( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله . وتلك الأيام نداولها بين الناس . وليعلم الله الذين آمنوا ، ويتخذ منكم شهداء . والله لا يحب الظالمين . وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) . .
وذكر القرح الذي أصابهم وأصاب المكذبين قرح مثله ، قد يكون إشارة إلى غزوة بدر . وقد مس القرح فيها المشركين وسلم المسلمون . وقد يكون إشارة إلى غزوة أحد . وقد انتصر فيها المسلمون في أول الأمر . حتى هزم المشركون وقتل منهم سبعون ، وتابعهم المسلمون يضربون أقفيتهم حتى لقد سقط علم المشركين في ثنايا المعركة فلم يتقدم إليه منهم أحد . حتى رفعته لهم امرأة فلاثوا بها وتجمعوا عليها . . ثم كانت الدولة للمشركين ، حينما خرج الرماة على أمر رسول الله [ ص ] واختلفوا فيما بينهم . فأصاب المسلمين ما أصابهم في نهاية المعركة . جزاء وفاقا لهذا الاختلاف وذلك الخروج ، وتحقيقا لسنة من سنن الله التي لا تتخلف ، إذ كان اختلاف الرماة وخروجهم ناشئين من الطمع في الغنيمة . والله قد كتب النصر في معارك الجهاد لمن يجاهدون في سبيله ، لا ينظرون إلى شيء من عرض هذه الدنيا الزهيد . وتحقيقا كذلك لسنة أخرى من سنن الله في الأرض ، وهي مداولة الأيام بين الناس - وفقا لما يبدو من عمل الناس ونيتهم - فتكون لهؤلاء يوما ولأولئك يوما . ومن ثم يتبين المؤمنون ويتبين المنافقون . كما تتكشف الأخطاء . وينجلي الغبش .
( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله . وتلك الأيام نداولها بين الناس . . وليعلم الله الذين آمنوا ) . .
إن الشدة بعد الرخاء ، والرخاء بعد الشدة ، هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس ، وطبائع القلوب ، ودرجة الغبش فيها والصفاء ، ودرجة الهلع فيها والصبر ، ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط ، ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم به والجموح !
عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن : مؤمنين ومنافقين ، ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم ، وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم . ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده ، وهم مختلطون مبهمون !
والله سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين . والله سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور . ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء ، وتجعله واقعا في حياة الناس ، وتحول الإيمان إلى عمل ظاهر ، وتحول النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر ، ومن ثم يتعلق به الحساب والجزاء . فالله سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم ولكن يحاسبهم على وقوعه منهم .
ومداولة الأيام ، وتعاقب الشدة والرخاء ، محك لا يخطىء ، وميزان لا يظلم . والرخاء في هذا كالشدة . وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك ، ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل . والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء ، وتتجه إلى الله في الحالين ، وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر فبإذن الله .
وقد كان الله يربي هذه الجماعة - وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية - فرباها بهذا الابتلاء بالشدة بعد الابتلاء بالرخاء ، والابتلاء بالهزيمة المريرة بعد الابتلاء بالنصر العجيب - وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن الله الجارية في النصر والهزيمة . لتتعلم هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة . ولتزيد طاعة لله ، وتوكلا عليه ، والتصاقا بركنه . ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين .
ويمضي السياق يكشف للأمة المسلمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث المعركة ، وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس ، وفيما بعد تمييز الصفوف ، وعلم الله للمؤمنين :
وهو تعبير عجيب عن معنى عميق - إن الشهداء لمختارون . يختارهم الله من بين المجاهدين ، ويتخذهم لنفسه - سبحانه - فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد . إنما هو اختيار وانتقاء ، وتكريم واختصاص . . إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة ، ليستخلصهم لنفسه - سبحانه - ويخصهم بقربه .
ثم هم شهداء يتخذهم الله ، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس . يستشهدهم فيؤدون الشهادة . يؤدونها أداء لا شبهة فيه ، ولا مطعن عليه ، ولا جدال حوله . يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق ، وتقريره في دنيا الناس . يطلب الله - سبحانه - منهم أداء هذه الشهادة ، على أن ما جاءهم من عنده الحق ؛ وعلى أنهم آمنوا به ، وتجردوا له ، وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه ؛ وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق ؛ وعلى أنهم هم استيقنوا هذا ، فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس ، وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج الله في حكم الناس . . يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون . وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت . وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال !
وكل من ينطق بالشهادتين : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . لا يقال له أنه شهد ، إلا أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها . ومدلولها هو ألا يتخذ إلا الله إلها . ومن ثم لا يتلقى الشريعة إلا منالله . فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد ؛ وأخص خصائص العبودية التلقي من الله . . ومدلولها كذلك ألا يتلقى من الله إلا عن محمد بما أنه رسول الله . ولا يعتمد مصدرا آخر للتلقي إلا هذا المصدر . .
ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض ، كما بلغها محمد [ ص ] فيصبح المنهج الذي أراده الله للناس ، والذي بلغه عنه محمد [ ص ] هو المنهج السائد والغالب والمطاع ، وهو النظام الذي يصرف حياة الناس كلها بلا استثاء .
فإذا اقتضى هذا الأمر أن يموت في سبيله ، فهو إذن شهيد . أي شاهد طلب الله إليه أداء هذه الشهادة فأداها . واتخذه الله شهيدا . . ورزقه هذا المقام .
وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ومقتضاه . . لا ما انتهى إليه مدلول هذه الشهادة من الرخص والتفاهة والضياع !
والظلم كثيرا ما يذكر في القرآن ويراد به الشرك . بوصفه أظلم الظلم وأقبحه . وفي القرآن ( إن الشرك لظلم عظيم ) . . وفي الصحيحين عن ابن مسعود : أنه قال : قلت : يا رسول الله . أي الذنب أعظم ؟ قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك . . . " . .
وقد أشار السياق من قبل إلى سنة الله في المكذبين ؛ فالآن يقرر أن الله لا يحب الظالمين . فهو توكيد في صورة أخرى لحقيقة ما ينتظر المكذبين الظالمين الذين لا يحبهم الله . والتعبير بأن الله لا يحب الظالمين ، يثير في نفس المؤمن بغض الظلم وبغض الظالمين . وهذه الإثارة في معرض الحديث عن الجهاد والاستشهاد ، لها مناسبتها الحاضرة . فالمؤمن إنما يبذل نفسه في مكافحة ما يكرهه الله ومن يكرهه . وهذا هو مقام الاستشهاد ، وفي هذا تكون الشهادة ؛ ومن هؤلاء يتخذ الله الشهداء . .
قوله تعالى : " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " القرح الجرح . والضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش ، مثل عَقْر{[3524]} وعُقْر . الفراء : هو بالفتح الجُرح ، وبالضم ألَمُه . والمعنى : إن يمسسكم يوم أحد قرح فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله . وقرأ محمد بن السميقع " قَرَح " بفتح القاف والراء على المصدر . " وتلك الأيام نداولها بين الناس " قيل : هذا في الحرب ، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه ، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم ، فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون . وقيل : " نداولها بين الناس " من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر . والدُّولَة الكرة ، قال الشاعر :
فيوم لنا ويوم علينا *** ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَر
قوله تعالى : " وليعلم الله الذين آمنوا " معناه ، وإنما كانت هذه المداولة ليُرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض ، كما قال : " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين . وليعلم الذين نافقوا " {[3525]} [ آل عمران : 166 - 167 ] . وقيل : ليعلم صبر المؤمنين ، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبا قبل أن كلفهم . وقد تقدم في " البقرة " {[3526]} هذا المعنى .
قوله تعالى :{ ويتخذ منكم شهداء } فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى : " ويتخذ منكم شهداء " أي يكرمكم بالشهادة ، أي ليُقتل قوم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم . وقيل : لهذا قيل شهيد : وقيل : سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة . وقيل : سمي شهيدا لأن أرواحهم احتضرت{[3527]} دار السلام ، لأنهم أحياء عند ربهم ، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة ، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة ، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم ، ويكفيك في فضلها قوله تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " {[3528]} [ التوبة : 111 ] الآية . وقوله : " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم " إلى قوله : " ذلك الفوز العظيم " {[3529]} [ الصف : 10 - 11 - 12 ] وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة ) . وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد ؟ قال : ( كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة ) . وفي البخاري : " من قتل من المسلمين يوم أحد " منهم حمزة واليمان والنضر{[3530]} بن أنس ومصعب بن عمير ، حدثني عمرو بن علي أن معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال : ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار . قال قتادة : وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون ، ويوم بئر معونة سبعون ، ويوم اليمامة سبعون . قال : وكان بئر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب . وقال أنس : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وبه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن .
الثانية : في قوله تعالى : " ويتخذ منكم شهداء " دليل على أن الإرادة غير الأمر كما يقول أهل السنة ؛ فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين : حمزة وأصحابه وأراد قتلهم ، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقعه آدم ، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده فامتنع منه ؛ وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق : " ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم " {[3531]} [ التوبة : 46 ] . وإن كان قد أمر جميعهم بالجهاد ، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير فقعدوا .
الثالثة : روي عن{[3532]} علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له : ( خَيِّر أصحابك في الأسارى إن شاؤوا القتل وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل منهم عام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا ) أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن . فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خيرهم فاختاروا القتل . " والله لا يحب الظالمين " أي المشركين ، أي وإن أنال{[3533]} الكفار من المؤمنين فهو لا يحبهم ، وإن أحل ألما بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين .
قوله : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) القرح معناه الجراح ، قرحة : جرحه فهو قريح وهم قرحى{[595]} ومعنى الآية : أنهم إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال ؛ إذ قاتلوكم هنا في أحد ، فأنتم أولى أن لا تضعفوا . وذلك كقوله : ( فإنهم يألمون كما تألمون ) وعلى هذا إن أصابكم منهم قتل وجراح فقد أصابهم مثل ما أصابكم من القتل والجراح .
قوله : ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ( تلك ) في محل رفع مبتدأ . ( الأيام ) صفته . ( نداولها ) جملة فعلية في محل رفع خبر المبتدأ . ويجوز أن تكون تلك مبتدأ ، والأيام خبرا .
والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة . ( نداولها ) : من المداولة ، وهي نقل الشيء من واحد إلى آخر . يقال : تداولته الأيدي إذا تناقلته . ومنه قوله تعالى : ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيبا . ويقال : الدنيا دول ، تنتقل من قوم إلى آخرين ثم عنهم إلى غيرهم . ويقال : دال له الدهر بكذا إذا انتقل إليه . والمعنى أن أيام الدنيا دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه ، ويوم آخر بالعكس من ذلك{[596]} .
والمقصود بالآية : أننا نصرف الأيام بين الناس ، نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء . ومن أمثال العرب في هذا الصدد : الحرب سجال . وعن أبي سفيان أنه صعد الجبل يوم أحد فمكث ساعة ثم قال : أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم وهذا أبو بكر وها أنا عمر . فقال أبو سفيان : يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال{[597]} .
إن ما حصل للمسلمين في أحد جدير بالتدبر الوقوف مليا كيما يستفيد المسلمون كثيرا من العبر والدروس بما يقيم لهم معالم تنير لهم الطريق ، وتكشف عن كثير من مواطن الضعف التي تتعثر بها إرادات الناس وهممهم في ساعات الهول والشدة . لا جرم أن انهزام المسلمين في أحد وما آل إليه ذلك من قروح أو أحزان ما فتئت الأقلام ترويه وتتحدث عنه كلما قرعت أسماعنا الذكرى وذلك لفداحة الصورة ومرارة القرح ، لكن ذلك كله قد تمخض عن دروس وعبر كانت في أهميتها وعظيم اعتبارها فوق ما خلفته هذه الحرب من خسارة مشهودة في الأرواح واضطرب العزائم ، وما حصل للمسلمين في ذلك اليوم أجدر أن ينشر في نفوسهم الثقة واليقين بقدر الله الذي لا يتخلف والذي لا يصدر عن عشوائية بل عن حكمة بالغة قد نعلمها وقد لا نعلمها إلا بعد طول تبصر وإدكار .
لقد تناولت الآيات هنا جملة من المعاني والحكم المقدورة في علم الله والتي تكمن فيما أصاب المسلمين في أحد مما نعرض لذكره هنا في هذا التفصيل وذلك في الحقائق التالية :
الحقيقة الأولى : تمييز الثابتين على الحق ، وذلك مستفاد من قوله تعالى : ( وليعلم الله الذين آمنوا ) وهو معطوف على علة محذوفة ، وتقدير الكلام هنا : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت ، وليعلم الله الذين آمنوا ، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة لسليهم عما جرى ، وليعفرهم أن ما حصل لهم في هذه الواقعة فيه من المصالح ما لو عرفوه لسرهم .
لكن الإشكال في ظاهر قوله : ( وليعلم ) وظاهر ذلك يشي باكتساب العلم في حقه سبحانه . ومثل هذا الفهم باطل ، والصحيح ما قاله المتكلمون في هذا الصدد ، وهو أن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها فثبت أن التغيير في العلم محال ، إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم ، والقدرة على المقدور مجاز مشهور . يقال : هذا علم فلان والمراد معلومه . وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم . إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية وجوه :
أحدها : ليظهر الإخلاص من النفاق ، والمؤمن من الكافر ، والثاني : ليعلم أولياء الله ، فأضاف إلى نفسه تفخيما{[598]} .
الحقيقة الثانية : اتخاذ الشهداء . وهو مقتضى قوله تعالى : ( ويتخذ منكم شهداء ) أي يكرمكم بالشهادة ، وهذه درجة عالية وكريمة وبالغة في الرفعة والسمو يكتبها الله لفريق من الأبرار المجاهدين الذين يقتلون بسلاح العدو في معركة النضال والشرف وهم يذودون عن دين الله ويدرأون عن الإسلام والمسلمين كيد الأشرار والأعادي . أولئك هم الأعلون الذين بوأهم الله ذروة التكريم في الجنة .
والشهداء ، جمع ومفرده شهيد . وهو القتيل في سبيل الله . وفي تعليل هذه الاسم عدة وجوه : منها : أن ملائكة الرحمة تشهد مقتله .
ومنها : أن الله وملائكته يشهدون له بالجنة .
ومنها : أنه يوم القيامة يشهد على الأمم السابقة مع النبيين والصديقين .
ومنها : سقوطه على الشاهدة وهي الأرض وذلك عقيب إصابته بما يقتل .
ومنها : سمي شهيدا بمعنى حاضر فهو حي عند ربه لم يمت ، وبذلك فإن أرواح الشهداء حية وقد حضرت دار السلام أما رواح غيرهم فلا تشهدها{[599]} .
ثم قال بعد ذلك : ( والله لا يحب الظالمين ) أي المشركين ، وهذه الجملة اعتراض بين بعض التعليل وبعض . وتأويل ذلك أن الله لا يحب المشركين . وهم إن أنالهم الله من المؤمنين فإن ذلك لما فيه من حكم وفوائد . وإنما يحب الله عباده المؤمنين .