماما" قال: أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا...
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: واجعلنا للمتقين الذين يتقون معاصيك، ويخافون عقابك إماما يأتمون بنا في الخيرات، لأنهم إنما سألوا ربهم أن يجعلهم للمتقين أئمة، ولم يسألوه أن يجعل المتقين لهم إماما، وقال "وَاجْعَلْنا للْمُتّقِينَ إماما" ولم يقل أئمة...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} قد نعتهم سبحانه وتعالى في معاملتهم: أن كيف عاملوا ربهم بالليل والنهار نعتهم أيضا في معاملتهم عباده: أن كيف عاملوا عباده. ثم نعتهم في معاملتهم أهليهم ودعائهم لهم، فقال: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} فهو، والله أعلم لما أمرهم أن يتوبوا ويقوا أنفسهم وأهليهم النار بقوله: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} الآية [التحريم: 6] فعند ذلك دعوا ربهم، وسألوه أن يهب لهم من أزواجهم وذرياتهم ما تقر به أعينهم في الدنيا والآخرة.
وقال بعضهم: اجعلهم صالحين مطيعين فإن ذلك يقر أعيننا. قال الحسن: والله ما شيء أحب إلى العبد المسلم من أن يرى ولده أو حميمه يطيع الله، وقال: نراهم يعملون بطاعة الله، فتقر بذلك أعيننا، والله أعلم.
{واجعلنا للمتقين إماما} قال بعضهم: أي اجعلنا أئمة هدى، يقتدى بنا. وقال بعضهم: واجعلنا بحال يقتدي بنا المتقون. وأصله، والله أعلم: كأنهم سألوا ربهم أن يجعلهم بحال من اقتدى بهم صار تقيا، لا من اقتدى صار ضالا فاسقا.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
قرة العين مَن به حياة الروح، وإنما يكون كذلك إذا كان بحقِّ الله قائماً. ويقال قرة العين من كان لطاعة ربه معانقاً، ولمخالفة أمره مفارقاً.
{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} الإمام مَنْ يُقْتَدى به ولا يَبْتَدِع. ويقال إن الله مدح أقواماً ذكروا رتبة الإمامة فسألوها بنوع تضرع، ولم يدَّعوا فيها اختيارهم؛ فالإمامةُ بالدعاء لا بالدعوى، فقالوا: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما ذكر هذه الخصلة المثمرة لما يلي الخصلة الأولى، ختم بما ينتج الصفة الأولى. فقال مؤذناً بأن إمامة الدين ينبغي أن تطلب ويرغب فيها: {والذين يقولون} علماً منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل للإمامة: {ربنا هب لنا من أزواجنا} اللاتي قرنتها بنا كما فعلت لنبيك صلى الله عليه وسلم، فمدحت زوجته في كلامك القديم، وجعلت مدحها يتلى على تعاقب الأزمان والسنين {وذرياتنا قرة} ولما كان المتقون -الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها- قليلاً في جنب العاصين، أتى بجمع القلة ونكر فقال: {أعين} أي من الأعمال أو من العمال يأتمون بنا، لأن الأقربين أولى بالمعروف، ولا شيء أسر للمؤمن ولا أقر لعينه من أن يرى حبيبه يطيع الله، فما طلبوا إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم، ف "من "إما تكون مثلها في: رأيت منك أسداً، وإما أن تكون على بابها، وتكون القرة هي الأعمال، أي هب لنا منهم أعمالاً صالحة فجعلوا أعمال من يعز عليهم هبة لهم، وأصل القرة البرد لأن العرب تتأذى بالحر وتستروح إلى البرد، فجعل ذلك كناية عن السرور {واجعلنا} أي إيانا وإياهم {للمتقين} أي عامة من الأقارب والأجانب. ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في المتابعة واحدة، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس، فقالوا: {إماماً*} أي فنكون علماء مخبتين متواضعين كما هو شأن إمامة التقوى في إفادة التواضع والسكينة، لنحوز الأجر العظيم، إذ الإنسان له أجره وأجر من اهتدى به فعمل بعمله "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" وعكسه.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنا وذرياتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} بتوفيقهم للطَّاعةِ وحيازة الفضائلِ فإنَّ المؤمنَ إذا ساعده أهلُه في طاعةِ الله عزَّ وجلَّ وشاركوه فيها يُسرُّ بهم قلبُه وتقرُّ بهم عينُه لما يشاهدُه من مشايعتهم له في مناهجِ الدِّينِ وتوقُّعِ لحوقِهم به في الجنَّة حسبما وعد بقوله تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ} [سورة الطور، الآية21]
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وأخيرا فإن عباد الرحمن لا يكفيهم أنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما؛ وأنهم يتسمون بتلك السمات العظيمة كلها، بل يرجون أن تعقبهم ذرية تسير على نهجهم، وأن تكون لهم أزواج من نوعهم؛ فتقر بهم عيونهم، وتطمئن بهم قلوبهم، ويتضاعف بهم عدد (عباد الرحمن) ويرجون أن يجعل الله منهم قدوة طيبة للذين يتقون الله ويخافونه: (والذين يقولون: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماما).. وهذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق: شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى الله. وفي أولهم الذرية والأزواج، فهم أقرب الناس تبعة وهم أول أمانة يسأل عنها الرجال. والرغبة كذلك في أن يحس المؤمن أنه قدوة للخير، يأتم به الراغبون في الله. وليس في هذا من أثرة ولا استعلاء فالركب كله في الطريق إلى الله.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
هذه صفة ثالثة للمؤمنين بأنهم يُعْنَون بانتشار الإسلام وتكثير أتباعه فيدْعُون الله أن يرزقهم أزواجاً وذرّيّات تقَرُّ بهم أعينُهم، فالأزواج يُطعنهم باتباع الإسلام وشرائعه؛ فقد كان بعض أزواج المسلمين مخالفات أزواجهم في الدين، والذّريات إذا نَشَأوا نشأوا مؤمنين، وقد جُمع ذلك لهم في صفة {قرة أعين}. فإنها جامعة للكمال في الدين واستقامة الأحوال في الحياة إذ لا تقَرّ عيون المؤمنين إلاّ بأزواج وأبناء مؤمنين. وقد نهى الله المسلمين عن إبقاء النساء الكوافر في العصمة بقوله: {ولا تُمسِكوا بعِصَم الكوافر} [الممتحنة: 10]، وقال: {والذي قال لوالدَيه أُف لكما أَتَعِدَانِنِيَ أن أُخرَج} [الأحقاف: 17] الآية. فمن أجل ذلك جعل دعاؤهم هذا من أسباب جزائهم بالجنة وإن كان فيه حظ لنفوسهم بقُرّة أعينهم إذ لا يناكد حظ النفس حظ الدين في أعمالهم...
و {مِن} في قوله: {من أزواجنا} للابتداء، أي اجعل لنا قُرّة أعْيُن تنشأ من أزواجنا وذرّياتنا. وقرأ الجمهور: {وذرياتنا} جمع ذرية، والجمع مراعى فيه التوزيع على الطوائف من الذين يدعون بذلك، وإلا فقد يكون لأحد الداعين ولد واحد. وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف و {ذريتنا} بدون ألف بعد التحتية، ويستفاد معنى الجمع من الإضافة إلى ضمير {الذين يقولون}، أي ذرية كل واحد. والأعين: هي أعين الداعين، أي قرة أعيُن لنا. وإذ قد كان الدعاء صادراً منهم جميعاً اقتضى ذلك أنهم يريدون قرة أعين جميعهم. وكما سألوا التوفيق والخير لأزواجهم وذرّياتهم سألوا لأنفسهم بعد أن وفقهم الله إلى الإيمان أن يجعلهم قُدوةً يَقتدي بهم المتقّون. وهذا يقتضي أنهم يسألون لأنفسهم بلوغَ الدرجات العظيمة من التقوى فإن القدوة يجب أن يكون بالغاً أقصى غاية العمل الذي يرغب المهتمّون به الكمالَ فيه. وهذا يقتضي أيضاً أنهم يسألون أن يكونوا دعاة للدخول في الإسلام وأن يهتدي الناس إليه بواسطتهم.
والإمام أصله: المثال والقالب الذي يصنع على شكله مصنوع من مثله...
وأُطلق الإمام على القدوة تشبيهاً بالمثال والقالَب، وغلب ذلك فصار الإمام بمعنى القدوة. وقد تقدم في قوله تعالى: {قال إني جاعلُك للناس إماماً} في سورة البقرة (124)...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} بحيث يعيش الإنسان الشعور بالسرور عندما ينظر إليهم وهم يؤمنون بالله ويتحركون في خط طاعته ورضاه على أساس الالتزام بالحق في كلّ أقوالهم وأفعالهم، لأن الإنسان المؤمن لا يفكر في القضايا بطريقةٍ ذاتيةٍ، من خلال العلاقات الخاصة في الحياة بزوجه وولده، بل يفكر بطريقةٍ إيمانية مسؤولة. وهذا هو ما يخصص التمنيات بالجانب الإسلامي من شخصية الأزواج والأولاد بالإضافة الى ما يحبه الإنسان من جوانب أخرى.
{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} في ما يحبه المؤمن لنفسه من التقدم في مجالات الخير، والدعوة إلى الله والعمل في سبيله، والالتزام بالخط المستقيم في العقيدة والشريعة والحياة، بحيث يبلغ الدرجة العليا في ذلك، حيث الإِمامة والقيادة. وذلك هو طموح المؤمنين في الحياة، في عملية التسامي في آفاق التقوى في ما يجاهدون به أنفسهم، ويطوِّرون به معارفهم، فلا تتوقف طموحاتهم على شؤونهم الذاتية في الحاجات الدنيوية الطبيعية، بل تنطلق إلى مواقع رضوان الله، انطلاقاً مما دعا الله إليه عباده المؤمنين من استباق الخيرات، والمسارعة إلى المغفرة والجنة والتنافس في درجات الحصول على رضاه.
قوله تعالى : " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " قال الضحاك : أي مطيعين لك . وفيه جواز الدعاء بالولد وقد تقدم{[12178]} . والذرية تكون واحدا وجمعا . فكونها للواحد قوله : " رب هب لي من لدنك ذرية طيبة " " فهب لي من لدنك وليا " [ مريم : 5 ] وكونها للجمع " ذرية ضعافا " [ النساء : 9 ] وقد مضى في " البقرة " {[12179]} اشتقاقها مستوفى . وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والحسن : " وذرياتنا " وقرأ أبو عمر وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى : " وذريتنا " بالإفراد . " قرة أعين " نصب على المفعول ، أي قرة أعين لنا . وهذا نحو قوله عليه الصلاة والسلام لأنس : ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه ) وقد تقدم بيانه في " آل عمران " {[12180]} و " مريم " . وذلك أن الإنسان إذا بورك له في مال وولده قرت عينه بأهله وعياله ، حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة ، معاونون له على وظائف الدين والدنيا ، لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده ، فتسكن عينه عن الملاحظة ، ولا تمتد عينه إلى ما ترى ، فذلك حين قرة العين ، وسكون النفس . ووحد " قرة " لأنه مصدر ، تقول : قرت عينك قرة . وقرة العين يحتمل أن تكون من القرار ، ويحتمل أن تكون من القر وهو الأشهر . والقر البرد ؛ لأن العرب تتأذى بالحر وتستريح إلى البرد . وأيضا فإن دمع السرور بارد ، ودمع الحزن سخن ، فمن هذا يقال : أقر الله عينك ، وأسخن الله عين العدو . وقال الشاعر :
فكم سَخِنَتْ بالأمس عينٌ قريرةٌ *** وقرت عيونٌ دمعها اليوم ساكِبُ
قوله تعالى : " واجعلنا للمتقين إماما " أي قدوة يقتدى بنا في الخير ، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيا قدوة ، وهذا هو قصد الداعي . وفي الموطأ : ( إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم ) فكان ابن عمر يقول في دعائه : اللهم اجعلنا من أئمة المتقين . وقال : " إماما " ولم يقل أئمة على الجمع ؛ لأن الإمام مصدر . يقال : أم القوم فلان إماما ؛ مثل الصيام والقيام . وقال بعضهم : أراد أئمة ، كما يقول القائل أميرنا هؤلاء ، يعني أمراءنا . وقال الشاعر :
يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي *** إن العواذل لسن لي بأمير
أي أمراء . وكان القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول : الإمامة بالدعاء لا بالدعوى ، يعني بتوفيق الله وتيسيره ومنته لا بما يدعيه كل أحد لنفسه . وقال إبراهيم النخعي : لم يطلبوا الرياسة بل بأن يكونوا قدوة في الدين . وقال ابن عباس : اجعلنا أئمة هدى ، كما قال تعالى : " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا " [ السجدة : 24 ] وقال مكحول : اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون . وقيل : هذا من المقلوب ؛ مجازه : واجعل المتقين لنا إماما ، وقاله مجاهد . والقول الأول أظهر وإليه يرجع قول ابن عباس ومكحول ، ويكون فيه دليل . على أن طلب الرياسة في الدين ندب . وإمام واحد يدل على جمع ؛ لأنه مصدر كالقيام . قال الأخفش : الإمام جمع آم من أم يؤم جمع على فعال ، نحو صاحب وصحاب ، وقائم وقيام .