ولم يكن بد من التطهير القاسي ؛ فهذه الطبيعة المنهارة الخاوية لا تقومها إلا كفارة صارمة ، وتأديب عنيف . عنيف في طريقته وفي حقيقته :
( وإذ قال موسى لقومه : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ، فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم . ذلكم خير لكم عند بارئكم ) . .
أقتلوا أنفسكم . ليقتل الطائع منكم العاصي . ليطهره ويطهر نفسه . . هكذا وردت الروايات عن تلك الكفارة العنيفة . . وإنه لتكليف مرهق شاق ، أن يقتل الأخ أخاه ، فكأنما يقتل نفسه برضاه . ولكنه كذلك كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة ، التي لا تتماسك عن شر ، ولا تتناهى عن نكر . ولو تناهوا عن المنكر في غيبة نبيهم ما عبدوا العجل . وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام ؛ وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم !
ما زال السياق في الكلام على بني إسرائيل ، واذكر أيها الرسول الكريم قول موسى لقومه يوم عبدوا العِجل حين كان غائباً عنهم يناجي ربه : يا قومي ، لقد ظلمتم أنفسكم باتخاذكم عجل السامريّ معبوداً من دون الله ، فتوبوا إلى خالقكم وارجعوا عن هذه الجريمة ، فاقتلوا أنفسكم ندماً على فعلتكم وتكفيراً عن معصيتكم .
روي أن موسى لما رجع من ميقات ربه ، رأى ما صنع قومه بعده من عبادة العجل ، فغضب غضباً شديداً ، ورمى بالألواح من يده ، ثم أحرق العجل الذي صنعوه . ثم قال : من كان من حزب الرب فليُقبل إلي ، فأجابه بنو لاوي ، فأمرهم أن يأخذوا السيوف ، ويقتل بعضهم بعضا . وإنها لكفارة عنيفة ، وتكليف مرهق ، كان لا بد منه لتطهُر تلك النفوس الشريرة المنغمسة في عبادة المادة المتجسدة بالعجل الذهبي . وإذ فعل بعضهم ما أمر به موسى ، قُبلت توبتهم ، وتدراكتهم رحمة الله التي تسع كل شيء .
قوله تعالى : " وإذ قال موسى لقومه " القوم : الجماعة الرجال دون النساء قال الله تعالى : " لا يسخر قوم من قوم " [ الحجرات : 11 ] ثم قال : " ولا نساء من نساء " [ الحجرات : 11 ] وقال زهير :
وما أدري وسوف إخال أدري *** أقوم آلُ حصن أم نساء
وقال تعالى : " ولوطا إذ قال لقومه " [ الأعراف : 80 ] أراد الرجال دون النساء ، وقد يقع القوم على الرجل والنساء قال الله تعالى : " إنا أرسلنا نوحا إلى قومه " [ نوح : 1 ] وكذا كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعا .
قوله تعالى : " يا قوم " منادى مضاف وحذفت الياء في " يا قوم " لأنه موضع حذف والكسرة تدل عليها وهي بمنزلة التنوين فحذفتها كما تحذف التنوين من المفرد ، ويجوز في غير القرآن إثباتها ساكنة فتقول : يا قومي ؛ لأنها اسم وهي في موضع خفض ، وإن شئت فتحتها وإن شئت ألحقت معها هاء . فقلت : يا قوميه ، وإن شئت أبدلت منها ألفا ؛ لأنها أخف فقلت : يا قوما وإن شئت قلت : يا قوم بمعنى يا أيها القوم وإن جعلتهم نكرة نصبت ونونت وواحد القوم امرؤ على غير اللفظ وتقول : قوم وأقوام وأقاوم جمع الجمع ، والمراد هنا بالقوم عبدة العجل وكانت مخاطبته عليه السلام لهم بأمر من الله تعالى .
قوله تعالى : " إنكم ظلمتم أنفسكم " استغنى بالجمع القليل عن الكثير والكثير نفوس ، وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القلة والقليل موضع الكثرة قال الله تعالى : " ثلاثة قروء " " البقرة : 228 ] وقال " وفيها ما تشتهيه الأنفس " [ الزخرف : 71 ] ويقال لكل من فعل فعلا يعود عليه ضرره : إنما أسأت إلى نفسك . وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه .
قوله تعالى : " باتخاذكم العجل " قال بعض أرباب المعاني : عجل كل إنسان نفسه ، فمن أسقطه وخالف مراده فقد برئ من ظلمه ، والصحيح أنه هنا عجل على الحقيقة عبدوه كما نطق به التنزيل والحمد لله .
قوله تعالى : " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم " لما قال لهم فتوبوا إلى بارئكم قالوا كيف ؟ قال " فاقتلوا أنفسكم " قال أرباب الخواطر : ذللوها بالطاعات وكفوها عن الشهوات . والصحيح أنه قتل على الحقيقة هنا والقتل : إماتة الحركة ، وقتلت الخمر : كسرت شدتها بالماء قال سفيان بن عيينة : التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم ، وكانت توبة بني إسرائيل القتل . وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده . قال الزهري : لما قيل لهم : " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم " قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم : كفوا فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي على ما تقدم ، وقال بعض المفسرين : أرسل الله عليهم ظلاما ففعلوا ذلك ، وقيل : وقف الذين عبدوا العجل صفا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم . وقيل : قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا - إذ لم يعبدوا العجل - من عبد العجل . ويروى أن يوشع بن نون خرج عليهم وهم محتبون فقال : ملعون من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه . بيد أو رجل فما حل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم - يعني من قتل - وأقبل الرجل يقتل من يليه ذكره النحاس وغيره . وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم - على القول الأول - لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه ، وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده . وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع روى جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب ) أخرجه ابن ماجه في سننه ، وسيأتي الكلام في هذا المعنى إن شاء الله تعالى . فلما استحر{[764]} فيهم القتل وبلغ سبعين ألفا عفا الله عنهم قاله ابن عباس وعلي رضي الله عنهما . وإنما رفع الله عنهم القتل ؛ لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة وقرأ قتادة فأقيلوا أنفسكم - من الإقالة - أي استقبلوها من العثرة بالقتل .
قوله تعالى : بارئكم " البارئ الخالق وبينهما فرق ، وذلك أن البارئ هو المبدع المحدث والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال . والبرية : الخلق وهي فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تهمز ، وقرأ أبو عمرو " بارئكم " - بسكون الهمزة - ويشعركم وينصركم ويأمركم ، واختلف النحاة في هذا فمنهم من يسكن الضمة والكسرة في الوصل ، وذلك في الشعر . وقال أبو العباس المبرد : لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شعر وقراءة أبي عمرو لحن قال النحاس وغيره : وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة وأنشدوا :
إذا اعوجَجْنَ قلتُ صاحب قَوِّمِ *** بالدَّوّ أمثالَ السَّفِينِ العُوَّمِ{[765]}
فاليوم أشرب غير مستَحْقِبٍ *** إثما من الله ولا واغِلِ{[766]}
رحت وفي رجليك ما فيهما *** وقد بدا هَنُكِ من المِئْزَرِ
فمن أنكر التسكين في حرف الإعراب ، فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علما للإعراب . قال أبو علي : وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات ، وأصل برأ من تبري الشيء من الشيء ، وهو انفصاله منه فالخلق قد فصلوا من العدم إلى الوجود ، ومنه برئت من المرض برءا ( بالفتح ) كذا يقول أهل الحجاز وغيرهم يقول : برئت من المرض برءا ( بالضم ) وبرئت منك ومن الديون والعيوب براءة ، ومنه : المبارأة للمرأة وقد بارأ شريكه وامرأته
قوله تعالى : " فتاب عليكم " في الكلام حذف تقديره ففعلتم " فتاب عليكم " أي فتجاوز عنكم أي على الباقين منكم .
قوله تعالى : " إنه هو التواب الرحيم " تقدم{[767]} معناه والحمد لله .