في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ} (82)

82

هذه البقية من الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين ، ومواقفهم من الرسول [ ص ] ومن الأمة المسلمة ؛ هي طرف من الحديث الطويل الذي تضمنته السورة من قبل خلال أكثر من [ ربعين ] فقد تناولت الحديث عن فساد عقيدة اليهود والنصارى معاً ، وسوء طوية اليهود وسوء فعلهم ، سواء مع أنبيائهم من قبل أو مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونصرة المشركين عليه . . كما تناولت الحكم على عقيدة اليهود والنصارى التي انتهوا إليها بأنها " الكفر " لتركهم ما جاء في كتبهم وتكذيبهم بما جاءهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتوكيد بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم . . ثم وجه الحديث إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليبلغ ما أنزل إليه من ربه إلى الجميع مشركين ويهودا ونصارى ؛ فكلهم ليسوا على شيء من دين الله ؛ وكلهم مخاطب بالإسلام للدخول فيه . كما وجه الحديث إلى الأمة المسلمة لتتولى الله والرسول والذين آمنوا ، ولا تتولى اليهود والنصارى ، فإن بعضهم أولياء بعض ؛ واليهود يتولون الذين كفروا ؛ وقد لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم . . . الخ . . .

فالآن تجيء هذه البقية لتقرير مواقف هذه الطوائف جميعاً من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن الأمة المسلمة . ولتقرير الجزاء الذي ينتظر الجميع في الآخرة . .

لقد كانت هذه الأمة تتلقى هذا القرآن لتقرر - وفق توجيهاته وتقريراته - خطتها وحركتها ، ولتتخذ - وفق هذه التوجيهات والتقريرات - مواقفها من الناس جميعاً . فهذا الكتاب كان هو موجهها ومحركها ورائدها ومرشدها . . ومن ثم كانت تَغلب ولا تُغلب ، لأنها تخوض معركتها مع أعدائها تحت القيادة الربانية المباشرة ؛ مذ كان نبيها يقودها وفق الإرشادات الربانية العلوية . .

وهذه الإرشادات الربانية ما تزال ؛ والتقريرات التي تضمنها ذلك الكتاب الكريم ما تزال . والذين يحملون دعوة الاسلام اليوم وغداً خليقون أن يتلقوا هذه التقريرات وتلك الإرشادات كأنهم يخاطبون بها اللحظة ؛ ليقرروا على ضوئها مواقفهم من شتى طوائف الناس ؛ ومن شتى المذاهب والمعتقدات والآراء ، ومن شتى الأوضاع والأنظمة وشتى القيم والموازين . . اليوم وغداً وإلى آخر الزمان . .

{ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا . . . }

إن صيغة العبارة تحتمل أن تكون خطاباً للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن تكون كذلك خطاباً عاما خرج مخرج العموم ، لأنه يتضمن أمرا ظاهرا مكشوفا يجده كل إنسان . وهي صيغة لها نظائرها في الأسلوب العربي الذي نزل به القرآن الكريم . . وهي في كلتا الحالتين تفيد معناها الظاهر الذي تؤديه . .

فإذا تقرر هذا فإن الأمر الذي يلفت النظر في صياغة العبارة هو تقديم اليهود على الذين أشركوا في صدد أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا ؛ وأن شدة عداوتهم ظاهرة مكشوفة وأمر مقرر يراه كل من يرى ، ويجده كل من يتأمل !

نعم إن العطف بالواو في التعبير العربي يفيد الجمع بين الأمرين ولا يفيد تعقيبا ولا ترتيبا . . ولكن تقديم اليهود هنا ، حيث يقوم الظن بأنهم أقل عداوة للذين آمنوا من المشركين - بما أنهم أصلا أهل كتاب - يجعل لهذا التقديم شأنا خاصا غير المألوف من العطف بالواو في التعبير العربي ! إنه - على الأقل - يوجه النظر إلى أن كونهم أهل كتاب لم يغير من الحقيقة الواقعة ، وهي أنهم كالذين أشركوا أشد عداوة للذين آمنوا ! ونقول : إن هذا " على الأقل " . ولا ينفي هذا احتمال أن يكون المقصود هو تقديمهم في شدة العداء على الذين أشركوا . .

وحين يستأنس الإنسان في تفسير هذا التقرير الرباني بالواقع التاريخي المشهود منذ مولد الإسلام حتى اللحظة الحاضرة ، فإنه لا يتردد في تقرير أن عداء اليهود للذين آمنوا كان دائما أشد وأقسى وأعمق إصرارا وأطول أمدا من عداء الذين أشركوا !

لقد واجه اليهود الإسلام بالعداء منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها دولة الإسلام بالمدينة . وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول الذي أصبحت فيه أمة . وتضمن القرآن الكريم من التقريرات والإشارات عن هذا العداء وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الحرب المريرة التي شنها اليهود على الإسلام وعلى رسول الإسلام [ ص ] وعلى الأمة المسلمة في تاريخها الطويل ، والتي لم تخب لحظة واحدة قرابة أربعة عشر قرنا ، وما تزال حتى اللحظة يتسعر أوارها في أرجاء الأرض جميعا .

لقد عقد الرسول [ ص ] أول مقدمه إلى المدينة ، معاهدة تعايش مع اليهود ؛ ودعاهم إلى الإسلام الذي يصدق ما بين أيديهم من التوراة . . ولكنهم لم يفوا بهذا العهد - شأنهم في هذا كشأنهم مع كل عهد قطعوه مع ربهم أو مع أنبيائهم من قبل ، حتى قال الله فيهم : ( ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون . أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ؟ بل أكثرهم لا يؤمنون . ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون )

ولقد أضمروا العداء للإسلام والمسلمين منذ اليوم الأول الذي جمع الله فيه الأوس والخزرج على الإسلام ، فلم يعد لليهود في صفوفهم مدخل ولا مخرج ، ومنذ اليوم الذي تحددت فيه قيادة الأمة المسلمة وأمسك بزمامها محمد رسول الله [ ص ] فلم تعد لليهود فرصة للتسلط !

ولقد استخدموا كل الأسلحة والوسائل التي تفتقت عنها عبقرية المكر اليهودية ، وأفادتها من قرون السبي في بابل ، والعبودية في مصر ، والذل في الدولة الرومانية . ومع أن الإسلام قد وسعهم بعد ما ضاقت بهم الملل والنحل على مدار التاريخ ، فإنهم ردوا للإسلام جميله عليهم أقبح الكيد وألأم المكر منذ اليوم الأول .

ولقد ألبوا على الإسلام والمسلمين كل قوى الجزيرة العربية المشركة ؛ وراحوا يجمعون القبائل المتفرقةلحرب الجماعة المسلمة : ( ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) .

ولما غلبهم الاسلام بقوة الحق - يوم أن كان الناس مسلمين - استداروا يكيدون له بدس المفتريات في كتبه - لم يسلم من هذا الدس إلا كتاب الله الذي تكفل بحفظه سبحانه - ويكيدون له بالدس بين صفوف المسلمين ، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإسلام ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمة الأقطار . ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في انحاء الأرض . . حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة مع الإسلام في كل شبر على وجه الارض ؛ وهم الذين يستخدمون الصليبية والوثنية في هذه الحرب الشاملة ، وهم الذين يقيمون الأوضاع ويصنعون الأبطال الذين يتسمون بأسماء المسلمين ، ويشنونها حربا صليبية صهيونية على كل جذر من جذور هذا الدين !

وصدق الله العظيم : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) . .

إن الذي ألب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة ؛ وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم ؛ وبين قريش في مكة ، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة . . يهودي . .

والذي ألب العوام ، وجمع الشراذم ، وأطلق الشائعات ، في فتنة مقتل عثمان - رضي الله عنه - وما تلاها من النكبات . . يهودي . .

والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله [ ص ] وفي الروايات والسير . . يهودي . .

ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة ؛ ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال " الدستور " بها في عهد السلطان عبدالحميد ، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي " البطل " أتاتورك . . يهودي . .

وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه يهود !

ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية . . يهودي . . ووراء النزعة الحيوانية الجنسية يهودي . . ووراء معظم النظريات الهدامة لكل المقدسات والضوابط يهود !

ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدا ، وأعرض مجالا ، من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون - على ضراوتها - قديما وحديثا . . إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها . . وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول . وأما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة ؛ ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية . . [ التي تعد الماركسية مجرد فرع لها ] وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية ، التي سنتعرض لها في الفقرة التالية .

فإذا سمعنا الله - سبحانه - يقول :

( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) . .

ويقدم اليهود في النص على الذين أشركوا . . ثم راجعنا هذا الواقع التاريخي ، فإننا ندرك طرفا من حكمة الله في تقديم اليهود الذين أشركوا !

إنهم هذه الجبلة النكدة الشريرة ، التي ينغل الحقد في صدورها على الإسلام وعلى نبي الإسلام ، فيحذر الله نبيه وأهل دينه منها . . ولم يغلب هذه الجبلة النكدة الشريرة إلا الإسلام وأهله يوم أن كانوا أهله ! . . ولن يخلص العالم من هذه الجبلة النكدة إلا الإسلام يوم يفيء أهله إليه . .

( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا : إنا نصارى . ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ، وأنهم لا يستكبرون . وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ، يقولون : ربنا آمنا ، فاكتبنا مع الشاهدين . وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين . فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، وذلك جزاء المحسنين . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) . .

إن هذة الآيات تصور حالة ، وتقرر حكما في هذه الحالة . . تصور حالة فريق من أتباع عيسى - عليه السلام - : ( الذين قالوا : إنا نصارى ) . . وتقرر أنهم أقرب مودة للذين آمنوا . .

ومع أن متابعة مجموع الآيات لا تدع مجالا للشك في أنها تصور حالة معينة ، هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعين ، فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها ، ويجعلون منها مادة للتميع المؤذي في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة ، وموقف هذه المعسكرات منهم . . لذلك نجد من الضروري - في ظلال القرآن - أن نتابع بالدقة تصوير هذه الآيات لهذه الحالة الخاصة التي ينطبق عليها ذلك الحكم الخاص :

إن الحالة التي تصورها هذه الآيات هي حالة فئة من الناس ، قالوا : إنا نصارى . هم أقرب مودة للذين آمنوا : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) . . فمنهم من يعرفون حقيقة دين النصارى فلا يستكبرون على الحق حين يتبين لهم . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ} (82)

العداوة : البغضاء .

المودة : المحبة .

القَس : جمعه قُسوس ، والقسيس : جمعه قسيسون ، الذي يكون بين الشمّاس ، والكاهن .

الراهب : العابد المنقطع عن الناس في دير أو صومعة حرم نفسه فيها من التنعم بالزواج ولَذَّات الطعام .

نزلت هذه الآية في نجاشي الحبَشَة وأصحابه ، حين هاجر فريق من المسلمين إلى هناك . قالت أم سَلَمة وكانت من المهاجرات إلى الحبشة قبل أن يتزوجها الرسول الكريم : لما نزلنا بأرض الحبشة جاوَرَنا بها خيرٌ جارٍ ، النجاشي . . أمِنّا على ديننا وعبدْنا الله تعالى ، لا نؤذَى ولا نسمع شيئاً نكرهه .

وقد بقي المهاجرون فيها إلى أن هاجر الرسول الكريم إلى المدينة ، ولم يقدِروا الوصول إليه ، فقد حالت بينهم وبينه الحرب .

فلما كانت وقعة بدر وقُتل فيها صناديد قريش ، قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة ، فابعثوا إلى سيّدها رجلين من ذوي الرأي فيكم مع هدايا له ولرجاله لعلّه يعطيكم مَن عنده فتقتلونهم بقتلى بدر . فبعث كفار قريش عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا . فخرجا حتى قدما على النجاشي ، فأهَدوا إلى البطارقة مما معهما من الهدايا ، وطلبوا منهم أن يساعدوهما عند الملك بأن يسلّمهما أولئك المهاجرين . ثم قابلا النجاشي وقدّما له هداياهما فقبلها منهما . ثم كلماه فقالا له : أيها الملك ، قد جاء إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤوا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت . وقد بعثنا من آبائهم وأعمامهم أشرافُ قومه لتردهم إليهم . فقالت بطارقته حوله : صدَقا أيها الملك ، فأسلمْهُم إليهما . فغضب النجاشي ثم قال : لا واللهِ لا أُسلمهم حتى أدعوَهم ، فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم . ثم أرسَل إليهم . فلما جاؤوا ، قال لهم النجاشي وأساقفته : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ، ولا في دين أحد ؟

فقام جعفر بن أبي طالب ، فقال : أيها الملك ، كنا قوماً أهلَ جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القويُّ منا الضعيف . وظللنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا ، نعرف نسبه وصدقه وعفافه ، فدعانا إلى الله ، أن نوحّده ونعبده ، ونخلع ما كنّا نعبد قبله من الحجارة والأوثان . ولقد أمرَنا بصِدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء . كما نهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكلِ مال اليتيم ، وقذف المحصنات . أمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . فصدّقناه وآمّنا به ، واتّبعناه على ما جاء به من الله . . .

فعدا علينا قومُنا فعذّبونا ، وفتنونا عن ديننا لنرتدّ إلى عبادة الأوثان . . . فلمّا قهرونا وضيقوا علينا ، خرجنا إلى بلادك ، ورغبنا في جوارك .

فقال النجاشي : هل معك مما جاء به من الله من شيء ؟ قال جعفر : نعم أول سورة مريم . قالت أم سلمة : فبكى والله النجاشي ، حتى اخضلّت لحيته . وبكت أساقفته حين سمعوا ما تلا جعفر . ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة . انطلِقا ، فوالله لا أسلّمهم إليكما . الخ القصة .

فهذه القصة من أسباب نزول هذه الآيات . فبعد أن حاجّ اللهُ تعالى أهل الكتاب ، وذكر مخالفتهم لكتبهم وأنبيائهم ، وأنهم اتخذوا الإسلام هزواً ولعبا ، وبلغت الجرأة باليهود أن يتطاولوا على الله بقولهم { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } ، وأن النصارى اعتقدوا بأن المسيح ابن الله ، ذكر هنا أحوالهم في عداوتهم للمؤمنين ، أو محبتهم لهم . ومقدار تلك العداوة أو المحبة :

{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ }

قسَمَاً أيها الرسول ، لسوف تجد أشد الناس عداوة لك وللمؤمنين معك ، اليهودَ والمشركين من عبدة الأصنام . وقد وقع ذلك . فإن أشد إيذاء واجهه النبي عليه السلام إنما كان من اليهود في المدينة وما حولها ، ومن مشركي العرب ، ولا سيما قريش .

ويشترك اليهود والمشركون في بعض الصفات والأخلاق ، كالتكبّر والغرور ، وحب المادّة ، والقسوة . والمعروف عن اليهود أنهم يعتبرون كل من عداهم لا حرمة له ولا قيمة ، فكل مَن كان غير يهودي مباح لهم دمه وماله وعرضه ، هذا مقرَّر في تلمودهم .

{ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الذين قالوا إِنَّا نصارى }

أما أقرب الناس محبة للذين آمنوا بك وصدّقوك فهم النصارى . رأى النبي من نصارى الحبشة أحسن المودة . ولما أرسل كتبه إلى الملوك ورؤساء الدول كان النصارى منهم أحسنَ ردا ، واستقبالاً للرسل . والواقع أن مودة النصارى للمسلمين في عصر النبي الكريم كانت ظاهرة ملموسة .

{ ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً . . . }

وسببُ تلك المودّة أن فيهم قسيسين يعلّمون دينهم ، ورهبانا يخشون ربهم . هذا كما أنهم لا يستكبرون عن سماع الحق واتّباعه .