ويسجل الله تعالى عليهم معرفتهم بالحق الذي يكفرون به ، ويصدون الناس عنه :
مما يجزم بأنهم كانوا على يقين من صدق ما يكذبون به ، ومن صلاح ما يصدون الناس عنه . وهو أمر بشع مستنكر ، لا يستحق فاعله ثقة ولا صحبة ، ولا يستأهل إلا الاحتقار والتنديد !
ولا بد من وقفة أمام وصفة تعالى لهؤلاء القوم بقوله :
( لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا . . . ؟ )
إنها لفتة ذات مغزى كبير . . إن سبيل الله هو الطريق المستقيم . وما عداه عوج غير مستقيم . وحين يصد الناس عن سبيل الله ؛ وحين يصد المؤمنون عن منهج الله ، فإن الأمور كلها تفقد استقامتها ، والموازين كلها تفقد سلامتها ، ولا يكون في الأرض إلا العوج الذي لا يستقيم .
إنه الفساد . فساد الفطرة بانحرافها . وفساد الحياة باعوجاجها . . وهذا الفساد هو حصيلة صد الناس عن سبيل الله وصد المؤمنين عن منهج الله . . وهو فساد في التصور . وفساد في الضمير . وفساد في الخلق . وفساد في السلوك . وفساد في الروابط . وفساد في المعاملات . وفساد في كل ما بين الناس بعضهم وبعض من ارتباطات . وما بينهم وبين الكون الذي يعيشون فيه من أواصر . . وإما أن يستقيم الناس على منهج الله فهي الاستقامة والصلاح والخير ، وإما أن ينحرفوا عنه إلى آية وجهه فهو العوج والفساد والشر . وليس هنالك إلا هاتان الحالتان ، تتعاوران حياة بني الإنسان : استقامة على منهج الله فهو الخير والصلاح ، وانحراف عن هذا المنهج فهو الشر والفساد !
تبغونها عوجا : تطلبون لسبيل الله الاعوجاج .
ومالكم يا أهل الكتاب ، تصرفون من آمن بمحمد عن الهدى ؟ ومالكم تبغون أن تصوّروا دعوة محمد معوجّة وأنتم تعلمون أنها حق ! ؟ إن الله غير غافل عن أعمالكم .
وفي ذلك إشارة إلى أن اليهود كانوا يحاولون فتنة المسلمين عن دينهم وردَّهم إلى الكفر بشتى الطرق ، وكان يَغيظهم أن يروا الأوس متآلفين متحابين بعد أن كانوا من قبل يتحاربون ويقتل بعضهم بعضا .
روى ابن جرير عن زيد بن أسلم قال : مرّ شاس بن قيس اليهودي ( وكان شيخا كبير السن يكره المسلمين ) على جماعة من الأنصار ، فغاظه ما رأى من تآلفهم على الإسلام . فأمر شابا من اليهود أن يجلس إليهم ويذكّرهم بيوم بُعاث ، وينشدهم بعض الشعر الذي قيل فيه . فتنازعوا وثاروا على بعض بالسلاح . ولما بلغ الخبر النبي صلى الله عليه وسلم توجه إليهم ومعه بعض أصحابه وقال : أتدعون دعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام ! فألقوا السلاح وعلموا أنها فتنة من الشياطين وكيد من عدوهم . ثم إنهم استغفروا الله وعانق بعضهم بعضا وانصرفوا مع الرسول .
ثم استأنف{[18390]} إيذاناً بالاستقلال{[18391]} تقريعاً{[18392]} آخر لزيادتهم على الكفر التكفير فقال : { قل يا آهل الكتاب } أي المدعين{[18393]} للعلم واتباع الوحي ، كرر هذا الوصف لأنه مع أنه أبعد في التقريع{[18394]} أقرب إلى التلطف في صرفهم عن ضلالهم { لم تصدون } أي بعد كفركم { عن سبيل الله } أي الملك الذي له القهر والعز والعظمة والاختصاص بجميع صفات الكمال ، وسبيله دينه الذي جاء به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وقدمه اهتماماً به{[18395]} . ثم ذكر المفعول فقال : { من أمن } حال كونكم { تبغونها } أي السبيل { عوجاً } أي بليكم{[18396]} ألسنتكم وافترائكم على الله ، ولم يفعل سبحانه وتعالى إذ أعرض عنهم في هذه الآية ما فعل من قبل{[18397]} إذ أقبل عليهم بلذيذ خطابه تعالى جده وتعاظم مجده{[18398]} إذ قال{[18399]} :{ يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم }[ آل عمران : 65 ] { يا أهل الكتاب لم تكفرون }[ آل عمران : 70 ] و{[18400]}الآية التي بعدها بغير واسطة . وقال أبو البقاء في إعرابه : إن تبغون يجوز{[18401]} أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً من الضمير في تصدون أو من السبيل ، لأن فيها ضميرين راجعين إليها ، فلذلك يصح{[18402]} أن يجعل حالاً من كل واحد منهما ، وعوجاً حال - انتهى . وقال صاحب القاموس في بنات{[18403]} الواو : بغا الشيء بغواً : نظر إليه كيف هو ، وقال في بنات{[18404]} الياء : {[18405]}بغيته أبغيه{[18406]} : طلبته ، فالظاهر أن جعل عوجاً حالاً - كما قال أبو البقاء - أصوب{[18407]} من جعله مفعولاً - كما قال في الكشاف . ويكون تبغون{[18408]} إما يائياً{[18409]} فيكون معناه : تريدونها معوجة أو ذات عوج ، فإن طلب بمعنى : أراد ؛ وإما أن يكون واوياً بمعنى : ترونها ذات عوج ، أي تجعلونها{[18410]} في نظركم يعني : تتكلفون{[18411]} وصفها{[18412]} بالعوج مع علمكم باستقامتها ، لكن قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح " ابغني أحجاراً أستنفض{[18413]} بهن " يؤيد قول صاحب الكشاف .
ولما ذكر صدهم وإرادتهم العوج الذي لا يرضاه ذو عقل قال موبخاً : { وأنتم شهداء } أي باستقامتها بشهادتكم{[18414]} باستقامة{[18415]} دين إبراهيم مع قيام أدلة السمع والعقل أنها دينه وأن النبي والمؤمنين أولى الناس به لانقيادهم للأدلة . ولما كان الشهيد قد يغفل ، وكانوا يخفون مكرهم في صدهم ، هددهم{[18416]} بإحاطة علمه فقال : { وما الله } أي الذي تقدم أنه شهيد عليكم وله صفات الكمال كلها { بغافل } أي أصلاً{[18417]} { عما تعملون * }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.