وتهدأ العاصفة ويطمئن الموج ، وتهدأ الأنفاس اللاهثة ، وتسكن القلوب الطائرة ، وتصل الفلك آمنة إلى الشاطئ ، ويوقن الناس بالحياة ، وأرجلهم مستقرة على اليابسة . فماذا ?
( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ! ) . .
إنه مشهد كامل ، لم تفتنا منه حركة ولا خالجة . . مشهد حادث . ولكنه مشهد نفس ، ومشهد طبيعة ومشهد نموذج بشري لطائفة كبيرة من الناس في كل جيل . ومن ثم يجيء التعقيب تحذيرا للناس أجمعين :
( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ) . .
سواء كان بغيا على النفس خاصة ، بإيرادها موارد التهلكة ، والزج بها في ركب الندامة الخاسر بالمعصية ؛ أو كان بغيا على الناس فالناس نفس واحدة . على أن البغاة ومن يرضون منهم البغي يلقون في أنفسهم العاقبة
والبغي لا يتمثل في أبشع ولا أشنع من البغي على ألوهية الله سبحانه ، واغتصاب الربوبية والقوامة والحاكمية ومزاولتها في عباده .
والناس حين يبغون هذا البغي يذوقون عاقبته في حياتهم الدينا ، قبل أن يذوقوا جزاءه في الدار الآخرة .
يذوقون هذه العاقبة فسادا في الحياة كلها لا يبقى أحد لا يشقى به ، ولا تبقى إنسانية ولا كرامة ولا حرية ولا فضيلة لا تضار به .
إن الناس إما أن يخلصوا دينونتهم لله . وإما أن يتعبدهم الطغاة . والكفاح لتقرير ألوهية الله وحدها في الأرض ، وربوبية الله وحدها في حياة البشر ، هو كفاح للإنسانية وللحرية وللكرامة وللفضيلة ، ولكل معنى كريم يرتفع به الإنسان على ذل القيد ، ودنس المستنقع ، وامتهان الكرامة ، وفساد المجتمع ، ودناءة الحياة !
( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم . . متاع الحياة الدنيا ) . .
( ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) . .
فهو حساب الآخرة وجزاؤها كذلك ، بعد شقوة الدنيا وعذابها ابتداء .
هذه تكملة للصورة . فلما أنجاهم اللهُ مما تعرّضوا له من الشدّة والهلاك ، نقضُوا عهدَهم ، وعادوا يبغون في الأرض ويفسدون بغير الحق .
وبعد أن حكى المثل في ذلك المشهد الرهيب خاطب البغاة في أي مكان كانوا وفي أي زمان وُجدوا فقال :
{ يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ . . . }الآية .
أيها الناقضون للعهد ، إن عاقبةَ بغيكم وظلمكم سترجِع عليكم وحدَكم ،
أما ما تحصُلون عليه من ظلمكم هذا فهو مجرد متاع دنيوي زائل ، ينقضي بسرعة ، ثم تعودون إلى الله فيجزيكم بأعمالكم التي اقترفتموها .
والحق ، أن البغي ، وهو أشدّ أنواع الظلم ، يرجع على صاحبه ، لما يولّد من العداوة والبغضاء بين الأفراد ، ولما يوقد من نيران الفتن في الشعوب .
روى الإمام أحمد والبخاري عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثٌ هنّ رواجع على أهلها : المكر ، والنكث ، والبغي ) ثم تلا : { يَا أَيُّهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ } . { وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 43 ] { ومَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } [ الفتح : 11 ] .
" فلما أنجاهم " أي خلصهم وأنقذهم . . " إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق " أي يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي . والبغي : الفساد والشرك ، من بغى الجرح إذا فسد ، وأصله الطلب ، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد . " بغير الحق " أي بالتكذيب ، ومنه بغت المرأة طلبت غير زوجها .
قوله تعالى : " يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم " أي وباله عائد عليكم ، وتم الكلام ، ثم ابتدأ فقال : " متاع{[8458]} الحياة الدنيا ثم إلي مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون " أي هو متاع الحياة الدنيا ، ولا بقاء له . قال النحاس : " بغيكم " رفع بالابتداء وخبره " متاع الحياة الدنيا " . و " على أنفسكم " مفعول معنى فعل البغي . ويجوز أن يكون خبره " على أنفسكم " وتضمر مبتدأ ، أي ذلك متاع الحياة الدنيا ، أو هو متاع الحياة الدنيا ؛ وبين المعنيين حرف{[8459]} لطيف ، إذا رفعت متاعا على أنه خبر " بغيكم " فالمعنى . إنما بغي بعضكم على بعض ، مثل : " فسلموا على أنفسكم " [ النور : 61 ] وكذا " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " [ التوبة : 128 ] . وإذا كان الخبر " على أنفسكم " فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم ؛ مثل " وإن أسأتم فلها " . وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال : أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا ، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا ، كما يقال : البغي مصرعة . وقرأ ابن أبي إسحاق " متاع " بالنصب على أنه مصدر ؛ أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا . أو ينزع الخافض ، أي لمتاع ، أو مصدر ، بمعنى المفعول على الحال ، أي متمتعين . أو هو نصب على الظرف ، أي في متاع الحياة الدنيا ، ومتعلق الظرف والجار والحال معنى الفعل في البغي . و " على أنفسكم " مفعول ذلك المعنى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.