في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (90)

71

والمشهد التالي هو مشهد التنفيذ .

وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ، فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً ، حتى إذا أدركه الغرق قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين . آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ? ! فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ، وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون . .

إنه الموقف الحاسم والمشهد الأخير في قصة التحدي والتكذيب . والسياق يعرضه مختصراً مجملاً ، لأن الغرض من سياقة هذه الحلقة من القصة في هذه السورة هو بيان هذه الخاتمة . بيان رعاية اللّه وحمايته لأوليائه ، وإنزال العذاب والهلاك بأعدائه ، الذين يغفلون عن آياته الكونية وآياته مع رسله حتى تأخذهم الآية التي لا ينفع بعدها ندم ولا توبة . وهو مصداق ما سبق في السورة من وعيد للمكذبين في قوله تعالى : ( ولكل أمة رسول ، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون . ويقولون : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ? قل : لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء اللّه لكل أمة أجل ، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قل : أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ، ماذا يستعجل منه المجرمون ? أثم إذا ما وقع آمنتم به ? آلآن وقد كنتم به تستعجلون ? ! ) . .

فهنا يأتي القصص ليصدق ذلك الوعيد :

( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ) . .

بقيادتنا وهدايتنا ورعايتنا . ولهذا الإسناد في هذا الموضع دلالته . .

( فأتبعهم فرعون وجنوده ) . .

لا اهتداء وإيماناً ، ولا دفاعاً مشروعاً . ولكن :

( بغياً وعدواً ) . .

وتجاوزاً للحد وطغياناً . .

ومن مشهد البغي والعدو مباشرة إلى مشهد الغرق في ومضة :

( حتى إذا أدركه الغرق ) . .

وعاين الموت ، ولم يعد يملك نجاة . .

قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين . .

لقد سقطت عن فرعون الباغي العادي المتجبر الطاغي . . كل أرديته التي تنفخ فيه فتظهره لقومه ولنفسه قوة هائلة مخيفة ، ولقد تضاءل وتصاغر واستخذى . فهو لا يكتفي بأن يعلن إيمانه بأن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل . فيزيد في استسلام . .

( وأنا من المسلمين ) . .

المسلَمين !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (90)

قوله تعالى : " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر{[8567]} " تقدم القول فيه في " البقرة " في قوله : " وإذ فرقنا بكم البحر " . وقرأ الحسن " وجوزنا " وهما لغتان . " فأتبعهم فرعون وجنوده " يقال : تبع وأتبع بمعنى واحد ، إذا لحقه وأدركه . واتَّبَع ( بالتشديد ) إذا سار خلفه . وقال الأصمعي : أتبعه ( بقطع الألف ) إذا لحقه وأدركه ، واتبعه ( بوصل الألف ) إذا اتبع أثره ، أدركه أو لم يدركه . وكذلك قال أبو زيد . وقرأ قتادة " فاتبعهم " بوصل الألف . وقيل : " اتبعه " ( بوصل الألف ) في الأمر اقتدى به . وأتبعه ( بقطع الألف ) خيرا أو شرا ، هذا قول أبي عمرو . وقد قيل هما بمعنى واحد . فخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا ، وتبعه فرعون مصبحا في ألفي ألف وستمائة ألف . وقد تقدم{[8568]} . " بغيا " نصب على الحال . " وعدوا " معطوف عليه ، أي في حال بغي واعتداء وظلم ؛ يقال : عدا يعدو عدوا ، مثل غزا يغزو غزوا . وقرأ الحسن " وعدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو ، مثل علا يعلو علوا . وقال المفسرون : " بغيا " طلبا للاستعلاء بغير حق في القول ، " وعدوا " في الفعل ؛ فهما نصب على المفعول له . " حتى إذا أدركه الغرق " أي ناله ووصله . " قال آمنت " أي صدقت . " أنه " أي بأنه . " لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل " فلما حذف الخافض تعدى الفعل فنصب . وقرئ بالكسر ، أي صرت مؤمنا ثم استأنف . وزعم أبو حاتم أن القول محذوف ، أي آمنت فقلت إنه ، والإيمان لا ينفع حينئذ ، والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس ، وأما بعدها وبعد المخالطة فلا تقبل ، حسب ما تقدم في " النساء{[8569]} " بيانه .

ويقال : إن فرعون هاب دخول البحر وكان على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى ، فجاء جبريل على فرس وديق أي شهي{[8570]} في صورة هامان وقال له : تقدم ، ثم خاض البحر فتبعها حصان فرعون ، وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد ، فلما صار آخرهم في البحر ، وهَمَّ أولهم أن يخرج انطبق عليهم البحر ، وألجم فرعون الغرق فقال : آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، فدس جبريل في فمه حال البحر . وروى الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما أغرق الله فرعون قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة ) . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن . حال البحر : الطين الأسود الذي يكون في أرضه ؛ قال أهل اللغة . وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر : ( أن جبريل جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه ) . قال : هذا حديث حسن غريب صحيح . وقال عون بن عبدالله : بلغني أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما ولد إبليس أبغض إلي من فرعون ، فإنه لما أدركه الغرق قال : " آمنت " الآية ، فخشيت أن يقولها فيرحم ، فأخذت تربة أو طينة فحشوتها في فيه . وقيل : إنما فعل هذا به عقوبة له على عظيم ما كان يأتي . وقال كعب الأحبار : أمسك الله نيل مصر عن الجري في زمانه . فقالت له القبط : إن كنت ربنا فأجر لنا الماء ، فركب وأمر بجنوده قائدا قائدا وجعلوا يقفون على درجاتهم وقفز{[8571]} حيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثيابا له أخرى وسجد وتضرع لله تعالى فأجرى الله له الماء ، فأتاه جبريل وهو وحده في هيئة مستفت وقال : ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سند{[8572]} له غيره ، فكفر نعمه وجحد حقه وادعى السيادة دونه ، فكتب فرعون : يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان : جزاؤه أن يغرق في البحر ، فأخذه جبريل ومر فلما أدركه الغرق ناول جبريل عليه السلام خطه . وقد مضى هذا في " البقرة{[8573]} " عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس مسندا ، وكان هذا في يوم عاشوراء على ما تقدم بيانه في " البقرة " أيضا فلا معنى للإعادة . " وأنا من المسلمين " أي من الموحدين المستسلمين بالانقياد والطاعة .


[8567]:راجع ج 1 ص 387.
[8568]:راجع ج 1 ص 389.
[8569]:راجع ج 5 ص 90.
[8570]:أي تشتهي الفحل.
[8571]:في ع و ك و هـ: قعد.
[8572]:في ع: لا سبد له.
[8573]:راجع ج 1 ص 381 فما بعد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (90)

قوله تعالى : { وجاوزنا بني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين 90 ألن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين 91 فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن أكثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } .

هذا إخبار من رب العالمين عازم الطغاة والمتجبرين ، وذل المسرفين والمفسدين ، ومزلزل عروش العتاة والمستكبرين . إخبار منه جل جلاله عن تغريق فرعون وملائه وحاشيته صلفا أجمعين ؛ فقد خرجوا من مصر في حشود عظيمة وهم تنتفخ أوداجهم صلفا وغرروا ، يريدون اللحاق بموسى والذين معه من بني إسرائيل ليعذبونهم تعذيبا ، وليذيقوهم مرارة الذلة والهوان . فأدركوهم وقت الشروق حتى تراءى الجمعان ؛ فأيقن بنوا إسرائيل أنهم مدركون ، ففزعوا إلى موسى يسألونه الخلاص مما هو واقع بهم ، لكن موسى عليه السلام لم يفزع ولم يغرق ولم يستحوذ عليه شيء من هلع أو اضطراب بل قال لهم : { كلا إن معي ربي سيهدين } فأمره الله أن يضرب البحر بعصاه { فاتلف فكان كل فرق كالطود العظيم } أي كالجبل العظيم . وهذا مقتضى قوله : { وجاوزنا بني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده } أي قطعنا ببني إسرائيل الحبر فتبهم فرعون وجنوده { بغيا وعدوا } أي ظلما وعدوانا . لكن قدر الله كان لهؤلاء الأشرار بالمرصاد ؛ فما أن دخل موسى والذين معه البحر سالمين آمنين بإذن الله حتى جاوزوا إلى الساحل الآخر . فدخله فرعون وجنوده حتى إذا كانوا في وسطه ارتطم عليهم البحر فغرقوا جميعا ولم ينج منهم أحد ، ولما غشيت فرعون سكرات الموت ووجد من فظاعة الرعب والكرب واليأس ما وجد ، هتف مصطرخا مستيئا { آمنت أنه لا إلله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين } وأني لهذا الشقي المقبوح أن تقبل توبته ؟ ! أنى له قد أتى الشنائع من فظائع الشرك والظلم والعصيان وإفساد البلاد والعباد ؟ !

أنى لهذا الطاغوت العتل أن تقبل توبته وقد اجتر اجتراءه الشنيع باصطناع الربوبية لنفسه ؟ !

لقد كان فرعون بغيضا غاية البغض لدى كل المؤمنين في الثقلين ؛ فقد أبغضته الملائكة واستطابت أن يتبوأ مقامه الفظيع في النار جزاء ما قدم من بغي وإفساد وطغيان ؛ فقد روي الترمذي عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما أغرق الله فرعون قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، قال جبريل : يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة ) وحال البحر ، معناه : الطين الأسود الذي يكون في أرضه .